الرقص الشرقي جسر تواصل بين الشرق والغرب

يعرض حاليا بدور السينما المغربية فيلم "كل ما تريده لولا"، وهو فيلم جديد للمخرج المغربي نبيل عيوش، مدّته ساعة وخمس وخمسون دقيقة، يحكي قصة شابة أمريكية لعبت دورها الممثلة الأمريكية "لورا رامسي" تشعر بميل جارف نحو الرقص الشرقي، فتقوم برحلة بحث عن تحقيق الذات من نيويورك إلى القاهرة، لتتعلم هذا النوع من الرقص بالعودة إلى أصوله في مصر، وفكرة الفيلم مستجدة، لأنها تنقل هذا الرقص من عالم الابتذال إلى عالم الإبداع الجسدي والجمالي، وترفع مرتبة الرقص الشرقي إلى مراتب الفن الراقي، وتعيد الاعتبار لتعبير جسدي، أصبح مرتبطا في المخيال الشعبي العربي ولدى الاستشراق الغربي بـ"هز البطن" أو "هز الوسط" لدغدغة المشاعر الجنسية المكبوتة.

الرقص الشرقي عوض ابن لادن كعلامة مميزة للعرب

يستحضر المخرج، الذي استثمر في هذا الفيلم 10 ملايين أورو، وهي أعلى ميزانية يحظى بها فيلم مغربي حتى الآن، بعدا آخر في فيلمه، حينما قال في إحدى تصريحاته على هامش عرض الفيلم: "في أمريكا يُعرف العرب بأمرين: ابن لادن والرقص الشرقي، وأنا أحب أن يلصق بالعرب الرقص الشرقي، على أن يلصق بهم ابن لادن"، وبهذا المعنى يندرج هذا الفيلم في إطار المحاولات العديدة لـ"تصحيح" صورة العرب لدى الغرب.

كيف داعب حلم الشرق "لولا" ؟

وتحكي قصة الفيلم حياة "لولا" وهي شابة أمريكية في الخامسة والعشرين من عمرها، تعمل ساعية بريد في مدينة نيويورك، وتعيش حياة عادية، تحلم بأن تصبح بطلة رقص الباليه، لكن بدون أن تصل إلى هذا المبتغى، وفجأة، تتغير حياتها تغيرا جذريا، ويحدد الفيلم الانقلاب في حياتها بعاملين حاسمين، أولهما تعرفها على الراقصة إسمهان، التي لعبت دورها الممثلة اللبنانية كارمن لبس، من خلال يوسف صديقها المصري المثلي جنسيا الذي يعيش في نيويورك حياته بحرية، ويرفض العودة إلى مصر، لأن سلوكه الجنسي، سيرفض هناك رفضا باتا، ويوسف ارتدى لباس الراقصات، وأدى وصلة رقص، أعقبها بعرض شريط للراقصة المصرية اسمهان، التي سلبت لبّ "لولا".
والعامل الثاني هو تعرفها على زكريا، الذي لعب دوره الممثل المغربي أسعد بواب، وهو شاب مصري وسيم، تتعلق به، ويعيشان قصة حب عاصفة، لكنها لم تكلل بالنجاح، لأن "لولا" رفضت أن تكون زوجة زكريا، الذي يمثل ذهنية الرجل الشرقي الساعي إلى امتلاك المرأة وإخضاعها لنزواته، وفي حديثهما معا، يقول لها زكريا مثلا عربيا، يعتبر هو الموجّه لرحلة بحث البطلة عن موطن انسجام الروح مع الجسد في الشرق، وهذا المثل يدعو إلى التشبث بتحقيق الذات رغم كل الصعوبات.

رحلة الهجرة إلى الشرق

وتفيق "لولا" من حلمها الجميل، وتنتهي بغتة هذه العلاقة الرومانسية الرائعة بمغادرة زكريا لنيويورك، لكنه يترك لها باقة ورد أمام باب شقتها، مرفوقة بالكلمات السحرية للمثل العربي الداعية إلى تحقيق الذات بتخطي جميع العوائق والمثبطات، هذه الكلمات السحرية جعلت "لولا" لا تتمالك نفسها، ويشدّها الشوق للرحيل بحثا عن حبّها المفقود.
تركب، إذن، "لولا" مغامرة السفر، معتقدة أنها ستجد نفس الشخص الذي عرفته في نيويورك، لكنها تصطدم باختلاف العادات والتقاليد بين الغرب والشرق، وتجد نفسها أمام زكريا آخر، ليس هو ذلك الشاب المنطلق والمتحرر في أمريكا، بل شاب يخضع لقيم الجماعة، ويضحي بحبه إرضاء للمجتمع، فتشعر بخيبة الأمل في حبيب علقت عليه آمالها، لكن فشل حبها، أيقظ بداخلها مرماها الثاني في مصر، ألا وهو ملاقاة اسمهان.
وعلاقتها بالراقصة اسمهان هي نقطة تحول أخرى في حياة "لولا"، إذ ستفتح لها أبواب المجتمع المخملي المصري على مصراعيه، بحيث صار الرقص هو مفتاحها السحري لتتعرف على علية القوم.
تبدأ علاقة لولا واسمهان بالتوجس والحذر، خاصة من طرف اسمهان، وهي راقصة مشهورة، اختارت التواري وراء الأضواء، عقب اكتشاف خيانتها لزوجها في رحلة فنية قامت بها إلى باريس، ولم يغفر لها المجتمع المصري خطأها، وبقي اسمها مقترنا بتلك الخطيئة، لكن جسور الودّ والتعاطف بدأت تنسج بين السيّدتين، وذابت الاختلافات الثقافية والحضارية، ووحّدهما الجسد وتعابيره.

اسمهان تدخل "لولا" إلى سحر الشرق

لأن تعلّم المتعلم أو المريد يحتاج إلى معلم أو مرشد أو شيخ، فإن اسمهان أخذت بيد "لولا" لإدخالها إلى عوالم الرقص الشرقي الساحرة عبر طقوس المرور الضرورية، بمحاولة التخلي عما ورثته من تعابير جسدية لحضارتها الغربية، وانطلقت في رحلة التعلم، ويوما بعد يوم، شرعت معارف وخبرات الراقصة المتمرسة اسمهان تنتقل إلى "لولا" الأمريكية التي لم يكن جسدها يتحرك إلا بنغمات الموسيقى الغربية، وبذلت المجهود تلو المجهود، لتصبح في مدارج الراقصات الموهوبات، وكانت "لولا" أمام امتحان عصيب، إذ لم تستطع إفشاء اسم اسمهان معلمتها، لأن هذا الاسم الموسوم بالعار تُشتمّ منه رائحة الخطيئة في مجتمع يعطي قيمة كبيرة للمظاهر، ويعيش في جو النفاق. لكنها في آخر حفلة رقص قدمتها في مسرح محترم أمام جمهور محترم، وأعطت للرقص وضعية محترمة، باحت بسر تألقها، وهو "اسمهان"، فاجأت الجمهور، تردد في التصفيق، لكن الشخص الذي شارك اسمهان "الخطيئة" كان حاضرا، وهو من كان وراء صعود نجم "لولا" الراقصة الأمريكية في سماء القاهرة، صفق احتراما لذكرى اسمهان التي كانت حاضرة متخفية في المسرح، استمعت بانتشاء لذكر اسمها، وإعادة الاعتبار لها، بعد سنوات من العزلة والاغتراب في مجتمع لفظها، ولم يغفر ذنبها.

الامتلاء في الشرق ونقل التجربة الوجودية إلى الغرب

انسجمت "لولا" مع ذاتها، عندما "تجرأت" ونطقت باسم اسمهان الذي كان مدنسا، شعرت بتحقيق الذات، وتصالح الشرق مع الغرب، والجسد مع الروح، أحست بالامتلاء، وتحقيق المبتغى، فقررت العودة لإيصال ما تعلمته وخبرته لأبناء بلدها.
وكانت عودة لولا إلى نيويورك بعدما حقّقت ذاتها، سيرا على هدي ذلك المثل العربي الداعي إلى العمل على تحقيق المراد، لمواصلة رسالتها في التعريف بالرقص الشرقي في الولايات المتحدة الأمريكية، كتعبير فني وجمالي راق في ملكية العرب، وعليهم أن يعتزوا به، ولا يخجلون منه، لكن هل بلغ المخرج مبتغاه بتغيير صورة العرب لدى الغرب، ولصقه بالرقص الشرقي عوض الإرهاب؟ هذا لربما، ما ستجيبنا عنه الأيام القادمة.

محمد علي الحنشي
(27 مايو 2008)

Related Posts

حصاد الموسم الرمضاني الدرامي بين التجديد والجرأة

21/10/2008

حصاد الموسم الرمضاني الدرامي بين التجديد والجرأةحصيلة هذا العام أن معركة الانتاج الدرامي حسمت لصالح الانتاج السوري، الذي أثبت تفوقه في الجودة الفنية والأهمية الدرامية عززتها الحرفية الفنية للممثلين والرؤية الإبداعية للمخرجين.

مهرجان سينمائي فلسطيني في فلسطين

25/06/2004

مهرجان فلسطينيفي الحقيقة، آخر مهرجان سينمائي فلسطيني تم تنظيمه في فلسطين، كان في العام 1992. بعد ذلك، لا أحد يعرف ماذا حدث بالضبط ولماذا لم يجرِ أي مهرجان سينمائي إضافي .
 

عودة المسرح إلى سببه وبدايته

10/01/2008

ليلة الخميس 30 آب، في مسرح المدينة (الحمرا)، شهدت بيروت عرضين متتاليين لمسرحية «لكم تمنت نانسي لو أن كل ما حدث لم يكن سوى كذبة نيسان» التي كتبها كل من ربيع مروة وفادي توفيق، وهي أيضاً من اخراج مروة، الذي شارك في التمثيل مع لينا صانع وحاتم امام وزياد عنتر.