لا ديمقراطية دون نساء ولا حقوق للنساء دون ديمقراطية

فتحت الثورة التونسية باب المطلبية الواسعة، ويبقى المطلب الأكثر إلحاحا والذي يختزل مختلف المطالب هو ذاك المتعلق بالديمقراطية بما تعنيه حق كل فئات الشعب في المشاركة السياسية من خلال حق الانتخاب والترشح وحق المشاركة في اتخاذ القرار ورسم السياسات العامة للدولة وحق المشاركة في الحياة العامة ضمن مختلف هيئات المجتمع المدني.

 

 

تقسيم تقليد

تبقى مساهمة فئات كثيرة من الشعب التونسي في البناء الديمقراطي محتشمة للغاية لعل أبرزها مساهمة الشباب والنساء مما يجعل التحديات أمام الفئتين أكبر وأكثر تعقيدا لتداخل اعتبارات قانونية واجتماعية وثقافية واقتصادية تتنافى وشعار "إنه لا ديمقراطية دون نساء ولا حقوق للنساء دون ديمقراطية".

ولطالما كانت المعطيات العددية تعكس ضعف مشاركة النساء في الشأن العام وقلة تمثيليتهن في دوائر القرار. فبالنسبة للحكومة لم تعرف تونس طيلة خمسين سنة امرأة تقلدت إحدى وزارات السيادة بل ظلت تعهد لها وزارتا المرأة والصحة وفي أحسن الأحوال البيئة باعتبارها مهام مرتبطة بالتقسيم التقليدي للأدوار الذي يعهد للنساء الوظيفة الإنجابية والتربوية في فضاء الأسرة. ولا يختلف المشهد في مؤسسات المجتمع المدني، فلئن كانت نسبة النساء المنضويات صلب الاتحاد العام التونسي للشغل تمثل 40 بالمائة من النقابيين، إلا أنه كلما تدرجنا في السلم الهرمي لهياكل المنظمة الشغيلة تراجعت نسبة وجود النساء إلى أن تنعدم تماما في المكتب التنفيذي باعتباره الهيئة التسييرية  للاتحاد،

وكذلك وعلى سبيل المثال، فإن تواجد النساء في المراكز القيادية للأحزاب السياسية ضعيف للغاية حتى أنه قبل 14 جانفي لا توجد سوى أمينة عامة واحدة لحزب سياسي (مية الجريبي عن الحزب الديمقراطي التقدمي).

بعد 14 جانفي لا يبدو أن المشهد قد تغير بالنظر إلى المناصب التي عهدت للنساء في مؤسسات الانتقال الديمقراطي حيث توجد وزيرة واحدة في الحكومة الانتقالية وهي وزيرة المرأة، كذلك توجد أمينتان عامتان لحزبين سياسيين من ضمن ما يزيد عن مائة حزب، وفي الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والانتقال الديمقراطي والإصلاح السياسي لا نجد أكثر من 36 امرأة بين مائة وخمسين عضوا للهيئة.

هل تغير المشهد؟

إن ضرب مختلف هذه الأمثلة على سبيل الذكر لا الحصر يعكس أهمية التحديات المطروحة على المرأة التونسية  في مرحلة البناء الديمقراطي وهي تحديات لا يمكن تذليلها بدون الوقوف على الأسباب الكامنة وراء تهميش النساء من الحياة العامة والسياسية.

إن الانخراط المحدود للنساء في العمل السياسي وفي البناء الديمقراطي راجع بالأساس إلى أسباب اجتماعية وثقافية واقتصادية تجد مرتكزاتها في التمييز القانوني المتواصل ضد النساء. ونعني بالأسباب الاجتماعية والثقافية تواصل التقسيم التقليدي للأدوار داخل الأسرة التونسية، فعلى الرغم من تعميم التعليم بالنسبة للذكور والإناث منذ ستينات القرن الماضي، وعلى الرغم من ولوج النساء سوق الشغل، إلا أنهنّ تعانين من استغلال مضاعف باعتبارهن مكلفات أيضا برعاية الأسرة وتربية الأطفال وهو عمل غير مقدر ماديا في مجتمعاتنا وغير مدفوع الأجر رغم أهميته في إنتاج المجتمع بأسره بالإضافة إلى أن الثقافة السائدة تكرسه كاختصاص مطلق للنساء وهو ما تربّي عليه الأسر التونسية بناتها وأبناءها وتؤهلهم له في فصل شبه مطلق بين الفضاء الخاص المحتكر من قبل النساء مما يؤدي إلى تغييب لدور الأب وتقليص لحجم مسؤولياته والفضاء العام المسير شبه كليا من قبل الرجال.

أما الأسباب الاقتصادية، فتتمثل في عدم تكافؤ الفرص والأجور بين النساء والرجال في سوق الشغل. وعلى الرغم من أن الفصل الخامس من مجلة الشغل ينصّ صراحة على المساواة بين الجنسين، إلاّ أن النص القانوني لم يمنع ما تثبته الدراسات من التمييز في

الأجور خاصة في القطاع الفلاحي وكذلك ما يبينه سلم الترقيات من تخلف النساء في غالب الأحيان عن احتلال مواقع القرار مقارنة بالرجال وهو ما يعزى في أحيان كثيرة لعطلة الأمومة التي تتمتع بها المرأة عند الولادة.

مجلة الأحوال الشخصية والتمييز

قد يفصل البعض بين الجانب القانوني والاجتماعي على اعتبار ما تتميز به تونس من مكانة في مجال حقوق النساء خاصة من خلال مجلة الأحوال الشخصية التي حددت السن الدنيا للزواج ومنحت المرأة حق اختيار القرين وحق الطلاق إنشاء منها ومنعت تعدد الزوجات وألغت واجب الطاعة وغيرها من المكتسبات المهمة التي ساهمت في تحديث المجتمع التونسي. إلاّ أنه للمتأمل في مجلة الأحوال الشخصية أن يكتشف التمييز المتواصل بين الجنسين صلب قواعد المجلة عندما تبقي على الرئاسة الأبوية للعائلة صلب الفصل 23 منها والتي تجعل من الرجل في تقديرنا رئيسا والمرأة بالمقابل مرؤوسة، الأمر الذي ينعكس على الهرمية في المجتمع ككل ويجعل من الرجال رؤساء للنساء، مع أن عدة بلدان عربية مثل المغرب قد تجاوزت هذا التمييز القانوني من خلال جعل رئاسة العائلة من مشمولات الزوجين على حد السواء، الأمر الذي من شأنه أن يساهم تدريجيا في تطوير الأسرة بإعادة توزيع الأدوار على أساس التوازن بين الزوجين.

مجلة الأحوال الشخصية ما زالت كذلك تكرس التقسيم التقليدي للأدوار طالما أن مجمل صلاحيات الولاية مسندة للرجل وطالما أنها دائما صلب الفصل 23، تأخذ بـ"العرف والعادة" في تسيير الأسرة وتربية الأبناء. وكما هو معلوم فإن العرف والعادة يكرسان التقسيم التقليدي للأدوار مما يثقل كاهل النساء بالمهام العائلية ويحرمهن من الوقت الكافي الذي يفترضه انخراطهن صلب النقابات والجمعيات والأحزاب السياسية وبالتالي ولوج الحياة العامة بمختلف جوانبها.

وينعكس التمييز القانوني على الانخراط السياسي للنساء من حيث عدم إقرار المشرع التونسي صلب مجلة الشغل بعطلة ولادة تمنح للوالدين على قدم المساواة حتى يعتنيا بالأبناء بل ويصير هذا التمييز صارخا عندما خصّ المشرع النساء منذ 2008 بإمكانية العمل نصف الوقت بثلثي الأجر، الأمر الذي يعكس مرة أخرى نظرة تقليدية لتوزيع المهام والأدوار داخل الأسرة ويقلل من الإمكانيات الاقتصادية للنساء ويمس من حقهن في الانخراط بشكل مكثف في الحياة العامة في حين أنه كان من الأجدر بالمشرّع التونسي تمكين الوالدين العاملين على حد السواء من إمكانية العمل بالحصة الواحدة التي تفتح مجالا أكبر لتخصيص جانب من وقتيهما للأسرة وجانب آخر لممارسة مشمولات المواطنة.

كذلك قد يبدو للبعض أنه لا علاقة للتمييز في الإرث بضعف التمثيلية السياسية للنساء، في حين أن ما يسببه عدم المساواة في الإرث من قلة موارد مالية للنساء يكرس من ناحية تبعيتهن الاقتصادية ويجعلهن من ناحية ثانية غير قادرات اقتصاديا وماديا على مجابهة الأعباء اللازمة لخوض غمار العمل السياسي بمعناه الواسع.

تحديات البناء الديمقراطي

من خلال مختلف الأمثلة المقدمة نستشف أنه لا يستقيم الفصل بين التمييز المسلط على النساء صلب القوانين وما تعانينه من دونية واستغلال  يتخذ له مبررات من العقليات والثقافة السائدة ولعل المثال العكسي أقدر على ربط الصلة بين تطوير القوانين ودوره في تطوير المجتمعات وهو منع تعدد الزوجات وما أفضى إليه من تقلص نسبة الولادات، الأمر الذي من شأنه أن يحسّن التصرف في الموارد الاقتصادية للبلاد ولعلّ ذلك ما يفسر تمسّك جميع التونسيين اليوم بهذا المكسب القانوني.

وبالتالي، يمكننا أن نستشف أن أحد تحديات البناء الديمقراطي اليوم يتمثل في الإقرار بالمساواة التامة والفعلية بين النساء والرجال على المستوى القانوني حتى يصير تكريسها في المجتمع ممكنا ويستساغ حينئذ تذليل الهرمية داخل الأسرة المضيقة أي العائلة والأسرة الموسّعة أي المجتمع. ومن الضروري لكل ما سلف التطرق إليه، الاشتغال على مجتمع المساواة في الفضاءين العام والخاص ولعل اللحظة ابتدأت منذ انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 23 أكتوبر 2011 وذلك لما يعلقه الشعب التونسي على مجلسه المنتخب من آمال في صياغة دستور جديد يحمي المكتسبات في علاقة بحقوق النساء ويطورها نحو المساواة التامة والفعلية من أجل تحديث المجتمع بأسره. فالمجلس التأسيسي سيرسم ملامح المجتمع التونسي وسيحدد معالم الديمقراطية التي يصبو إليها شعبنا منذ عقود.

صلاحيات المجلس التأسيسي

ولأن الثابت اليوم في علاقة بصلاحيات المجلس التأسيسي واضطلاعه بصياغة دستور البلاد، فإنه من الضروري أن يقر الدستور الجديد المساواة التامة بين الجنسين وذلك

 

لتلافي الثغرات التي أفضت إليها صيغة الفصل 6 من دستور غرة جوان 1959 التي استعملت عبارة شاملة تتعلق بالمساواة بين جميع المواطنات والمواطنين فسمحت للترسانة القانونية التونسية بالإبقاء على مختلف مظاهر التمييز التي تطرقنا إليها وغيرها مما لم نأت على ذكره.

ازدواجية المعايير

إن الازدواجية في المعايير وفي الاعتراف بالحقوق التي تبنتها المنظومة التشريعية التونسية طويلا جعلت المجتمع التونسي يتخبط في تناقضات رهيبة بين الرغبة في تحديث المجتمع وفق المعايير الدولية لحقوق الإنسان والتي تقر بجملة من الحقوق الأساسية غير القابلة للتجزئة مثل الحرية والعدالة والمساواة بين الجنسين، وبين نزعة ارتدادية تحاول وفق اعتبارات ثقافوية ودينية واجتماعية الإبقاء على التمييز ضد النساء على أساس أن هذا التمييز يمثل جزءا من خصوصيتنا الحضارية، الأمر الذي قلل من إمكانات سير المجتمع نحو التنمية الحقيقية والتي تستثمر مختلف طاقات كافة فئات المجتمع.

ومع أن ثورة تونس 2011 قد زعزعت المشهد القائم لأنها أبرزت الدور الاستثنائي الذي لعبته النساء التونسيات في تحرير البلاد من أحد دعائم الاستبداد بفضل رواسبنا الثقافية والقانونية المضيئة مقارنة بدول المنطقة، إلا أنها لم تحسم الجدل حول إمكانية تجاوز تناقضاتنا الثقافية في اتجاه مجتمع المساواة وتكافؤ الفرص بل أنها سمحت لجيوب الرّدّة بتغذية فكرة التناحر بين الجنسين ونزوعها للإبقاء على المنظومة السائدة للعلاقات بين الرجال والنساء وإصرارها على مقولات استثناء النساء من الحقوق الإنسانية وفق معيار الدين والخصوصية الثقافية لما تراه في مكتسبات النساء من مزيّة للحاكم عوضا عن استيعابها للرواسب الحضارية التونسية أي لكون هذا البلد كان دائما منبع الاجتهادات الكبرى انطلاقا من إلغائه للعبودية في القرن التاسع عشر وصولا إلى تطبيق خيار الشرط في الزواج القيرواني، والذي طبقت فيه التونسيات قاعدة فقهية لمنع الزواج بثانية ومهدن بالتالي لتجريم الزواج بثانية سنة 1956.

ولأن ما يحظى بتوافق الجميع اليوم هو ضرورة القطع مع مختلف أشكال الاستثناء من الحقوق والحريات والكرامة تحت أي عنوان كان خاصة لما أفضت إليه تلك الاعتبارات ذاتها عندما وظفتها آلة الاستبداد من اكتواء الإسلاميين ثم بقية أصوات الحرية والاختلاف بنار الإقصاء السياسي والتعذيب والقمع، فإنه من الوجيه إذن استرجاع ما لمرارة التخيير

بين الأمن والحرية من مغبة على الديمقراطية وقطع الطريق وبالتالي أمام التخيير بين الهوية بمفهوم مغلق ومتحجر والحداثة والاستناد إلى تراكمات حركة التحرر الفكري والسياسي التونسي واستثمار ما وصل إليه المجتمع التونسي من نضج واستعادة إصراره على فصل الشريعة عن التشريع حتى لا تغبن النساء مرّة أخرى ولعل المأمول من النخب السياسية والثقافية بمختلف تلويناتها اليوم هو مواجهة تناقضات المجتمع التي أدت إلى تجزئة حقوق الإنسان والدخول في منظومتها بشموليتها وتكريس ذلك بدءا بدستور جديد ومنه إلى مختلف القوانين حتى تكون المساواة وعدم التمييز مبدأ قانونيا أساسيا يحكم المنظومة التشريعية لجمهوريتنا الثانية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) محامية وحقوقية.

Related Posts

كي لا يتحوّل العالم العربي إلى عراق كبير

08/07/2012

يقول مثل فرنسي مشهور: الثورات يحلم بها الشعراء، ويحقّقها الشجعان، ويستفيد منها الانتهازيون. لكنّ أبشع أصناف الانتهازية تلك التي تخطط وتدبّر لاستدراج العالم العربي...

 

مقادير إنتاج لغة الخشب في المغرب

21/07/2016

مقادير إنتاج لغة الخشب في المغرب

بمناسبة عيد الفطر وكل عيد، سيبعث الملك محمد السادس ببرقية تهنئة رمضانية حارة للرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، يعبر فيها عن أمانيه في توطيد أواصر الأخوة والتضامن بين شعوب المغرب العربي. ويتلقى الملك في اللحظة نفسها برقية بليغة تؤكد أن تحقيق وحدة المغرب العربي باتت "أكثر من ضرورة" في وقت تتعرض فيه المنطقة إلى "تحديات على جميع المستويات".

(السفير العربي)

تدوينة عن التربية والتعلم بالصدفة: فرصة ثانية للحياة

08/05/2016

تدوينة عن التربية والتعلم بالصدفة: فرصة ثانية للحياة
في الشهر القادم يتخرج ابني الأكبر زياد من الجامعة، ويلحقه أخوه مازن بعده بعام، وبين لحظة ميلادهما وتخرجهما، كانت فرصة ثانية للحياة لي.

(ابتكار/ مدى مصر)