العدو الحميم

تجربة سينمائية فرنسية تحاول تناول القضية الجزئرية من منظور النقد الذاتي من خلال عيون متطوع في الجيش الفرنسي العامل بالجزائر يصطدم مع واقع مروع. النتيجة هي مجرد فيلم حربي ناجح لا غير .

تعرض قاعات السينما الجزائرية حاليا "العدو الحميم" للمخرج الفرنسي فلوران إيميليانو سيري. وقد استُلهم هذا الفيلم موضوعا - وعنوانا - من شريط وثائقي أخرجه كاتب سيناريوه، باتريك روتمان، في 2002، واعتُبر آنذاك حدثا فنيا بارزا لما تضمنه من اعترافات مرعبة لجنود فرنسيين شاركوا في قمع انتفاضة الاستقلال الجزائرية (1954-1962) واستخدموا في ذلك أبشع الوسائل بما فيها التعذيب.

وتدور وقائع "العدو الحميم" في 1959، سنة تطوع بطله تيريان (بونوا ماجيمال) في الجيش الفرنسي العامل في الجزائر. توجه القيادة العسكرية المتطوع الشاب إلى ثكنة معزولة في إحدى جبال الشمال وتنصبه على رأس فصيلة مهمتها ملاحقة "العقيد سليمان" و القضاء عليه. وما أن تبدأ عملية الملاحقة حتى يكتشف استعمالَ التعذيب على نطاق واسع لاستجواب الأسرى الجزائريين وتحوله داخل الثكنة إلى طقس روتيني مقيت، فيحظر ممارسته على مرؤوسيه، غير مبال بمحاولات رفاقه (الرقيب دونياك) إقناعه بأن لا مفر من بعض الهمجية "لتفادي همجية جبهة التحرير الوطني". إلا أن موقفه يتغير شيئا فشيئا أمام تواتر "جرائم الاستقلاليين" - من عقوبات جسدية مروعة وتمثيل بجثث كل من يتهم ولو زورا بالتعاون مع قوات الاحتلال -، فيتحول في لحظة يأس وجنون إلى جلاد، وتعصف به أزمة ضمير لا ينجيه منها سوى الموت برصاص الثوار.

وقد نجح فلوران إيميليانو سيري في وصف مسار اكتشاف تيريان لـ"للعدو الحميم" القابع فيه، أي استعداده الفطري لأن يتحول إلى وحش كاسر. كما يمكن القول إنه نجح في إتحاف السينما الفرنسية بـ"فيلم حرب خليق بهذه الصفة" (1)، فمشاهد الاشتباكات تكاد من فرط واقعيتها توحي للمشاهد بأنها تجري أمامه لا على شاشة صماء. أما صور القصف في بداية الفيلم، فوُفقت في أن ترمز بقوة إلى عدم توازن إمكانيات الطرفين المتحاربين، فلا أدل على بطش الاحتلال من قنابل النابلم وهي تحول كتيبة من الثوار إلى ركام متفحم في رمشة عين.

لا جدال إذاً في أن "العدو الحميم" أحد أنجح أفلام الحرب في تاريخ السينما الفرنسية. لكن أيعني ذلك أنه وفق في وصف "النزاع الجزائري" بعيدا عن الكليشيهات الرائجة المتوارثة ؟ الجواب هو لا، للأسف. وأول ما يؤخذ على "العدو الحميم" عدم وفائه للوقائع التاريخية، فالتحاق تيريان بالجيش الفرنسي في أواخر الخمسينيات أمر صعب التصديق : أيعقل أن يجهل مثقف يساري الميول كل الشهادات المنشورة آنذاك عن تحول التعذيب إلى آلة جهنمية في صفوف القوات الفرنسية العاملة في الجزائر ؟ وما دافعه، وهو المشغوف ببوريس فيان، للتطوع في جيش احتلال ؟ ولمَ لم ير ككاتبه المفضل في هذه الحرب الاستعمارية حربا قذرة وجحيما أخلاقيا لا يطاق ؟

وبالرغم من أن الفيلم يدين التعذيب إدانة حازمة إلا أنه يستوحي تحليلَه لانتشار ممارسته في الجزائر بين 1954 و1962 من أطروحة معروفة، هي في الواقع صدى لخطابات الجنرالات الفرنسيين الذين ساهموا في قمع الثورة الجزائرية، ومفادها أن التعذيب - على الأقل في البداية - كان ردة فعل على تمثيل الثوار بجثث الجنود الفرنسيين واستهدافهم المدنيين العزل. وتضرب هذه الأطروحة صفحا عن تاريخ التعذيب الطويل في مجمل المستعمرات الفرنسية كما دونه بيار فيدال ناكيه (2). ويثبت هذا الكاتب بالكثير من الأدلة والوثائق والشهادات أن الجيش الفرنسي في الجزائر ورث عن قوات الأمن الاستعمارية الأخرى وسائل الاستنطاق العنيفة التي كانت تستعملها مع السكان الأصليين. أما ما أتى به هذا الجيش من جديد ، يقول بيار فيدال ناكيه، فهو تحويلُ الانتهاكات الجسدية إلى مؤسسة قائمة بحد ذاتها وتبريرها بمتطلبات "حرب العصابات" و"استئصال إرهاب جبهة التحرير".

من جهة أخرى، بلغ تقليد "العدو الحميم" للأفلام الأمريكية عن حرب الفيتنام حد إنتاج أكبر نقائصها المعروفة وهي ابتسار صورة المحارب الخصم أيما ابتسار. في فيلم فلوران إيميليانو سيري - كما هي الحال بالنسبة للفيتناميين في "أبوكاليبس ناو" مثلا – يبدو المقاومون ككائنات شبحية، فهم لا يُرَون سوى من خلال تنكيلهم الدموي بـ"المتعاونين مع الاستعمار" أو من خلال ما يروي عنهم الفرنسيون من قصص تقشعر لها الأبدان. لا اهتمام للمخرج إذا بالحديث عن أسباب "انتفاضة الاستقلال" - أي النظام الاستعماري في حد ذاته - ولا باكتشاف الدوافع التي ساقت عشرات الآلاف من الجزائريين نحو الجبال متطوعين في صفوف المقاومة. والنتيجة أن صورة الثائر ليست - مثل بورتريه تيريان أو رئيسه الرائد فسول (أوريليان روكوان) - نتاج تطور سردي معقد ـ وأنها بالعكس حصيلةُ مجموعة هائلة من الكليشيهات لا غير.

غير أنه بالرغم من ما يعاب عليه من تحيز مقنع ومن هوليوودية مفرطة أحيانا، يبقى "العدو الحميم" أحد أهم الأفلام الحديثة عن "مغامرة فرنسا" في الجزائر. وهو بالإضافة إلى ذلك يطرح على الجزائريين مشكلا تاريخيا لا تزال الروايات الرسمية ترفض الالتفات إليه، مشكل العنف الذي ميز علاقة الثورة في بعض مراحلها بالمدنيين وما نجم عن ذلك من ضغائن بعضها لا يزال حيا إلى حد اليوم.

 

 

ياسين تملالي

 

 

(28 فبراير 2008)
 
هوامش

(1) أنظر الحوار الصحفي المنشور على الموقع التالي : www.dvdrama.com
(2) "التعذيب في الجمهورية" (بالفرنسية)، بيار فيدال ناكيه، منشورات مينوي، باريس، 1972 (العنوان الأصلي : «La torture dans la République»

"العدو الحميم"
(العنوان الأصلي : L’ennemi intime)

ساعة و 48 دقيقة
إخراج : فلوران إيميليانو سيري. سيناريو باتريك روتمان. مع بونوا ماجيمال (الملازم تيريان)، ألبير دوبونتال (الرقيب دونياك)، أوريليان روكوان (الرائد فسول)، مارك باربي (النقيب بيرتو). محمد فلاق (إيدير دانون).

Related Posts

الرئيس مبارك واحد مننا (حسب عمرو دياب)

25/06/2008

عمرو دياب أهدى أغنية بعنوان "واحد مننا" إلى الرئيس المصري حسني مبارك في عيد ميلاده.

حـــــــوار مع لـــيـــنــــا صــــــانــــــع

13/12/2007

الشابة التي كانت مع شريكها ربيع مروة تضطر للإستدانة من أجل إنجاز مسرحية شديدة التقشف ، متواضعة الانتاج في مطلع التسعينات ، باتت اليوم تجول في أعمالها ما بين طوكيو وموسكو وفيينا وعواصم أخرى ، بعد أن صار للفنانين في لبنان صلة مستدامة مع التمويل الأجنبي للأعمال الفنية .
وعن سيرة هذه العلاقة كان هذا الحوار معها .

هوية ضائعة

23/06/2008

لا يختلف الفيلم السوري للمخرج السوري غسان شميط " الهوية " عما سبق، فهو يعود مرة أخرى إلى الجولان. ولكن هل أضاع المخرج فرصة ذهبية؟