حب الاختلاف: ما أحلى هذا المشروع

اليوطوبيا لا تجد لها مكانا؛ إن مشروع معجنات حب الاختلاف - مثل المشروع السابق لمدينة الفن - ليست يوطوبيا لأنها وجدت المكان . في الماضي كانت الثورات تختمر في المقاهي، ونحن نريد أن تصبح محلات المعجنات أماكن للاجتماعات" . إن التفويض لـ حب الاختلاف، الحركة الفنية التي نشأت داخل المدينة الفنية التي أسسها الفنان الإيطالي ميكيلانجيلو بيستليتو، هو أن يساهم في بناء سياسة متوسطية مشتركة .

يومَي 26 و 27 فبراير شباط استضاف متحف الفن المعاصر بمدينة لاسبيتسيا بإيطاليا أكثر من عشرة من المبدعين الذين قدموا من حوض المتوسط للمشاركة في اجتماع سياسي من جهة وحلو من جهة ثانية. هؤلاء الفنانون عادوا للمقاهي ليعدوا معا بعض الحلوى المتوسطية اللذيذة .

وذات يوم بعد الظهر تذوقنا هذه الحلوى واستمعنا إلى الحكايات لطريقة إعدادها والأسلوب الفني لتحضيرها وعلى وجه الخصوص وصفات المجانية ذات الحقوق المحفوظة للكعك والحلوى وكان من السهل عندئذ تقدير أن الفن والطعام يتزاوجان بشكل طبيعي. فالتحدث بألسنة حلوة يؤدي إلى فهم العلاقة بين الفنان وإبداعه بأكثر مقاييسه الداخلية والشخصية .

ميكيلانجيلو يرفض اعتبار مشروع حب الاختلاف يوطوبيا. لذلك، ولنجاح المشروع ، اقترح على كل الفنانين متابعة مشروع حب الاختلاف وإيجاد أماكن جديدة لتلك الأحداث . في المطبخ - المعمل المكان الإلزامي الأول للإبداع ، كان بيستوليتو مزهوا أمام هذا التجمع لأطعمة الفنانين. كان شيئا مؤثرا رؤية كل هذه الألوان والأشكال .. المنظر كان رائعا. كونك تستطيع تذوق الألوان يجعلها أكثر إثارة" .. كيف يمكن عدم الموافقة ؟

ومع ذلك - وكما يؤكد فيليبو فابريكا مدير مشروع حب الاختلاف - في المطبخ يسهل ارتكاب أول خطأ لكوننا تسرعنا في إلقاء أسئلة مرتبطة بهوية ثابتة فغالبا ما يُنظر إلى المطبخ كتراث سلفي وتعبير عن جذوره وتقاليده. وإذا كان حب الاختلاف يهدف إلى تعزيز الحوار الثقافي المشترك فإنه يذكرنا بأنه يجب أولا أن "نستفسر عن حقيقة الأطباق التقليدية". من خلال التساؤل عن التقاليد وجعلها تندمج فيما بينها، اقترح هذا اللقاء الأول لمعجنات حب الاختلاف البحث عن هوية منفتحة إلى أبعد مدى .

 

 

الهوية المنفتحة


التحدث عن الحلوى يسمح بفتح مجال الإبداع وضم خبرات شخصية وفنية متعددة تنصهر معا. ويقدم رافرام شداد من القدس قنبلة من السكر: يتعلق الأمر بخليط من الحلوى وكريم بروليه. كفنان ورئيس للغذاء البطيء في إسرائيل، الطبخ بالنسبة له هو طريقة لمواجهة "أكبر قضيتين في المنطقة. الأولى مرتبطة بالفلسطينيين، والثانية مرتبطة بالتاريخ اليهودي". ولوصف طريقة عمل حلواه يتساءل عن رابطين تاريخين أساسيين . "إسرائيل دولة جديدة وكونها كذلك ليس لها تقاليد محلية في الطهي. إن ثقافتنا التي يعود معظمها إلى الأيديولوجية الصهيونية هي أكثر توجها نحو الثقافة الهندية-الأوربية أكثر منها للتاريخ اليهودي. إضافة إلى ذلك إن الصهيونية لا ينظّر وضع إسرائيل ولذلك لم تنشئ مطلقا علاقات مع فلسطين" . بخلط الحلوى مع كريم بروليه يحاول رافرام أن يعيد إلى الأذهان تلك الروابط التاريخية الهامة المفقودة. على العكس من ذلك تبدد الفنانة البصرية أوراي توكان ترتيب العرض بوضع حلواها وسط الحجرة وتذكر بشراسة دون سخرية أن "كنافتها ليست كنافة" . لقد تحققت من ذلك. كنافتها ليس لها أي علاقة بالتقاليد الفلسطينية. فوضى من التوت الأحمر على طبقة من كريم شانتيه فوق الكنافة تكون ذات شكل مكرونة فيرميشيللي.
التوقيت لم يكن أفضل لأنها تفكر في إنهاء موضوع مشكلة الهوية: "الهوية الفلسطينية اليوم ترتبط غالبا بشعور الحنين والوطنية. لقد كنت أود التساؤل عن العولمة التي تمسنا نحن أيضا لأترجمها بطريقتي الخاصة". من جهة ثانية ، إنريكا بورجي عادت للمطبخ التقليدي للطبقات الفقيرة في إيطاليا بكعكة الخبز التي تجعلها "بساطتها وفقرها ديمقراطية حقا". لذلك تستطيع أن تمثل حركة حب الاختلاف "كمكان يمكنه إعطاء مأوى لكل أذواق العالم" .

 

 

 

 

الروابط الأسرية


إنجبورج بودزيوخ أتت من اسكتلندا مع ابنتها الصغرى جيني التي عاونتها في إعداد "السفينة الحلوة" . الرأسان الشقراوان للأم وابنتها جسّدا مبدأ انتقال الطبخ. فالذوق يمكّن من اقتفاء الروابط الأسرية والإعادة الفعلية لبناء أشجار الطهي للأسرة . إنجبورج النرويجية المقيمة في اسكتلندا أعدت "كريما مزج التقاليد النرويجية والمتوسطية واستعادة حب لجدي الأسباني وجدتي النرويجية" . الإشارة إلى الأسرة أيضا ذكرته مارلينا يوانديس من قبرص . إنها قدمت الكعكة المستديرة "ذلك النوع من الكعك يعتبر شابا وحديثا" يصنع من مكون متوسطي آخذ في الاختفاء هو الخرّوب. حب الاختلاف يعني أيضا تذكر المكونات المنقرضة مثل الخروب الذي كانت سعيدة عندما أخذته من منزل جدتها في شرق قبرص. أما بالنسبة لعبد الله ضيف وسامح الحلواني، ترتبط الحلوى بالسعادة وبطفولتهما: "السكر يذكرنا بطفولتنا. فالأطفال أنقياء جدا ومنفتحون خاصة عندما تكون الحلوى هي الرهان. بحلوياتنا أردنا إعادة هذا الانفتاح والفرح" . بينما يرى سامح أن اقتراح حب الاختلاف كان أكثر جاذبية لأنه جعله يستعيد الروابط الأسرية التي كان يرفضها لفترة طويلة. الاسم الأخير لسامح هو الحلواني الذي يعني حرفيا "رجل الحلوى". تمتلك عائلته مصنعا كبيرا للحلوى بالإسكندرية. كفنان وعلى خلاف مع أسرته، كان دائما يرفض المشاركة في هذا التقليد الطهوي .. ورغم ذلك كحلواني لم يستطع الهروب من مصيره لمدة طويلة والآن ابتكر الحلوى الخاصة به .

 

 

 

 

إندماج


اندماج المكونات المتوسطية ترجمته بشكل رياضي الفنانتان اليونانيتان ماريا نيمفيادي وليا بيترو. كل مكون جاء من القاهرة أو ساراييفو أو طنجة كان يستخدم بحسب مسافة بعده عن أثينا. بينما الطباخ الإيطالي دوتشو ميلي يخلط مذاقاته على شكل قبة، قسمتها جيولي أوبماير إلى نصفين لكي يتذوقا معا - وكل واحدة تم إعدادها بفضل مساهمة تسعة أشخاص جاءوا من تركيا والدول الثمانية المجاورة. أومامي الذي يذكرنا بكلمة مامي يعني سواء لذيذ باليابانية أو معرفة حاسة خامسة للذوق والتي ليست حلوة أو مالحة ولا حمضية ولا مرة . هذا هو أسلوب لـ هيلين أبراند "لمعرفة اختلاف الطعم والحاجة للتنوع كأساس لهوية هادئة".

 

 

 

 

ضيافة

 

 


مها الماضي وسعيد آية المؤمن يأخذاننا إلى مراكش من خلال توزيع التمر واللبن ذو النكهة. بالنسبة للمغاربة، توزيع الحلوى مرادف للضيافة . التمر المغطى بالشيكولاتة أعدته نساء من مراكش ويسمى "ثمرة الحب" رمز الحب والمشاركة. باتباع نفس خط العمل الذي أعدته مؤسسة دار بلاج، هذه التمور تعطي المزيد من الحياة الحديثة والفنية وكذلك لإدخال التبادل والفن في الحياة الاعتيادية.

شبكة البنية البدوية مجموعة من أثينا وضعت أيضا الضيافة في مركز أفكارها الطهوية. وقدموا وصفتهم في أشكال مستوحاة من الصور الظلية للآلهة اليونانيين. البيتا هو "تحويل الكعك" مثل الإله أرتيميس، "إله التنوعات، والاختلافات، والضيافة ". وأخيرا ، "حب الحب" يعكس تناغم الأشكال. سيسيل يايلاي أعدت هذه الحلوى وجعلتها مكونة من سبع طبقات "ومختلفة كل واحدة عن الأخرى ولكن من نفس الأصل". إنها تعمل فى برلين واسطنبول وأرادت إعادة عمل شكل من الرمز الهيروغليفي الحيثي ويعني بالتحديد "حب الحب".

مشروع حب اختلاف المعجنات قد بدأ فقط منذ قليل. وفي الأيام التالية كان التذوق مخصصا لتنسيق استراتيجيات مستقبلية يمكن لأعضاء الحركة الاضطلاع بها لتحقيق المزيد من هذه المبادرة الحلوة .


كاترين كورنيه

تصوير: شارلوت كروسي
ترجمة: حسن فايق

Related Posts

الجزائر: "جيل الشباب" أو المعادلة العصية

30/03/2012

كل الخطابات السياسية تعد بتشريك الشباب و تسليمه المشعل ليتمكن من نحت مستقبل واعد للبلاد لكن القطيعة و الهوة تبدو...

 

الجزائر بعد 50 سنة من الاستقلال: لا حكومة، لا تغيير ولا هم يحزنون

06/08/2012

احتفلت الجزائر بخمسينية استقلالها ولم يحن الوقت بعد للشعب للاحتفال بالتغيير المنشود والموعود...

 

ثورات العرب: حروب في لبنان

20/06/2012

رغم أن لبنان صغير بمساحته إلا انه كعادته لا يتردد للحظة في أن يكون ساحة لصراعات المنطقة والعالم. فلبنان الصغير لايتمتع بأية مناعة أوخصوصية لمشاكله، فتعبر المشاكل حدود هذا البلد بسلاسة...