حينما يحكم الشُمبرلاح محل القانون

قد يتسائل أحدهم : ماذا تعني كلمة شُمبرلاح ؟ أما انا فأتسائل ماذا تعني كلمة قانون ؟ وهذا لأن المفهوم الشُمبرلاحي واضح في ذهني جدا. أولاً أريد أن أذكر أن اللفظة ليست من اختراعي فهي اختراع من اختراعات العبقري الأستاذ محمود السعدني ولكنه لم يضع لها تعريفاً وتركها تحيا في وجدان الساخرين. وشعرت الآن أنها تحتاج إلى تعريف إذ إنها ستتحول إلى فلسفة جديدة من فلسفات الحياة وربما اعتمدتها مدارس الفلسفة للتدرس ضمن الوجودية والتطبيقية وإلخ.
والشمبرلاح ياسادة من وجهة نظري الخاصة هو مجموعة من الحروف تكونت بطريقة عشوائية لتكون كلمة لا معنى لها لتعبر عن طريقة في التفكير لا تحمل أي نظام او احتمالية وجود نظام. وهذا هو الشمبرلاح. أعلم أن الكثير يتسائل الآن ما هذا اللغو أو الهبل الفكري الذي أتشرف بكتابته لكم، وما علاقة شمبرلاحي أو شمبرلاح السعدني بالقانون، وكيف يكون الشمبرلاح معلوم والقانون غير معلوم ؟ الواقع سأحاول الإجابة.
كنت قد كتبت في "باب المتوسط" مقالة بعنوان "تساؤلات مصرية"، أطرح من خلالها مجموعة تساؤلات للتفكير والبحث عن إجابات وأنا لا أعرف اليوم إذا كان مقالي هذا سيبحث عن تساؤلات جديدة أم سيحاول الإجابة. حينما تكلمنا عن العائدين للمسيحية، ذكرنا أن الحكم الصادر يحكم بكتابة "مسيحي – مسلم سابقاً" في خانة الديانة. وتكلمنا أن هذا الحكم يعتبر دعوة صريحة لا للفرز فقط ولكن للقتل أيضا في ظل مجتمع يعيش حالة رفض للآخر من جهة الفكر والسلوك. و هذا الحكم الذي اعتبره رجالات حقوق الانسان حكما غير مكتمل الجوانب إلا أنه كان خطوة في طريق الحل يمكن التفاوض حولها أو الانطلاق منها لتحقيق فهم مشترك لمفهوم المواطنة المنصوص عليها في المادة الأولي من الدستور المصري.
وكان الجديد والأخطر هو إلغاء هذا الحكم من قبل المحكمة التي حكمت به، وبحسب المصادر الإخبارية فإن محكمة القضاء الإدارى بجلسة 4 مارس 2008 برئاسة المستشار محمد الحسيني قضت بوقف جميع الطعون في قضايا العائدين للمسيحية وإحالتها للمحكمة الدستورية العليا وذلك للفصل في دستورية الفقرة الثانية من المادة 47 لقانون الأحوال المدنية والخاصة بتغيير الديانة فى الأوراق الرسمية كشهادة الميلاد والبطاقة الشخصية مخالفة بذلك المادة الثانية من الدستور بحسب رأى المحكمة والتي تنص على أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسي للتشريع وأن هذه المادة (المادة 47 لقانون الأحوال الشخصية) تبيح للفرد التنقل بين الأديان بدون ضوابط مخالفا بذلك أحكام الشريعة الإسلامية .
الغريب أن المحكمة عبرت عن رأيها ضد رأيها وأنا عن نفسي مع حرية الاختلاف وحرية الاعتراض: كل واحد حر في نفسه. لكن السؤال هو هل القانون واحد واضح شامل جامع مانع أم أن مواده غير محددة ؟ في الواقع أنا لست رجل قانون، ولكن أتفق مع كلام بعض رجالات القانون ومنهم المستشار محمد سيد عشماوي الذي كتب في مقاله المنشور في إيلاف الالكترونية بتاريخ الأحد 24 فبراير 2008 تحت عنوان "القانون والنظام القانوني"":

القانون هو المبادئ والقواعد التى تنظم علاقات الدول أو الأمم (القبائل) أو الأفراد فيما بينهم أو مع الآخرين، والنظام القانونى هو الأسلوب الذي تتخذه دولة أو أمة (قبيلة) أو جماعة لتـُظهر من خلاله مبادئ وقواعد القانون، حماية للناس وصيانة لأعراضهم ورعاية لأموالهم. وقد سلف أن تحدد الفارق بين نظامين قانونيين، أحدهما هو الذى تأخذ به أكثر الدول، وهو نظام يقوم على وضع القانون وسن التشريع قبْل نفاذه ويسمى بالإنجليزية (Statutes)، وثانيهما هو الذى تسير عليه الولايات المتحدة وبريطانيا وهو ينبنى على أن تضع المحاكم المبادئ والقواعد التى تحكم المنازعات – حين تعرض عليها – فتكوّن ما يسمى بالإنجليزية (Precedents) أى السوابق القضائية.

وطبقاً للواقع الانساني فالانسان والذي هو كائن يميل إلى العيش مع الآخرين في نظام مجتمعي يحتاج إلى قواعد واضحة للعيش المشترك مع أقرانه من بني جنسه، وهذه القواعد من المهم أن يشعر معها الانسان بحريته وإنسانيته طبقاً لمواثيق دولية وضحت ما هي الحقوق والواجبات الانسانية . وإذا كان رأي المحكمة أن القانون لا يتناسب مع المادة الثانية من الدستور والتي قالت"الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الاسلامية المصدر الرئيسى للتشريع" فأنا لا أعلم ماهي مبادئ الشريعة الاسلامية ولها مني كل احترام وتقدير. ولكني أعلم أن المادة الأولى من الدستور والمعدلة في أبريل عام 2007 جاء فيها "جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطي يقوم على أساس المواطنة". وما يعلمه جهلي عن المواطنة هو التساوي التام بين المواطنين في الحقوق والوجبات وإذا كان الأمر كذلك فإننا نجد ان الدستور يتعارض مع الدستور . حاجة شمبرلاح بجد . بعض مواد الدستور ستقوم برفع قضايا علي المواد الأخرى. أعتقد في هذه الحالة سنحتاج حكما دوليا من الفيفا "ما هو كله شمبرلاح" . تخيل معي يا صديقي شابا في العشرين من عمره ارتدى الملابس الخاصة بمرحلة التعليم الابتدائي ووضع علي رأسه طرطورا مكتوب عليه " عام جديد سعيد" وكل هذا وهو على حمام السباحة في شهر يوليو في عطلة المدارس. " ماهو كله شمبرلاح"!
أنا لا أعترض على أحكام القضاء فهي في نظري تحمل قدسية خاصة ولكن أريد أن أفهم، كما أني أريد أن أدعو الجميع للفهم . مصر قد علمت العالم كله معنى أن تكون انسانا، والآن تبحث مصر عن معنى الانسان ونختلف حول مفهومه ووجوده. من الممكن أن نكون في كبوة، ولكن الأهم متى نقوم منها؟

 

 

 

 

 

رأفت موسى ذكري
(10 مارس 2008)

Related Posts

التحوّلات السياسية والاجتماعية وعالم البلطجة في مصر

05/08/2016

التحوّلات السياسية والاجتماعية وعالم البلطجة في مصر

في إحدى جولات البحث الميدانية ببني سويف، التقيتُ بأحد البلطجية الكبار. كان الرجل يحظى باحترام شديد. التقيت به في إحدى أمسيات الوجهاء ليلاً...

(السفير العربي)

صراع الهوية المصرية

20/03/2008

ما هي الهوية المصرية؟ هل هي فرعونية أم يونانية أم متوسطية؟ هل هي وثنية أم مسيحية أم إسلامية؟

مؤسسة جدران للفنون والتنمية

15/10/2015

مؤسسة جدران للفنون والتنمية

مؤسسة جدران للفنون والتنمية هي تجمع لمجموعة من الفنانين: التشكيليين، الكتــَّاب، مصوري الفوتوغرافيا، صانعي الأفلام، المسرحيين والموسيقيين، الذين دفعهم ما يمكن أن نطلق عليه إحساسهم بالمسئولية الاجتماعية للفنان، إلى ترك مساحات العرض التقليدية والإتجاه نحو ...

( ابتكار / جدران )