البوماكس، الأقلية اليونانية المسلمة في تراقيا

في هذا الفيلم الوثائقي يواصل القرويون المسلمون في اليونان - المعزولون لغويا ودينيا وسياسيا والمكافحون من أجل العيش من خلال زراعة التبغ - يواصلون ارتداء الأزياء الفلكلورية التقليدية ويعيشون في فقر. فالأطفال يلعبون في الشارع، والنساء يستخدمن ألواح الغزل اليدوي في عمل الملابس التقليدية، والشيوخ يتحدثون بصبر عن البناء وزراعة التبغ بلكنة يونانية.

" كلما تحدثت أكثر .. تصرخ أكثر "، أقلية البوماكس في تراقيا

 


ديميتريس كيتسيكوديس، المخرج اليوناني للفيلم الوثائقي " كلما تحدثت أكثر .. تصرخ أكثر " لم يكن الطريق أمامه سهلا في إعداد فيلمه عن سكان تراقيا بشمال اليونان وهذا لم يكن فقط بسبب الصبر الذي كان يحتاجه ليجري اتصالات مع القرويين اليونانيين الذي أُخذ عنهم اسم الفيلم ويصف ريبتهم الطويلة في التحدث مع الغرباء .

عندما قدم اقتراحه الأول للتليفزيون اليوناني عام 1994، بينما كان يعمل مصورا بأحد الأفلام عن الأقلية الغجرية بالمنطقة، تلقى ردا سلبيا. لقد كان موضوعا مس عصبا حيا مع السلطات اليونانية: دراسة قضايا وطنية كانت مرجأة دون حل طوال فترة دمقرطة ما بعد الانقلاب العسكري والانضمام إلى أوربا .

وظل الفيلم كدراسة بمكتب كيتسيكوديس وفي ملفات شركة الإنتاج حتى عام 2002 عندما، أخيرا، وبعد تأخير دام ما يقرب من عشر سنوات دون أي دعم حكومي، حصل الفيلم على الموافقة بالمضي قدما واستغرق تصويره أربع سنوات وعام آخر للمونتاج، ولكنه كان جاهزا لمهرجان تسالونيكي الدولي الثامن والأربعين للسينما في نوفمبر 2007. هناك، ومع سخرية لا تفاجئ أي مراقب للتغيرات السياسية، حصل الفيلم على جائزة الدولة الثانية للأفلام الوثائقية. هل تغير شيء منذ عام 1994 عندما رُفض اقتراحه في البداية؟ هل يوضح ذلك مرحلة جديدة في معاملة الأقليات من قبل الحكومة اليونانية ورغبتها في نشرها، أم أن الفيلم لم يستقصِ الأسرار القذرة التي لا تريد الدولة كشفها؟

ومن حيث التغاضي عن سوء المعاملة في هذا الفيلم، كان المخرج عنيدا لأنه داس على الخط الفاصل بين الصواب السياسي المخفف وجعل الفيلم يُشاهد: «ما كان يهمني هو عرض الفيلم». وفي مقابلة أثناء المهرجان في شهر نوفمبر ذكر كيتسيكوديس لـ "باب المتوسط" أنه إذا ضايق الفيلم عددا كبيرا من الناس فإنه ببساطة لن يُشاهد. إن رؤية البوماكس ضئيلة في الاتجاه السائد اليوناني. وأضاف: «حتى في تراقيا سألني الناس من هم الذين أردت تصويرهم في الفيلم وهذا لأنهم يخلطون بين العرق والدين». وهو الأمر الذي تعودت عليه الأقلية المسلمة. بالنسبة للدول الثلاثة السريعة الغضب داخل الحدود التي تعيش فيها – بلغاريا وتركيا واليونان – مثل التعامل مع البوماكس مشكلة. الكل خلق بعض القواعد للإدعاء بأنهم تابعون لهم أو في كثير من الأحيان للشك وسوء معاملتهم كأجانب يعيشون بالداخل .

يتكلم سكان القرى في جبال رودوب بتراقيا اللهجة السلافية الجنوبية بشكل متميز وقد تكون أو لا تكون بلغارية ولكن قد تكون أيضا تركية أناضولية أساسا، أو ربما لغة سلافية فريدة مليئة بالأفعال اليونانية. البوماكس أيضا هم المسلمون الذين انضموا إلى السلطات العثمانية خلال القمع الوحشي لانتفاضة المسيحيين البلغاريين في أبريل يسان عام 1876 بالعصابات غير النظامية باش بازوكس. ولكن نظرا لأنهم لا يتحدثون العربية والتركية وديانتهم توارثوها بالتقاليد الشفهية، كان الإسلام الذي يمارسه الكثير من البوماكس يجمع بين عدة مذاهب ومعتقدات وفي بعض الأحيان متميزا عن مجرى العبادة السُنية.

ولتعقيد الأمور بشكل أكثر، بعد ظهور تركيا الحديثة أصبحوا أقل ترحيبا كأخوة مسلمين في أنقرة والأرجح أنهم يُنظر إليهم على أنهم بلغار في الدولة التركية الحديثة لكمال أتاتورك. وهكذا، محصورين بين الدول المعادية لجيرانها وفوق الأراضي التي تنتقل من بلد إلى آخر عن طريق الحروب والمعاهدات في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، هؤلاء الناس أصبحت أسماؤهم، وتربيتهم، وعبادتهم، ولغتهم تُستغلّ ويُساء استخدامها من قبل حكومات أثينا، وصوفيا، وأنقرة لأغراض سياسية.

في الفيلم، يواصل القرويون في اليونان المعزولون لغويا ودينيا وسياسيا ووالمكافحون من أجل العيش من خلال زراعة التبغ، يواصلون ارتداء الأزياء الفلكلورية التقليدية ويعيشون في فقر، فالأطفال يلعبون في الشارع، والنساء يستخدمن ألواح الغزل اليدوي في عمل الملابس التقليدية، والشيوخ يتحدثون بصبر عن البناء وزراعة التبغ بلكنة يونانية.
«للأسف لا يوجد الكثير من الشبان وصغار السن في هذا الفيلم وهو من النقاط السوداء»، يضيف كيتسيكوديس «لقد تركوا المنطقة وهم منتشرون في كل مكان: في أثينا وأستراليا ويعملون في الوظائف الحديثة للقرن الواحد والعشرين. ولكني قدمت اختيارا للاحتفاظ بهم في بيئتهم الطبيعية أي الناس الذين عاشوا في الجبال. أردت أن نمر على ذلك الشعور بالعجب الذي كان لدي أولا عندما كان عمري اثني عشر عاما وزرت المنطقة آنذاك. البوماكس الذين يعيشون في أثينا وتسالونيكي هم مثلي ومثلك: إنهم لا يهمون سينمائيا. هذا يتطلب أن يصبحوا الجزء الثاني من الفيلم .. ولكن ليس بواسطتي».

من جهة ثانية، لا يتعرض الفيلم لمسألة الهوية. إنه يبرز الموضوع الشائك المتمثل في التعليم واللغة من خلال إظهار أن بوماكس اليونان يدرسون التركية واليونانية وأحيانا اللغة العربية في بعض المدارس الخاصة للأقليات ولكنهم لا يتحدثون اللهجة السلافية في المنزل. وهذا شكل غير عملي للتعليم الذي يقترح أن البوماكس لغويون طبيعيون، إذ أنهم، إذا أرادوا تعلم الإنجليزية أيضا، سيكون الصغار من سكان تراقيا ممن يتحدثون أربع لغات على الأقل. وبالنسبة لأول قاموس للبوماكس الذي تحدثت عنه في الآونة الأخيرة بعض الصحف مع بعض الدعاية الوطنية، يشير إلى سياسة جديدة ولكنه أيضا يؤكد بأن البوماكس لسنوات عدة كان يُنظر إليهم من قبل السلطات اليونانية بأنهم جزء من الأقلية التركية المسلمة.

ولكن هذا التصور لا يتسق مع معاملة البوماكس في اليونان التي سمحت لاهتمامات السياسة الخارجية بشكل عام أن تحجب الحقوق وتنمية المشاركة الفعلية للشعب المعني. وبالنسبة لمعظم القرن الماضي وخاصة منذ نهاية الحرب الباردة وانحسار تهديد بلغاريا الشيوعية، ارتبط ذلك بمنافسة سياسية مع أنقرة. وعلى وجه الخصوص في أعقاب التزامات معاهدية، ارتكزت معاملة الأقلية المسلمة في اليونان بشكل واسع على معاملة بالمثل بصورة محدودة مع الأخذ في الاعتبار بمعاملة أنقرة للجالية اليونانية بتركيا بدلا من إعلاء قيم الديمقراطية. ومع ذلك، في سياق هذه المادة قد يكون من الخطأ الانقياد إلى مقارنات مع السياسة التركية تجاه الأقليات حيث لا يزال هذا مستمرا في معاملة حقوق الأقلية كأداة في لعبة جيوسياسية بغض النظر عن تأثير ذلك على أشخاص محدودين. يكفي القول أن هذا السلوك لا يجعل الحياة سهلة للأقليات المسلمة.

وحتى أوائل عام 1990 واجهوا مشاكل بشأن بيع وشراء الأراضي وأُجبروا على اجتياز نقاط التفتيش العسكرية عند سفرهم بمناطق الأقليات. علاوة على ذلك فإن أحكام المادة 19 من قانون الجنسية اليونانية سمحت بإلغاء المواطنة لأفراد الأقليات من غير الأصول اليونانية الذين يسافرون إلى الخارج، وهذا القانون يؤثر على ستين ألف شخص من الأقلية المسلمة الكبيرة في تراقيا وبعضهم أصبحوا عديمي الجنسية.

ومع ذلك، العقد الأخير كما يؤكد استقبال الفيلم شهد بعض التحسينات الملحوظة. فنقاط التفتيش العسكرية هُجرت في عام 1990، والمادة 19 أُزيلت في عام 1998 (دون معالجة مسألة الأشخاص الذين جُردوا من جنسيتهم)، وتحسن قانون حقوق الأراضي. وتم تخصيص عدد محدد من الأماكن في معاهد التعليم العالي لطلاب الأقليات، وتحول المناخ السياسي في اليونان من الشك الصريح إلى القبول الحذر. وليس من قبيل المبالغة القول بأن قرارات الحكومة اليونانية المتعاقبة لتكون بمثابة "دولة أوربية" في البلقان، أجبرت أثينا على البدء في وضع مبادئ حقوق الإنسان للأقليات حيز التنفيذ.

ومن المفارقات أنه في الوقت الذي يعيد فيه الاتحاد الأوربي النظر في علاقاته بالشرق والجنوب الإسلامي، عادت الأقلية اليونانية إلى أوربا هذه. وكطلقة للعلم الأوربي الأزرق الذي يرفرف فوق المباني الضخمة بمنطقة العرض وكما يقول ليتسيكوديس: «بعد الضغوط التي تعرضوا لها من قبل اليونان، وبلغاريا، وتركيا فإنهم قد ضاقوا ذرعا لكونهم يُسألون من هم ومن أين هم. إنهم استقروا ليكونوا أوربيين. إنها هوية تخدمهم جيدا».

ليونيداس ليامبي
(2 مارس 2008)
ترجمة من الإنجليزية: حسن فايق


موقع الفيلم: http://www.themoreyouspeak.gr/directore.html
مهرجان تسالونيكي للسينما: http://www.filmfestival.gr/default.aspx?lang=en-US&page=448
لقراءة أكاديمية أنظر: ‘On the Europeanization of Minority Rights Protection: Comparing the Cases of Greece and Turkey’ by Dr Ioannis Grigoriadis in the journal Mediterranean Politics 13:1, 23 – 41

نتقدم بالشكر إلى أركاديا فيلم على السماح بعرض الصور.

النسخة الإنجليزية للمقال

 

Related Posts