جيل الهيب هوب في المغرب

كما هو الشأن بالنسبة للهيب هوب العالمي الذي تتقاذفه موجتان، واحدة تعتمد لغة عنيفة وصاخبة، في غياب تام للطابوهات. وموجة أخرى تمشي في اتجاه مخالف تماما. فإن الهيب هوب المغربي هو الآخر تتجاذبه هاتين النزعتين. فمن جهة هناك البيغ الذي يثير نقاشا واسعا في المجتمع من خلال ألبوماته التي تستعمل قاموسا لا يعرف الحدود الأخلاقية، بل هناك من يتهم موسيقاه بالخادشة للحياء. و أطلق عليه اسم "الخاسر" أي الفاسد نظرا للكلمات التي يستعملها. و أثار ألبومه الأخير "مغاربة تال الموت" أي مغاربة حتى النخاع ردود فعل متباينة بين التأييد والرفض لقاموسه الذي ينهل من لغة الشارع. نفس الشيء بالنسبة لعدد من الأغنيات التي ظهرت على الانترنيت لمغن لا يعرف أحد اسمه ويحمل الألبوم اسم" عود الليل" أي حصان الليل. ولقد حقق هذا الألبوم نجاحا منقطع النظير. فهذا المغني المقنع يغني للجنس والتفاوت الطبقي و الرشوة.

وتبقى أغنية مسعود نموذجا حيا لشخص فقير ترعرع في حي هامشي و سقط ضحية في يد الإرهاب. وقس على ذلك أغانيه الأخرى "راوداو" وسامية. حيث قاموس من الكلمات الفاضحة و الجريحة والجريئة. في المقابل من ذلك هناك مجموعات أخرى تبتعد عن هذا المعجم المباشر كما هو الشأن بالنسبة لمجموعة فناير، أي المصابيح التقليدية وهي مجموعة تنحدر من مدينة مراكش. وإن كانوا يقلدون الراب الأمريكي أو الفرنسي، فإنهم يخلطون الإيقاعات المغربية بالموسيقى العالمية. وأصدرت الفرقة ألبومات كثيرة آخرها " يد الحنا" أي يد الحناء الذي حقق نجاحا كبيرا. يقول أحد أفراد المجموعة في تصريح صحفي " يد الحنا، هي قصة لقاء مع شاعر بمزيج من الأساليب الموسيقية وكلمات بالدارجة والأمازيغية و الانجليزية والفرنسية، ألبومنا الأخير هو رحلة لقلب مغرب متنوع، مليئة برسائل الحب و السلام، تتناغم فيها الأصالة مع التضامن. إنه ألبوم ينقل صور البؤس و العقد في مجتمعنا. أعتقد أنه باستثناء التركيب الموسيقي الذي تم في لندن، فإن الألبوم يبقى منتجا مغربيا بحتا. وشارك في هذه المغامرة حوالي ستون موسيقيا وتطلب عملا مضنيا لأزيد من سنتين". فرقة أخرى تصنع مجدها الموسيقي في قالب ممزوج بين موسيقى الراب و أغاني الملحون وعيساوة، وهي إيقاعات مغربية تقليدية ارتبطت بالمدن العتيقة. يتعلق الأمر بفرقة" آش كاين" التي تعني بالعربية ماذا هناك؟ وهي فرقة تنحدر من مدينة مكناس. وذاع صيتها منذ سنة 2001 عندما شاركت في مهرجان شارع الموسيقيين" البوليفار" الذي ينظم سنويا بمدينة الدار البيضاء ويلعب دورا كبيرا في التعريف والترويج لموسيقى الهيب هوب. وتعتمد هذه الفرقة على إيقاع فني ثلاثي الأبعاد وهي الراب و الموسيقى الاليكترونية و الإيقاعات المغربية التراثية.

نشأة الهيب هوب

يعتبر الهيب هوب حركة ثقافية و فنية، ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية وانتشرت في العالم كله. والهيب هوب فن شعبي يجمع بين عدة عناصر. أنشأه الأمريكيون من أصول أفريقية وأمريكا الجنوبية خصوصا جامايكا وبورتوريكو في أوائل السبعينات. كثيرا ما يخلط بين الراب و الهيب هوب، فالراب هو فقط أحدا الجوانب الأساسية في الهيب هوب.
يطلق الراب على ما كان يسمى الإم سي Master Ceremony أو قائد الاحتفال وهو عادة الشخص الذي يقدم العازفين في حفل ما. أما العنصر الثاني فهو الدي جي DJ. إنه الشخص الذي يغير اسطوانات الأغاني أثناء الحفل. ويشكل الرقص أو Breaking dance جزءا ثالثا و أساسيا من الهيب هوب. ويشكل فن الكرافيتي العنصر الرابع والأخير في الهيب هوب، وهو الرسم و الكتابة على الحيطان، وهذا الأخير يرجع إلى العصر الروماني، ولكنه اتخذ شكلا معاصرا أضفى على الهيب هوب طابعا مرئيا فريدا.
الهيب هوب، الراب، البيركيسيون، الاليكتروفيزون، الهارد روك، الميطال. تتعدد الأسماء و الهدف واحد، موسيقى تؤسس لانتماءات موسيقية مصدرها المجتمع و الشارع بهامشه وهشاشته ويومه. حين تحدث الباحث السوسيولوجي إميل دوركايم على أن الوعي الجمعي هو نظام من القوالب الجاهزة السلطوية، كان يمهد إلى لغة هامشية مركزها الذات وتؤسس للغيرية والاختلاف. هذه الفلسفة التي غرف منها و نظر لها عدد من الفلاسفة في فرنسا وألمانيا و أمريكا. فلسفة مهدت الطريق للعديد من الاتجاهات الفنية والموسيقية. وهكذا ظهر الهيب هوب في أمريكا وسرعان ما انتقل إلى أوروبا ومنها إلى باقي دول المعمورة. وجدت هذه الثقافة بدورها صدى لها ايضا في المغرب، حيث ظهرت عدة مجموعات موسيقية غنت لغة جديدة حركت سكون المجتمع المغربي الذي انقسم بين مؤيد ومعارض لها، كما هو الحال اليوم أمام مجموعات الهيب هوب.

رحلة الهيب هوب إلى المغرب

"نايضة"، هي كلمة مغربية، وتعني منطلقة أو قائمة، و اخترقت القاموس الشبابي المغربي، منذ أن تضمنها أحد ألبومات الهيب هوب المغربي. فأصبحت شعار هذه الموسيقى في المغرب. إنه شباب الهيب هوب، شباب قادم يعبر عن نفسه بهذه الموسيقى التي انطلقت ويبدو أنها سائرة في طريقها، غير مبالية بالأحكام العامة. جيل جعل من الموسيقى فلسفة يعبر بها عن ذاته في ظل عولمة جعلت العالم قرية صغيرة. هوبا هوباـ سبيريت، ضركة، فناير، آش كاين، كازا كرو، البيغ، أمازيغ فيزيون. إنها فرق موسيقية، استطاعت أن تصدر ألبوماتها وفق مسار فني طورت خلالها مشروعها الذي يحضى بإجماع الشباب المغربي و يقطف اعترافا دوليا كبيرا. وتتعدد مواضيع أغانيها من مواضيع سياسية كالحرية و العولمة و الفقر و الحب و البطالة إلى الدعارة و الحروب و المخدرات. لا يمكن تصنيف هذه الفرق في أي نمط من الأنماط الغنائية و الموسيقية المألوفة. يكمن الجديد في مزج أنماط موسيقية في بعضها البعض. فنرى الكناوي مع الروك والأمازيغ و الراب والريكي، وقد نجد أنماطا مختلفة في الجملة الموسيقية الواحدة. ويأخذ هذا التعدد شكله بالانصهار اللحني و تعدد الآلات الموسيقية و اللغات.

مهرجان البوليفار

في ظل هذه الرغبة الجامحة في تثبيت نوع موسيقي عالمي بصيغة مغربية. تفجر نقاش مجتمعي وانقسم على ذاته بين مؤيد ومعارض. من جهة هناك حراس الذوق "الرفيع" الذين يتباكون على أغنية لم يعد لها ذلك الزخم الذي تميزت به في السابق. ومن ورائهم عسس الأخلاق الصافية الذين يرون أن هذه الموسيقى غريبة عن مجتمع مغربي إسلامي. و الهيب هوب في نظرهم مجرد مؤامرة غربية، لإفساد أخلاق الشباب. وقد نجح هؤلاء في نقل هذا النقاش إلى قبة البرلمان. بل أن عددا من الشباب وجد نفسه في قفص الاتهام، حيث حوكم حوالي 14 شابا سنة 2003 بتهمة غريبة اسمها "عبدة الشيطان"و صدر في حقهم حكما قضائيا يصل إلى سنة من السجن قبل أن تلغي محكمة الاستئناف هذا الحكم الذي أثار استغراب الجمعيات الحقوقية و فعاليات المجتمع المدني الذين تظاهروا ضده. وهكذا لعبت إدانة هؤلاء الشباب في الترويج لمهرجان مغمور لفن الهيب هوب، الذي أنطلق سنة 1998.
إنه مهرجان " شارع الموسيقيين الشباب" أو البوليفار. بدأت فكرة المهرجان من مجموعة صغيرة كانت تحلم بإقامة مشهد موسيقي بديل في المغرب ومن ثم تطور الحدث ليصبح أهم مسرح للفرق المحلية لعرض موسيقاها. أصبح مهرجان البوليفار مرجعا أساسيا في ترويج الهيب هوب المغربي و التعريف بآخر أعمال الفرق الموسيقية المغربية. لقد غدا موعدا سنويا، مسجلا حضورا ليس على مستوى الاهتمام الشبابي فقط، بل من طرف المسؤولين إلى جانب تزايد الاهتمام الإعلامي المغربي والدولي. و استفاد من تراكم خبرة المنظمين على مدى تسع سنوات من عمر البوليفار. حيث عرفت دورته التاسعة الصيف الماضي مشاركة 49 فرقة منها 17 فرقة أجنبية. وتوسعت اهتمامات المهرجان لتشمل فقرات ثقافية أخرى كعروض سينمائية تهم تجارب موسيقية دولية إلى جانب تنظيم ورشة تكوينية تهم جميع المراحل التي يقطعها الفيلم، بدء من كتابة السيناريو و التصوير وصولا إلى المونطاج الرقمي وانتهاء بالإخراج. وتميزت دورته الأخيرة بتقديم مجموعة من الاقامات الموسيقية من طرف فرق موسيقية مغربية وأخرى أجنبية، بهدف مد جسور الحوار الثقافي و الفني والموسيقي، حيث تم تنظيم عروض موسيقية مشتركة ضمت فنانين من لبنان ومصر و سوريا وتونس والأردن وبريطانيا. وبفضل الدعم المالي الكبير الذي تخصصه الشركات التجارية العملاقة كنوكيا وكوكاكولا، شهد البوليفار تطورا كبيرا، وأصبح لحظة ثقافية شبابية بامتياز ينتظرها عشاق الهيب هوب كل سنة.

وماذا بعد؟

هل نقول أنها انطلقت أو "نايضة" بلغة الهيب هوب المغربي، و أصبحت فعلا "حركة" ثقافية مغربية استثنائية وراءها شباب يغني لنفسه ولمتعه ويعبر عن قلقه من الوقع اليومي وهشاشته؟ إنها حركة خلقت نقاشا مجتمعيا وسياسيا وثقافيا أصبح لها روادها ومحبيها و إعلامها. أم أن الأمر لا يعدو سوى نزوة تضاف إلى عدد من النزوات العابرة التي ظهرت بين الفينة والأخرى. و هل بمقدور هذه الحركة أن تخلخل وتنخر بنيات المجتمع الراكدة و تدفعه إلى انفتاح مفتوح الاحتمالات في العلاقات إلى أقصى الحدود؟ ما علينا إلا انتظار وترقب هذا المسار أو هذه الحركة التي حتى وإن فشلت في أبعادها فإنها في أسوء الحالات ستخلف لنا شبابا قادرا على الإبداع والعطاء إن وجد مجتمعا متحركا ودولة قادرة أن تقطع مع بنيتها التقليدية ونخبا سياسية و ومجتمعية بمقدورها أن تعترف بأن دورها رهين بمدى قدرتها على احتضان حمق و نزوات وانفلات شبابها. إنه شباب يعيش حاضره وفقا لفلسفة انتفاضة "68 " من لم يعش ما يجب أن يعاش ما بين العشرين والثلاثين من عمره، فهو لا ينتمي إلينا".
 

محمد مسعاد
(26 مايو 2008)
"باب المتوسط" يقدم لكم نخبة من فيديوهات الهيب هوب المغربي:
 
[youtube:http://www.youtube.com/watch?v=zWxumg6IRcw]
 
 
 
 
 
[youtube:http://www.youtube.com/watch?v=pVBcO7ppufM]
 
 
 
 
 
[youtube:http://www.youtube.com/watch?v=4kKcimKSjAo]
 
 
 
 
 
[youtube:http://www.youtube.com/watch?v=s_8s4DeQ1xU]
 
 
 
 
 
 
كما أن محمد مسعاد قد قام بترجمة إحدى الأغاني الأكثر جرأة من اللهجة المغربية الشبابية إلى العربية الفصحى:
 
 
 
 
كفاكم خوفا

ارفعوا رؤوسكم أيها المغاربة الأحرار وكفاكم خوفا ارفعوا أيديكم معي أيها الذين لا خوف في قلوبهم

هناك من يخاف من الشرطة وهناك من يخاف من الجماعة (الإسلاميين) وهناك من يتوفر على المناعة

هناك من يخاف مني وهناك من يخاف علي

هناك من سجن ظلما وهناك من انفجر في ساعة (الانفجارات الإرهابية)

منكم من يمثل حزبا ومنكم من يمثل نفسه، منكم من يسرق أحياء بكاملها وينكر كل هذا

هناك من حوكم ظلما لأسباب سياسية و سببه الثقافة فقط

هناك من حوكم ظلما وأصحابه قمعوا في وسائل الإعلام

هناك من يكسب مليارا ويخرج منه درهما

وهناك من لايربح شيئا و ولاشيء غير الهم

في بلدي يمكن لك أن تسرق مليارا ويفرج عنك بكفالة

بلدي بلد الصلاة من غير إسلام وهي بلد السجود

بلادي بلد 16 ماي (الانفجارات التي هزت الدار البيضاء)

بلادي بلد البرلمان الذي نصفه نائم والآخر غائب عن الجلسات وربعه يتربص بهم

هناك من يسجن وهناك من يعيش على هواه وهناك أمثالي يمسكون الميكرفون بين أيديهم

المغاربة عصبيون، من يريد أن يسرق بلدي سأفرغ فيه الرصاص

التنمية البشرية (برنامج أطلقه الملك لتنمية المناطق الفقيرة) نصف الميزانية لك والنصف الآخر لي

كفى لقد نهبتم البلد 2006 مغاربة حتى النخاع
[youtube:http://www.youtube.com/watch?v=f2KysiVSYJA]
 

Related Posts

حيرة الشباب مع الجسد

22/01/2010

حيرة الشباب مع الجسدتساؤلات حول الجسد يطرحها الشباب من خلال إبداعتهم المتنوعة... فن تشكيلي، سينما، رقص معاصر، أعمال طرحت مؤخرا على الساحة المصرية تتمحور جميعها حول إشكالية الجسد المحرر للفرد أو المكبل له

هل سيُعدمون الحداثة؟

08/07/2012

هل سيُعدمون الحداثة؟يبدو أنّ ثمة قرارا بإعدام كلمة حداثة وسحبها نهائيا من المعجم المصطلحي المتداول، هذا ما بدأت أشعر به من خلال محاضرات في عواصم عربية مختلفة. لاحظت أن البعض...

حسين بيضون : يحكي عن واقع المصورين

28/06/2012

حسين بيضون : يحكي عن واقع المصورينفرح، غضب، حزن، انكسار، انتصار... وحدها عدسة المصور تستطيع تخليد هذه اللحظات وأرشفتها في صور لا يمكن محوها من الذاكرة. يحملون كاميراتهم ويتنقلون من مكان إلى آخر...