للراشدين فقط

يعتبر يحيى جابر من شعراء "جيل الحرب" في لبنان الذي برز منذ اواسط الثمانينات، وشكل صدمة أدبية لما حمله شعر هذا الجيل من انحياز لـ"اليومي" ولسرد الذاكرة والتجارب الشخصية، بلغة وقحة ومباشرة وشديدة الجرأة...بالاضافة الى القسوة والعنف بما يتماهى مع ذاكرة الحرب وخرابها الروحي والاخلاقي والمادي، وأيضاً خراب اللغة نفسها.
اليوم، يكتب يحيى جابر مجموعة شعرية تتصف بالطابع الايروتيكي.
هنا، قراءة في الكتاب.

ما هي شرعية السعي إلى «شِعر ملائم» عفوي، ناتج من مكان وزمان. شعر يطمح إلى إزاحة كل ما يفصل الفن عن الحياة، وشرطه الواضح تحريره من ضغط «تاريخ» اللغة، تحريره بالأحرى من أرشيف الشعر ومتحفيته؟
يمكن تشبيه ذلك بإقامة قداس خارج الكاتدرائية. مع كل ما يعني ذلك من روح مرحة وهواء طلق وضوء ساطع. بالتأكيد، لا هرطقة هنا، وإن كان في ذلك إزعاج مقصود للسلطة، وللأعراف.
ويحيى جابر في «للراشدين فقط» (دار رياض الريس-بيروت) يأخذ الشعر مجدداً إلى خارج كاتدرائيته، إلى قلب المدينة وأرصفتها وشققها وحاناتها. يجرّه جرّاً من قلب قلعته المحصنة إلى الساحات والزوايا والكورنيش البحري وأعالي البنايات، مصطحباً إياه بالسيارة أو مشياً، قاذفاً به عارياً بين الأيدي والأرجل، ناقلاً إياه بين الأفواه والآذان والأسنان.
مع هذا الكتاب الشعري يستكمل جابر بالتحديد ما بدأه في «كأنني إمرأة مطلقة» (دار النهضة العربية، مطلع 2007) من كتابة إيروتيكية الطابع وتجريبية السمة. حيث موضوع الحب ــ الجنس / المرأة ــ الرجل مكتوب بما توصل إليه الشاعر عبر جملة كتبه السابقة من أسلوب لغوي يشتبك فيه العامي بالفصيح، المتداول نثراً وكلاماً والمرذول قاموساً وتدويناً، العفوي خاطراً والمصطنع تفنناً.
وبالعناد ذاته، بالتصميم نفسه، يدوِّن جابر قصائده وكأنه ينتشلها إنقاذاً من القواميس، وينشلها تمييزاً من الثرثرات اليومية، ويصطادها إستراقاً من المأثورات، وينسلها صياغة من التلفزيون والمسرح والاذاعة والجريدة. يقتنصها من مطابخ ربات البيوت، من مكاتب السكرتيرات، من جوارير الموظفين، من شفاه السائقين، من صرخات الباعة، من هذيانات السكارى، ومن نفايات الليل وهوائيات الهواتف، وصخب النهار، وضجيج المقاهي.
إنه من هذا الركام اللغوي، الفوّار، الطافح من مكان وزمان معلومين، يؤلف قصائد لا لتقول هذا العالم الموصوف، آنفاً، ففي ذلك ادعاء بات متروكاً، انما لتقول سيرة شخصية، او مقطعاً من هذه السيرة. ومن أجل ان تقول القصائد تلك السيرة، على نحو يتشابه فيه القول بالمعنى، فيكون الدال والمدلول من عجينة الدلالة ومائها، لا يتورع يحيى جابر عن «خيانة» الأدب وانتهاكه، فيعمد إلى جمالية اللاأدب، إلى مفارقة اللاشعر: «حبيتبي غادرتني زعلانة، ترتدي سيارة زرقاء موديل 2003، تنتعل الشاطئ مشّاية أم إصبع» (ص 17).
«صناعة» القصيدة لا تقوم على تصعيد لغوي، بل انها تتعمد سفليتها، لكنها في الوقت نفسه لا تتقبل خاميتها وتتفنن في أسلبتها «ترتدي سيارة»، «تنتعل الشاطئ». وما نظنه بداهة في التشبيه والكناية، ما هو إلا خدعة أسلوبية ــ تصويرية، وبهذه الخدعة يسع الشاعر أن يقول دون عناء مثلاً: «لحظة غيرة أفكر بحوافري / أحرن كحمار بجناحين / أرفس أقدام السهرة» (ص 24).
لا شك ان الشاعر في تجربته هذه يستأنف القصيدة الإيروتيكية التي تمظهرت في «كأنني إمرأة مطلقة» حيث يوميات الحب والجنس والمتاعب اليومية ونزق العواطف وتقلبات الجسد ونوازعه ومشاغل العيش والسياسة وأثقال الذاكرة الشخصية والإعياء اللغوي ومأزق التواصل والاصطدام المستمر بمواقيت المدينة وفوضاها وإرهاقات العمل وإرث الطفولة وأصداء الماضي، بل والأعطاب العارضة التي تتخلل كل علاقة حب بما فيها من شهوة أو ملل أو خوف أو جموح وغيرة وشراسة وتعب ونعومة ونقمة وحنان. حيث تلهث القصيدة لـ»تصوّر» وتسجل المفارقات الساخرة أو الجارحة أو المرحة أو فقط لتسجّل الذرى الصغيرة لارتعاش الحب وانتصاره جسداً وروحاً.
قصائد «للراشدين فقط» مكرّسة بأغلبها لغزل قد لا يصح وصفه بـ»الغزل»، مقارنة بتاريخ الشعر الغزلي العربي أكان عذرياً أو اباحياً، أكان قديماً أو حديثاً. ذلك أنه غزل لا يجرّد الحبيبة ولا يسمو بها، لا «يصفها» ولا يتخيلها. إنها إمرأة واحدة بعينها، إمرأة ترتكب كل ما هو بشري، ومحبوبة لبشريتها والتغزل يكون فيها كما هي، على زعل أو على فرح، على رغبة أو على سوء فهم. فيكاد الشعر يتحوّل إلى دفتر يوميات، إلى مذكرات حميمة عادية لولا ان «التأليف» يأخذها إلى فن القصيدة:
«لمن توفرين المفردات؟
تحبسين فمك
تحبسين كلمة «بحبك يا يحيى»
لمن تصمّدين رعشاتك
لو اطبش هذه القجة
في زلعومك
يا بخيلة
لمن تدكين الكلمات
في قصبتك الهوائية؟
أوقفي هذا الشهيق
أزفري «تقبرني، تبحشلي، تسلملي، اشتقتلك»
ماذا تفعل الألفاظ المكدوسة
في مخك الزجاجي.» (ص 84 ــ 85)
وهذا النوع من الغزل أيضاً لا يصح فيه تماماً هذا النعت، لأنه شعر غير مكرّس فقط للحبيبة، أو لشكوى الحبيب، بقدر ما هو، استبطاناً وإضماراً، شعر لا يخلو من السخرية على الشعر والأدب واللغة، كهاجس فني عنيد. كأنما يحاول الشاعر في صراعه مع سلطة الأدب أن يشرعن نموذجه الشعري ويطوّره من خلال هذا الصراع، وهذه المناكفة الدائمة. إذ هو يدافع عن ذائقة وعن خيار لا يسعه سوى هتك أو تهفيت الذائقة المضادة.
في تلافيف هذا الهاجس، يعي يحيى جابر أن مشروعه الشعري بقدر ما هو رفض لسلطة النمط، كذلك هو تجاوز للتوصيف النقدي الكسول الذي وسم تجاربه الأولى، أي الانسلال من الماغوطية ومن القبانية (محمد الماغوط، ونزار قباني).
هذا ما يعيدنا إلى مطلع المقالة والسؤال عن الشعر «الملائم». إذ يتراءى لي ان يحيى جابر يجهد في إنجاز مهمتين: تأكيد صلته بالحداثة الشعرية ومساهمته في «توطينها». وبعد ذلك تأكيده لخياره الجمالي بلغة هجينة فصحى ــ عامية كتبية ــ شارعية، إذا صح التعبير. وهو يصبو من وراء هاتين المهمتين إلى تحقيق نموذج أدبي لا يريد لنفسه تهمة القطيعة، بل إنكار التعالي. ذلك التعالي الذي طبع إرث الحداثة الشعرية. هذا ما يحدو بالشاعر إلى الإيغال في قصيدة تحتفل بما قد نسميه تجاوزاً «عصرية اللاثقافة» و«عصرية الفوضى اللغوية» و«عصرية البورنوغرافيا الاجتماعية».
على الأرجح، هذا «مشروع» يعيه الشاعر تماماً من حيث قصديته المستمرة في تأليف قصائد لا تتوقف عن «استفزاز» الشعر في كل سطر، ومناطحته في كل عبارة، وبالتأكيد فإن «شائعة» الامتعاض الجماهيري من غموض الشعر الحديث، يحفز جابر على البحث عن ذاك النموذج، لا بقصد «مصالحة الجمهور» ولا بقصد «شعبنة» الشعر لكن ببساطة، من أجل إقامة «علاقة». تماماً كما في المسرح والسينما وفنون العرض. علاقة كتابة ـ قراءة مع المدينة لا تكون شبيهة بطقوس دار الاوبرا، بل باحتفالية مسرح الشارع.. أو كما وصفنا بداية، شبيهة بإقامة قداس خارج الكاتدرائية (هل يُسمح لنا هنا بتخيل «شيوعية» شعرية؟).
ألهذا، ثمة دائماً هذه الحرية عنده في الإفلات من القصيدة نفسها، من الشكل، لنجد هذا التمازج ما بين المقالة الصحافية والكتابة المسرحية والأدب السياسي ثم فن القصيدة وكأنها أنواع متداخلة، متصلة.. أو كأنها جزء من حملة ثقافية ــ سياسية يتبناها الشاعر سيرة وبياناً.
لنتأمل مثلاً هذين النمطين من عناوين قصائده، الأول مستل من اللغات والتعابير الأجنبية: كونياك، ستريت فلوش، الفانتازم، تسونامي، غرين كارد. والنمط الثاني من اللالغة أو التعابير العامية: وحش الشاشة، أح.. وح، سقسقة، واق، واق، واق، مبسوطة، دبدوب، متل إجري. نستطيع إزاء ذلك أن نلتقط وجهة التجربة عند يحيى جابر. وجهة التقاط الشعر من الملفوظ المتداول والمستهلك، من الكلمات التي تشير إلى أن في سواقط اللغة (أصواتاً وألفاظاً) شحنة شعرية.
بهذا المعنى ينحاز يحيى جابر إلى فكرة «مستقبلية» عن الشعر، فكرة تشبه فن البوب آرت، حيث ينمو الفن ملتحماً بالفرد، في بيته وفي الشارع، في داخل المدينة وفي هوائها.. وأن يكون ذا شكل فني صاف وبسيط ونافر من كل استعلاء. شعر منتهك حتى العظم، فاضح ومفضوح، وقح، مغناج ولعوب.
شعر يقول حقاً نبض مدينة مثل بيروت

ـــ للراشدين فقط (شعر)
ـــ يحيى جابر
ـــ دار رياض الريس بيروت 2008
ـــ 175 صفحة من الحجم الوسط

Related Posts