الثقافة والدولة و ثقافة الدولة

 

أجد من الملائم أن أبدأ هذا المقال باستعارة من قصيدة للشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش:

الرماديّ من البحرِ إلى البحرِ

وحرّاس المدى عادوا

وعيناكِ أمامي نقطتان

والسراب الضوء في هذا الزمان

الواقف الزاحف ما بين وداعين طويلين

ونحن الآن ما بين الوداعين، وداعٌ دائمٌ

أنتِ السراب الضوء، والضوء السراب

من رأنا أخرج الخنجر من أضلاعه، أو خبّأ الخنجر في أضلاعه

حيث تكونين دمي يمطر أو يصعد في أي اتجاه

كالنباتات البدائية

كوني حائطي أو زمني

كي أطأ الأفق الرمادي

وكي أجرح لون المرحلة

من رأنا ضاع منّا في ثياب القتلة

فاذهبي في المرحلة

اذهبي

وانفجري بالمرحلة


فكرّت في أن أبدأ بهذه القصيدة لأن محمود درويش يذكر فيها "الضوء السراب" ويذكر فيها "المرحلة" وهما مفهومان يلحّان عليّ كثيراً خلال العامين الأخيرين. ولكني قررت استخدام القصيدة بالذات بسبب عنوانها وموضوعها "الرمادي". الرمادي في القصيدة، كما أفسرها، هو الناس، الشعب، الأغلبية الصامتة أو الصارخة في بلادنا العربية. هم هؤلاء الذين لا يحكمون بلادهم ولا يتحكمون في مستقبلهم: يستغلون أو يعتقلون أو يقتلون، لا فرق، إذ أنهم دائماً منفصلون عن السلطة. اليوم هناك رماديٌّ يتحرك في كل مكان حولنا، وهناك ضوء/سراب قد يكون الحرية التي ننشدها، وهناك مرحلة تنفجر فينا وبنا.

من هذه الاستعارة الجميلة من محمود درويش أدخل إلى موضوع مقالي: الثقافة والدولة، إذ لا يمكنني أن أتحدث عن السياسات الثقافية في البلاد العربية التي تشهد عملية تغيير سياسي واجتماعي واسعة وعميقة، دون أن القي نظرة على المرحلة التي تمر بها بلادنا.

ما الذي حدث بالظبط خلال الأعوام الثلاثة الماضية؟

منذ نهاية عام ٢٠١٠ وحتى اليوم تجتاح موجات من الغضب والاحتجاج بلدان عدة في المنطقة العربية: تونس – مصر – ليبيا – سوريا – اليمن - المغرب – السودان. بعض هذه الموجات كان عالياً وعاتياً وأطاح برؤوس الأنظمة الحاكمة، وبعضها بطيء وعميق يحرك الرمال تحت المياه ولم تتضح نتائجه بعد. مد وجزر يتلوه مدُ أخر وجزرُ أخر. الدوافع وراء موجات التغيير هذه مطلبان بسيطان: العدل والحرية. مطلب سياسي وهو العدل في توزيع الثروة والسلطة داخل مجتمعات استقر فيها توزيع الثروة والسلطة منذ عقود لتحتكرهما قلة تسيطر على الحكم وتملك السلاح والمال والعلاقات الاقليمية والدولية، ومطلب اجتماعي وهو الحرية للأفراد والمجموعات في أن يعتنقوا ما يشاؤون من الأفكار والأديان وأن يتبنوا أسلوب الحياة الذي يفضلونه دون رقابة أو قمع.

اليوم وبعد ما يقرب من ثلاثة أعوام على بدء هذا الإعصار المتردد، أين نقف؟ ما الذي تحقق من مطلبي العدل والحرية؟ هل تغير توزيع الثروة والسلطة في مجتمعاتنا؟ هل توقف قمع الحريات وأصبحت مجتمعاتنا أكثر حرية وانفتاحاً وتسامحاً مع الاختلاف؟ الإجابة على السؤال الأول أسهل، إذ أنها ببساطة: لا. مازال الأغنياء والأقوياء كما هم، بل إزداد الفقراء والضعفاء فقراً وصعفاً. في مصر مثلاً، وحتى منتصف عام ٢٠١١ كان يبدو أن إعادة توزيع السلطة والثروة أمر ممكن، إذ تلقى النظام القديم ضربات قوية، ولكن هذا الإحتمال أجهض مؤقتاً بفعل الصعود الشعبي للتيارات الاسلامية – الذي قابله عدم وجود تحالف قوي بين القوى الثورية الشابة - ثم ما تلا ذلك من تحالف التيارات الإسلامية مع النظام القديم الذي بدأ عقب ثورة يناير مباشرة.

نجح تحالف الإسلاميين مع النظام القديم الذي استمر أكثر من عامين في مصر ويبدو أنه مازال مستمراً في تونس واليمن في تشويه القوى الثورية معنوياً عن طريق الإعلام مما أضر كثيراً بقدرتها على حشد تأييد شعبي لمقترحات التغيير الثورية. كما نجح في التقليل من مشاركة هذه القوى في الاجراءات الديمقراطية التي تلت الموجة الأولى من الثورة.  كان كل اقتراح ثوري بإصلاح الشرطة أو القضاء أو التعليم أو الثقافة أو الصحة أو الإعلام يقابل باتهام بالرغبة في تخريب الاقتصاد أو هدم الدولة أو بعدم الواقعية إلى أخره.  ولكن سرعان ما انهار التحالف بين الإسلاميين وبين النظام القديم في مصر، لصالح النظام القديم طبعاً الذي اختار أن يفض التحالف بشكل دموي، وأن يتخذ في شهور قليلة اجراءات وقرارات تكرّس لإعادة تأسيس النظام الذي حكم مصر لستين عاماً، بنفس بنيته العسكرية وشبكاته الاقتصادية، وإن تغيرت أسماء قادته.

مطلب الحرية هو الأصعب في الثورات العربية، إذ أنه لا يصطدم فقط بالأنظمة السياسية التي استقرت بعد الاستقلال عن القوى الاستعمارية، وإنما يصطدم أيضاً بجبال مهولة من المعتقدات الدينية والعادات الاجتماعية والممارسات التي أنتجت قيماً أصبحت أصيلة في الثقافة العربية: هيمنة كبار السن، تفضيل الرجل على المرأة، التمييز ضد غير المسلمين، احتقار الفقراء والتحيز ضد الغرباء. ترسخت هذه القيم عبر قرون طويلة ولكنها أصبحت جزءاً أصيلاً من ثقافة الدولة خلال الستين عاماً الماضية، إذ قامت الدولة التي يفترض علمانيتها، برعاية ودعم الخطاب الديني المحافظ المعادي لحرية المرأة والمساواة بين المواطنين، وتبنت نمطاً أبوياً في العمل السياسي والاجتماعي، وشجعت المشاعر والمواقف الشوفينية بل والتي تنطوي على رهاب الغرباء (الزينوفوبيا).

في مجتمعات يكوّن الشباب تحت سن ٣٥ عاماً الأغلبية فيها (حوالي ٦٠٪) ويشكل الفقراء فيها ما يقرب من نصف المجتمع (في مصر وتونس وسوريا والمغرب واليمن والسودان) لم تعد هذه القيم مقبولة تماماً.  هناك أغلبية بين هؤلاء الشباب تدرك جيداً وتقول بوضوح أن مساحة الحرية في المجتمع لا تكفيها  وأن تغيير منظومة القيم الاجتماعية شرط أساسي لتوسيع هذه المساحة.

في الحقيقة إن النظرة الفاحصة للمجتمعات العربية بعد ثلاثة أعوام من الثورة تبين بوضوح خلخلة منظومة القيم التقليدية وطرح هذه القيم للنقاش بكثير من الصراحة التي تصدم الكثيرين.  هناك نقاشات واسعة حول دور المرأة في المجتمع مثلاً وحول ما كان يعتبر مسلماً به من أن الرجل يتحمل مسئوليات أكبر وبالتالي يجب أن يحصل على مزايا أكثر. بل أن هناك نقاشات تدور حول حق المرأة في جسدها وهو أمرٌ لم يكن متصوراً قبل ثلاث سنوات. هناك أيضاً جدل واسع حول مفهوم الحرية الشخصية ورفض لهيمنة العجائز على السياسة والاقتصاد واستنكار للممارسات العنصرية تجاه الآخرين، وهناك من يجاهرون بإلحادهم أو باعتناقهم لأديان تعتبرها الدولة والمجتمع غير شرعية.  كل هذه النقاشات لم تكن موجودة – على الأقل بهذه الدرجة من العلنية وعلى هذا النطاق الواسع – قبل الثورات العربية.  معظم هذا الجدل يدور في وسائل الميديا الاجتماعية أي غالباً بين الشباب الذين يعيشون في المدن، وإن كان استخدام هذه الوسائل عبر الانترنيت المتاح على التليفون يتسع كل يوم.  في نفس الوقت الذي يحدث فيه ذلك نجد وسائل الإعلام الأخري التي تسيطر عليها الأنظمة، مثل الجرائد المطبوعة والتلفزيون ما زالت تروج لمنظومة القيم التقليدية وتدافع عنها، وربما يكون ذلك تعبيراً عن وعي الأنظمة الحاكمة بأن أي تغيير في القيم الاجتماعية يهدد سلطتها على المجتمع.

وفقاً لهذا التحليل يبدو أن التغيير الاجتماعي وهو الذي يبدو الأصعب بين مطالب الثورة قد يسبق التغيير السياسي ويؤثر فيه، رغم أن التغيير السياسي يبدو هو الأكثر تسارعاً عبر الانتخابات المتتالية وعمليات كتابة الدستور المتخبطة والمحاطة بالكثير من الاهتمام الإعلامي.  في رأيي أن الممارسات الديمقراطية مثل الانتخابات أو كتابة دستور جديد لن تفرز وحدها تغييراً سياسياً حقيقياً وقابلاً للاستمرار في مجتمعاتنا.  التغيير السياسي كما ينشده الشعب لن يحدث أولاً عن طريق الانتخابات أو الدساتير، وإنما عن طريق تغيير منظومة القيم التي تدعم الأنظمة القديمة والإسلاميين على حد سواء، وبعد ذلك تأتي الإجراءات الديمقراطية لتشرعن هذا التغيير في القيم وتجعله جزءاً من ثقافة أنظمة جديدة.

 أين المثقفون والفنانون من كل هذا؟ منذ اليوم الأول من الثورة شارك الفنانون والمثقفون فيها كما شاهدنا في الأفلام والصور التي أتت من ميدان التحرير وشارع بورقيبة وساحة التغيير وحي الميدان وغيرها. كان معظم هؤلاء الفنانين والمثقفين مجهولين لدى الجمهور العام، لم يكونوا – إلا فيما ندر – من نجوم الأعمال الفنية التجارية أو من الفنانين الرسميين الذين يكرسّهم النظام عبر وسائل إعلامه ومن تجدهم دائماً في المؤتمرات والندوات التي تنظمها وزارات الثقافة. كان معظم الفنانين الذين شاركوا في الثورة من الذين استبعدوا من فرص العمل والظهور الإعلامي والسفر التي احتكرتها وزارات الثقافة في البلاد العربية لسنين طويلة.  في مصر مثلاً، ظل فاروق حسني وزيراً للثقافة لمدة ٢٤ عاماً متصلة في نظام حكم حسني مبارك، أسس خلال هذه الأعوام ما سماه محازاً ب "الحظيرة" وهي مظلة الرعاية والتمويل والدعم التي مدها فوق الفنانين الذين أيدوا النظام صراحة أو لعبوا أدواراً في ترسيخ سلطته وتجميل صورته، وحرم منها من ناصبوا هذا النظام العداء أو انتقدوه بشكل جذري.  لا يختلف الموقف كثيراً في سوريا وتونس واليمن وليبيا، وإن كانت مساحة الحرية المتاحة للفنانين الذين عملوا مع الأنظمة وكذلك المزايا التي قدمت لهم قد اختلفت من بلد لآخر.

في الأنظمة القديمة – التي مازالت تصارع للبقاء – كانت الدولة، ممثلة أساساً في وزارة الثقافة، تقوم بدور المشرّع والراعي والرقيب والمنتج والموزع للثقافة.  يعني هذا أن الدولة هي التي تضع قواعد العمل الثقافي وتطبقها، تدير المواقع الثقافية، تنتج الأعمال الثقافية والفنية من كتب ومسرحيات وحفلات ومعارض للفنون وغيرها، وهي التي تراقب هذه الأعمال وتتأكد من أنها لا تتعرض بشكل جوهري لمنظومة القيم التي تتبناها الدولة.

تراوح موقف الدولة من العمل الثقافي المستقل عنها بين الحظر شبه التام في سورية مثلاً، أو التجاهل والحرمان من التمويل والتضييق الأمني في مصر مثلاً، أو محاولة الدمج في منظومة الدولة والتضييق الأمني في نفس الوقت مثل ما كان يحدث في تونس.  وزارات الثقافة لعبت دوراً هاماً في الأنظمة القديمة، من ناحية لضمان بقاء الفنانين والمثقفين ضمن حدود تعبير ودوائر تواصل مع الجمهور تحددها الدولة، ومن ناحية أخرى لتجميل صورة هذه الأنظمة أمام العالم الخارجي. ومع ذلك بقيت هذه الوزارات عموماً في أخر سلم أولويات الأنظمة وانعكس هذا على ميزانياتها التي لم تتعد ثلث الواحد في المائة (٠,٠٣٪)، فيما عدا تونس التي وصلت ميزانية الوزارة فيها إلى الواحد في المائة أحياناً.

هذا الدور الأساسي والمركزي لوزارات الثقافة انطوى على مشاكل كبيرة،  أولها وأهمها فشل أجهزة الدولة في الوصول بالمنتجات والخدمات الثقافية إلى أغلبية الشعب – وهناك من يعتقدون أن هذا كان فشلاً متعمداً - فبقيت الأغلبية الفقيرة محرومة من أي معرفة أو خبرة ثقافية من أي نوع.  في مصر مثلاً، أغلب من هم تحت سن الأربعين لم يزوروا مسرحاً ولا معرضاً للفنون في حياتهم. المشكلة الثانية تتمثل في استقطاب وتجنيد عدد كبير من الفنانين والمثقفين حول النظام الذي عمل على بقائهم ضمن دائرة ضيقة محيطة به لضمان عدم وصول أفكارهم إلى قطاعات واسعة من المجتمع، على أن يتمتعوا ببعض الحرية وبعض المزايا داخل هذه الدائرة الضيقة.  هاتين المشكلتين: حرمان أغلب الشعب من الخدمات الثقافية وابقاء المثقفين بعيدين عن أغلبية الشعب، هما اللتان أتاحتا – بالإضافة إلى تدهور التعليم - استمرار منظومة القيم القديمة التي تضمن بقاء الوضع على ماهو عليه، بل وساعدتا على انتشار قيم أكثر محافظة ومعاداة للتغيير كالتي دعت إليها التيارات الإسلامية السلفية.  نتج أيضاً عن هاتين المشكلتين شيوع مفهوم للثقافة لدى المواطنين يقصرها على العمل الحكومي الذي تقوم به نخبة من المثقفين الذين يستخدمون لغة معقدة ومملة، بينما تعني كلمة "الفنون" بالنسبة لمعظم الناس تلك الأعمال الترفيهية التجارية دون غيرها، واستبعد من هذا المفهوم كل ما له علاقة بالفنون الحديثة والمعاصرة، وبالتالي اتسعت الهوة بين الناس والثقافة بشكل كبير.

هذه هي ثقافة الدولة التي عرفناها في بلادنا العربية: المركزية، احتكار الدولة للعمل الثقافي، ابقاء الفنانين والمثقفين في حضن النظام واستخدام العمل الفني والثقافي لتجميل صورة النظام.

حتى هذه اللحظة لم يحدث تغيير جذري في هذا الدور، ولم يتح للإقتراحات الكثيرة حول إعادة النظر في هذا الدور في مصر وتونس بالتحديد أن توضع موضع التنفيذ، ولا حتى النقاش الجديّ.  بشكل أساسي أعاق وصول الاسلاميين إلى الحكم جهود تغيير أو حتى إصلاح وزارات الثقافة، إذا اضطر الفنانون والمثقفون إلى الاصطفاف وراء النظام القديم خوفاً من الخطر الذي استشعروا أن الاسلاميين يمثلونه على مساحة الحرية التي كانوا يتمتعون بها في ظل الأنظمة القديمة، مهما كان ضيقها.  وبالأساس ناصبوا الاسلاميين عداءاً كبيراً بسبب تركيز هؤلاء على مسألة الهوية الاسلامية للدولة التي يراها أغلب المثقفين والفنانين ارتداداً عن العلمانية النسبية للدولة التي سادت أنظمة ما بعد الاستقلال الوطني.  أدى هذا الاستقطاب الحاد – الذي غذّته وسائل الإعلام -  إلى إعاقة أي محاولة جدية للنظر بشكل نقدي في دور وزارات الثقافة، وفي علاقة الثقافة بالمجتمع بشكل عام.

لكن هذا ليس موقف "كل" الفنانين والمثقفين.  هناك قطاع ثقافي يسمى منذ التسعينات بالقطاع الثقافي المستقل، وهو يتكون من مجموعات من الفنانين والمشتغلين بالثقافة، بعضها يأخذ شكلاً مؤسسياً والبعض الآخر مبادرات فردية لفنانين أو أدباء اختاروا أن يكونوا على مبعدة من الأنظمة الحاكمة.  هذا القطاع – رغم تناقضه الجوهري مع طرح الهوية الإسلامية للدولة الذي تتبناه القوى الاسلامية – إلا أنه يتناقض بنفس الدرجة، مع ثقافة الدولة القديمة بل ويتصادم معها من حين لآخر.  لم يشارك معظم المنتمين لهذا القطاع في عملية الاصطفاف حول الأنظمة القديمة في مواجهة التيارات الاسلامية، وفضلوا البقاء على تناقض مع الاثنين، مع إدراكهم أن حجمهم وقوتهم لا تتيح لهم الدخول في صراع مفتوح مع أي من هذين القطبين.

يتمتع المنتسبون لهذا القطاع – أفراداً ومؤسسات – بدرجة عالية من الحيوية الإبداعية والتحرر من القيود الفنية وكذلك الاجتماعية والسياسية، فنجد أن معظم الأعمال الفنية ذات المستوى العالي أو التي تتمتع بجرأة كبيرة تأتي من هذا القطاع، مثل أعمال فناني الجرافيتي المطاردين في تونس وفي مصر، ومثل النوع الموسيقي الجديد المسمى بموسيقى "المهرجانات" والذي يأتي من الأحياء الفقيرة في مصر.  أدى انخراط هؤلاء الفنانين بشكل واضح في الثورات العربية منذ بدايتها إلى تغيير إيجابي في صورة الفنان لدى غالبية المواطنين واكتشفت القوى السياسية المختلفة قدرة الفنانين على الحشد، فساهم هذا في تعزيز موقع الفنانين المؤيدين للثورات والمناهضين للأنظمة القديمة وللتيارات الاسلامية على حد سواء.

 لكن هؤلاء الفنانين في الوقت نفسه يواجهون مشاكل عديدة: الحرمان من الموارد المالية العامة ومن امكانية استخدام المواقع الثقافية الحكومية ومن الظهور في وسائل الاعلام المحلية،ومحدودية الموارد المالية والاعتماد على تمويل المنظمات المانحة الدولية المتقطع وغير الكافي، وقلة العناصر المؤهلة لقيادة القطاع وندرة فرص التعلم والتدريب، وصعوبة خلق فرص التواصل مع الجمهور العريض في البلاد العربية والاحتكاك بالفنانين والجمهور في البلاد الأخرى.

المشكلة الأكبر التي تواجه هذا القطاع حالياً هي الحفاظ على موقعه خارج الاستقطاب بين الأنظمة القديمة والتيارات الاسلامية واللذان يحاولان استقطابه والهجوم عليه في نفس الوقت، بدعوى تمويله من الخارج وتبعيته للغرب مستخدمين الاتهامات المعتادة بالعمالة والخيانة إلخ.

بشكل عام، يواجه الفنانون والمثقفون في البلاد العربية، سواء كانوا يدورون في فلك الدولة أم مستقلين عنها، ثلاثة تحديات أساسية:

١- العلاقة مع الدولة سواء كانت الدولة في يد الأنظمة القديمة أم في يد الاسلاميين أم في يد تحالف بينهما.  تحديد المسافة بين الفنان أو المثقف وبين الدولة، والبقاء على مسافة أمنة من نظام الحكم تتيح للفنان أكبر قدر من الحرية والاستقلالية أمر بالغ الصعوبة، خصوصاً مع احتكار الدولة للموارد المالية المتاحة للثقافة وعدم وجود مصادر تمويل أخرى يعتمد عليها.

٢- العلاقة مع المجتمع الذي يعيش ثلثه أو نصفه تحت خط الفقر ومازال يتبنى قيماً محافظة ومعادية للتحرر والإبداع.  يحتاج الفنانون إلى وسطاء – أفراد أو مؤسسات – تسهل لهم قيام علاقة مباشرة مع المجتمع وتفتح أمامهم منصات الحوار مع الناس.  إن العزلة عن أغلبية المجتمع تؤدي في رأيي إلى تهميش الفن والفنانين، وإلى وضعهم في موقع ضعيف بالنسبة للأنظمة، بالإضافة طبعاً إلى ضررها الأكبر في حرمان أغلبية المجتمع من أدوات التخيل والنقد والإبداع والبهجة التي يوفرها الفن.

٣- هشاشة القطاع الثقافي، سواء كان مستقلاً أم تابعاً للدولة، من الناحية الإدارية، وافتقاره إلى حوكمة رشيدة وهياكل إدارية فعالة ومؤثرة وإلى الموارد البشرية التي يمكنها القيام بذلك.  يعمل في القطاع الثقافي الرسمي في بلد مثل مصر عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين ولكنهم يفتقرون إلى المهارات وإلى المعارف اللازمة لأداء عملهم، فضلاً عن الإيمان والحماس اللذان ينبغي أن يميزا العمل في الثقافة.  في القطاع الثقافي المستقل عدد قليل من المشتغلين بالإدارة، معظمهم فنانون أو أدباء في نفس الوقت، يضطرون إلى الجمع بين وظائف عدة في آن واحد، وأحيانا ما يعملون في وظائف أخرى لا علاقة لها بالثقافة ليتمكنوا من كسب عيشهم.

هناك حاجة طبعاً لإعادة النظر بشكل جذري في السياسات الثقافية المتبعة في البلاد العربية، ولكن هذا أمر مرتبط تماماً بعملية التغيير السياسي.  في اللحظة الراهنة، في مصر على الأقل، هناك دفع قوي في اتجاه العودة إلى النظام السابق، لم ينجح ذلك تماماً حتى الآن، وغالباً لن ينجح، ولكنه لن يتيح في الوقت الحالي الاتفاق على سياسة ثقافية تختلف جذرياً مع ما اتبعه النظام القديم.

حتى تحين اللحظة المناسبة لطرح سياسة ثقافية جديدة، هناك عمل كثير يمكن القيام به: محاولة تنظيم الفنانين والمثقفين على أرضية مشتركة من المصالح، تشجيع الحوار بين الفنانين والمثقفين حول دور الفن والثقافة في عملية التغيير السياسي، تعريف المشتغلين بالسياسة والمواطنين كلهم بمفهوم السياسة الثقافية وأهمية وجود مثل هذه السياسة، الحصول على معلومات دقيقة عن الموارد المالية العامة المتاحة للثقافة، حصر ومراجعة القوانين المتعلقة بالعمل الثقافي واقتراح تعديلات تشريعية تتيح قدر أكبر من الحرية. أهم شيء يجب عمله في هذه الفترة في رأيي هو نشر الوعي حول ضرورة الفن وعلاقته بالتغيير الاجتماعي والسياسي بين أغلبية الشعب.  لقد ترسخ عبر العقود الماضية لدى أغلب الناس القناعة بأن الفن ترف ليس للفقراء حاجة به، وإنما هو نشاط للأغنياء و للطبقة المتوسطة وحدهما.  تنطوي هذه القناعة على كثير من الزيف إذا أن الفقراء هم أحوج الناس إلى الفن الذي يمنحهم القدرة على تحليل واقعهم الصعب ونقده، وعلى تخيل مستقبل أفضل، وعلى التعامل مع التوتر والعنف الناتجان عن الاحساس بالظلم وانعدام الأمان.

لقد بدأت مؤسسة المورد الثقافي، التي أديرها، في مسح السياسات الثقافية في ثمان بلدان عربية في عام 2009، ثم تطور هذا العمل خلال الأعوام التالية إلى أن تأسست نواة لمجموعات وطنية تعمل على تطوير السياسات الثقافية في تسع بلدان عربية هي: مصر والجزائر والمغرب وموريتانيا وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن والأردن.  تقوم هذه المجموعات بإجراء الأبحاث ونشرها حول إدارة الثقافة وتمويلها، وتعقد الندوات والمؤتمرات لمناقشة سبل تطوير السياسة الثقافية الوطنية، كما نقوم في مصر بحملة شعبية للتوعية بالحق في الثقافة.

نأمل في أن يستمر هذا العمل ويتطور إلى أن يفرز سياسات ثقافية جديدة تطرح للنقاش العام في هذه البلدان، وتضمن هذه السياسات دعم العمل الثقافي بكل أشكاله لكل طبقات المجتمع وحريته واستقلاله عن أنظمة الحكم، وحماية حق كل المواطنين في تلقي وممارسة كل أشكال العمل الفني والثقافي، والحفاظ على التنوع الثقافي في المجتمعات العربية.

طريق صعب وطويل، ومليء بالفخاخ والمتاهات، يشبه الطرق التي سلكتها غيرنا من الشعوب لتصل إلى العدل والحرية، بعض هذه الشعوب كاد يصل إليهما بالفعل، كما أعتقد أنه حال كثير من الشعوب في أوروبا، والبعض الآخر، مازال في منتصف الطريق أو في أوله مثلنا.  لا نملك إلا أن نسير.

2014-01-07

بسمه الحسيني

بسمه الحسيني هي مديرة المورد الثقافي، وهي تعمل في مجال الثقافة والأدب في المنطقة العربية منذ أكثر من ٢٥ عاماً، خصوصاً فيما يتعلق بدعم مؤسسات وبرامج الثقافة المستقلة. شاركت في تأسيس المورد الثقافي عام ٢٠٠٤ وفي تأسيس الصندوق العربي للثقافة والفنون عام ٢٠٠٦.
 

محتوى نقل من موقع الثقافة والدولة و ثقافة الدولة و ينشره  باب الماد فى اطار برنامج "ابتكار"

 

Related Posts

التحرك بحرية وراء الزجاج (المصفح) للقنصلية

14/12/2009

في قاعة كبيرة مليئة باللون الرمادي ، توجد بضعة عشرات من الكراسي المصطفة في مواجهة الحائط .

فن "الربيع العربي" يزهر خجولا في لبنان

29/12/2011

في حين بدأت الدول العربية تنتفض لترسم ملامحها الجديدة، خلع لبنان قناعا كان يختبئ خلفه طوال عقود مضت. لبنان الذي كان قبلة للفنانين العرب، بات اليوم مجرد مشاهد مكتوف الأيدي يراقب بأسى، يعارض حينا، ويصفق حينا آخر لإنجازات غيره...

المشروع الإسلامي يعود إلى الجزائر من بوابة الربيع العربي

16/04/2012

 

من العشرية السوداء إلى الربيع العربي، يحاول المشروع الإسلامي أن يجد معالمه في الساحة السياسية الجزائرية. هذه المرة بالتحالفات وتقمص دور المعارضة...