معرض " الجنينة الأندلسية" لأجل السلم والتعايش بين الثقافات

هل يمكن استحضار الأندلس دون المجازفة بإثارة الحنين إلى زمنها الجميل؟ لعل المجازفة تنجح إن كانت على شكل معرض "الجنينية الأندلسية" أو الحديقة الأندلسية الذي يستضيفه المغرب منذ عدة أسابيع. يعيد المعرض رسم صورة أندلس فيحاء، تميزت بحضارة عشقت الطبيعة ومازجت بين عناصرها المختلفة، وأبدعت فيها بما أمكن للإنسان الأندلسي في ذلك الزمان بلوغه وتطويره من معارف علمية وزراعية وإيكولوجية وهندسية رفيعة.

التخلص من الحنين إلى الماضي هو إذن تأشيرة الدخول إلى عمق المعرض الذي ينشد الوقوف على إحدى أجمل مظاهر تعايش الشرق والغرب وأقربها إلى حياة الناس اليومية، من أجل الاستفادة من النجاحات التي تحققت في الماضي، وتقديم مثال علمي وثقافي ممكن تحقيقه في الحاضر.

معبر الحواس عبر الزمن

"ألديك حديقة؟"، قالتها السيدة الستينية بفضول لشابة في الثلاثين كانت تنقل باهتمام معلومات كتبت على لوحة معلقة بجانب نموذج مصغر لحديقة جميلة. " يا ليت..."، نفت الشابة امتلاك حديقة بحسرة ظاهرة، واستطردت قائلة إنها مدرسة تنوي إعداد درس تمهيدي حول حب الطبيعة، قبل أن تدعو تلاميذها لزيارة المعرض والكتابة عن الموضوع. " ليس أفضل من حديقة أندلسية لتعلم حب الطبيعة"، أجابت المرأة بحكمة المسنين.

حب الطبيعة، حب الحياة، هو ما جمع بين هاتين المرأتين في معرض "الجنينية الأندلسية"، وهو الحب الذي سعى المعرض إلى نشر معانيه الحضارية والثقافية بين زوار البساتين الأندلسية، وبين كل مدينة حط فيها الرحال، من أجل استحضار التاريخ المشترك بين الشرق والغرب في ضفتي المتوسط خلال أزهى عصوره وفي أبهى تجلياته الممكنة: الجمال والسلام والانسجام، والسكينة والسعادة، والألفة والمعرفة، واللقاء والتعايش.

استوفى معرض البستان الإسباني الإسلامي شروط وضع الزائر في الصورة، للتدليل، من جانب، على ضخامة الجهود التي بذلها الأندلسيون لتشكيل حدائقهم حتى أضحت مزارات خالدة وتراثا إنسانيا عالميا، والتعريف، من جانب آخر، بحياة الأندلسيين ومشاغلهم اليومية. ويشكل التمييز بين أنواع الحدائق الأندلسية، بدءا بالحديقة النباتية، مرورا بالحديقة العلمية والحديقة الشعرية، وانتهاء بالحديقة الصوفية أو الروحية، مدخلا ناجحا لكسب اهتمام كافة أصناف الزوار من غير الباحثين والمهتمين بالحضارة الأندلسية.

ولا تكتمل الصورة بالطبع دون الاطلاع على بنك معطيات شامل حول فن الحديقة الأندلسية، والذي يتنوع بين الصور التاريخية والبيانات التوضيحية لتنظيم المجال والتصميمات الافتراضية للحدائق والمجسمات المصغرة لأنظمة الري وتقنيات البستنة، وبين اللوحات التي كتبت عليها آيات من كتاب القرآن الكريم ومقاطع من الكتب السماوية حول موضوع الجنان، ومختلف تعريفات الجنينة، وعلاقتها بالجنة، وأشعار أندلسية رقيقة تتغنى بجمال الطبيعة ورونق الجنائن.

كما يضم المعرض مخطوطات عربية تتحدث عن علوم النباتات في تلك الحقبة، وأنواع النبات والأشجار الطبية والعطرية والتزيينية التي جلبها العرب معهم من الشرق، وتوفقوا في استنباتها في الأندلس إبان وجودهم هناك، مثل شجرة الطوبى وأزهار النيلوفر الأبيض والأصفر وأزهار السوسن وأزهار الخيري والزنبق والنرجس والخزامى والياسمين العطري...

وربما مثل ركن الروائح التي كانت تعبق في بلاد الأندلس على مدى قرون أولى نقاط الجذب الحسي في معرض الجنينية الأندلسية، ومدى الاستفادة العلمية المتبادلة بين الشرق والغرب في مجال الأغراس والنباتات وفنون العيش على مدى قرون. قالت المدرسة الشابة إن أكثر شيء تكرر في أحاديث صديقاتها وزميلاتها اللواتي زرن المعرض هو العطور الأندلسية. ولتؤكد كلامها، أشارت بيدها نحو ممرات المعرض المزينة بصناديق زجاجية، حيث يتوقف طويلا الزوار، خاصة النساء والفتيات، لاكتشاف العطور الرفيعة التي استخرجها الأندلسيون من رحيق النباتات المتنوعة.

وزُين فضاء المعرض كذلك بأصناف مختلفة من الفواكه التي كانت تثمر بوفرة في أشجار البساتين الأندلسية، لاسيما الليمون والزيتون والبرتقال والتين والرمان، موفرة الظل والأكل والمنظر البديع.

الفردوس المفقود يعود

في كل محطة حل بها معرض الحديقة الأندلسية، عبر العديد من المدن المغربية، الرباط ومكناس وفاس وتطوان والصويرة والجديدة... كان المنظمون يبدون حرصا خاصا على التذكير بأن المعرض لا يسعى إلى إثارة شجون تاريخ العصر الذهبي للوجود العربي الإسلامي في شبه الجزيرة الأيبيرية، إلى أن تم طردهم منها قبل خمسة قرون. فقد توقع المنظمون إلصاق هذه " التهمة" بهم، وظلوا يؤكدون أن المعرض أقيم على أساس عملي وبحثي غير مسبوق، من وجهة نظر تاريخية وإيكولوجية، وأن القصد منه هو إبراز تفوق الأندلسيين في مجال علمي محض، يتمثل في تنظيم الري وإبداع حدائق بهية، تذكر الإنسان بجنان الخلد، وإحداثهم ثورة في عالم الطب والأكل وفن العيش.

وبذلك شكل نفي دوافع الحنين إلى الفردوس المفقود في الأندلس علامة بارزة لدى تقديم المعرض لزواره، ولو أن ذلك الحنين الساكن في عمق اللاشعور العربي أقوى من الوعي به، ولو تم التنصل منه جهرا. بيد أن هذا التذكير هو في واقع الأمر بمثابة تأشيرة الدخول إلى عمق المعرض الذي ينشد الوقوف على إحدى أجمل مظاهر تعايش الشرق والغرب وأقربها إلى حياة الناس اليومية، من أجل الاستفادة من النجاحات التي تحققت في الماضي، وتقديم مثال علمي وثقافي ممكن التحقق في الحاضر.

يعيد المعرض رسم صورة أندلس فيحاء، تميزت بحضارة عشقت الطبيعة ومازجت بين عناصرها المختلفة من الشرق إلى الغرب، وأبدعت فيها بما أمكن للإنسان الأندلسي في ذلك الزمان بلوغه وتطويره من معارف علمية وزراعية وإيكولوجية وهندسية رفيعة. إنه بحسب المنظمين" فسحة للالتقاء والتعايش، ومكانا للمتعة والتأمل وبوتقة حضارية بلورت أسلوبا خاصا للمناظر الطبيعية وتأقلمت فيها أنواع نباتية متنوعة ومجهولة حتى ذلك الحين".

وفي المحصلة، يقدم المعرض " مفتاح حضارة أحبت الطبيعة واحترمت بيئتها، ويفتح لنا بابا لاكتشاف مفاتيح مستقبل أحسن لبيئة أكثر إنسانية وأكثر اعتدالا"، على حد تعبير شريف عبد الرحمان جاه، الباحث المغربي في مجال التراث الإسلامي، ورئيس مؤسسة الثقافة الإسلامية بإسبانيا، صاحبة مشروع الجنينة الأندلسية الذي ساهمت فيه عدة فعاليات إسبانية ثقافية وفكرية.

ورغم أن المعرض انتقل في وقت سابق إلى سوريا، وحل لفترة في مدينة حلب، بغية توسيع امتداد الرحلة الخضراء للحضارة الأندلسية القادمة من الشرق في منطقة حوض المتوسط، فقد ركز على أقرب نقطة له في الضفة الجنوبية، متجولا في أغلب ربوع المملكة المغربية، باعتبارها" الوريث المباشر لثقافة استحسنت الخضرة والصوت المريح للماء والهدوء الذي توفره المساحات الخضراء".

وبهذا المعنى، يسعى معرض الحديقة الأندلسية إلى إعادة الاعتبار للبساتين التاريخية واستعادة الحدائق العربية العتيقة في المغرب، وإعادة بنائها لتكون" ساحة ثقافية وبيئية وجمالية وتربوية مشتركة"، إذ حظيت البساتين بمكانة مميزة في هندسة الحواضر الأندلسية، ومثلت مجالا حيويا في حياة الأندلسيين اليومية، وبوابة مشرعة على اتجاهين: الحفاظ على الخصوصية المميزة للمجتمع العربي، والحرص على الانفتاح على الآخر كما يشهد تنوع وغنى الحضارة الإسلامية.

الجنينة الأندلسية رمزا للتعايش والحوار

يعد معرض الحديقة الإسبانية الإسلامية جزءا من مشروع ثقافي شامل وطموح ترعاه مؤسسة الثقافة الإسلامية منذ افتتاحه في حديقة قرطبة في العام 2004، وانطلاق رحلته عبر العديد من المدن الإسبانية، مثل مدريد واشبيلية وغرناطة، في تقاطع مع دور المؤسسة الرامي إلى تقديم" رؤية متوازنة وموضوعية عن الإسلام، وإطلاع الجمهور على الدور الإيجابي الذي لعبه الإسلام داخل المجتمعات".

ويعتبر هذا الجانب من التصالح مع التاريخ في غاية الأهمية، سواء بالنسبة للعرب الذين فقدوا الأندلس بعدما عمروها طيلة سبعة قرون، أو بالنسبة للإسبان الذين خاصموا تلك الحقبة حتى أن أجزاء كثيرة من التاريخ الذي يدرس للنشء يقفز عليها متجاهلا إياها، يقول شريف عبد الرحمان إن هذه الحضارة الإسلامية الأندلسية كسبت الاعتراف من أبناء اليوم بما قدمته لأوروبا في العصر الوسيط، "فكلهم سلموا بعظمة ثقافتها وعطائها العلمي والفلسفي والروحي".

رسالة السلام والتعايش بين الشعوب والانفتاح على مختلف الثقافات تقرأ واضحة من خلال معروضات الحديقة الأندلسية، رسالة ترغب في أن يجري الحوار بنفس التسامح والوئام الذي ساد تعايش الديانات السماوية الثلاث في جنوب إسبانيا، وبنفس العمق والعطاء الذي عكسته دلالات الحديقة الأندلسية متعددة الأبعاد، خلال أزهي المراحل التاريخية بين الشرق والغرب.

ومن خلال الحفر في مفهوم الجنينة، والغوص في التراث الديني للإسلام واليهودية والمسيحية، يسلط المعرض الضوء على الفهم الديني لمجال الحديقة، حيث تتمركز مؤثثات السعادة المطلقة، متمثلة في حسن المآب والجزاء الذي يتجلى في الاستمتاع الأبدي بالخضرة الزاهية وعذوبة المياه وجريانها المتدفق، ودوام أطايب الطعام من الفواكه المتنوعة، ومتعة خالصة للبصر وسكينة أزلية للفؤاد... كما يستحضر هذا البعد مكونات الخلق التي تعيد الإنسان إلى أصله الأول، لأنه بدوره من تراب وماء، أي الطبيعة، حسب قصة الخلق الإلهي في الكتب السماوية الثلاث.

وعلاوة على استحضار التلاقي والتقارب في البعد الديني للجنينة الأندلسية، يرمي معرض الجنينة الأندلسية إلى تمتين الروابط الثقافية التي جمعت بين المغرب وإسبانيا على مر التاريخ، و" استحضار جزء من غنى التبادل الثقافي الذي سمح، في لحظة تاريخية، للبلدين بأن يتقاسما نفس الثقافة والحضارة"، يؤكد المنظمون.

ويمكن اعتبار النجاح الكبير الذي لاقاه المعرض حتى الآن من خلال رحلاته بين ضفتي حوض المتوسط، ومواصلته التجوال في مدن المغرب، دليلا على حاجة الشعوب المتوسطية لكل ما من شأنه أن يبعث الدفء في أوصال العلاقات التاريخية والجغرافية المتوترة من حين لآخر، فقد حان الوقت، تقول إيناس إيليكسبورو، منسقة الحدائق بالمؤسسة الثقافية الإسلامية" لنوضح للأجيال الجديدة بالحوض المتوسطي أنهم شركاء في ميراث ثقافي كبير يحق لهم أن يفتخروا به، ليس من باب الحنين إلى الماضي المجيد، بل ليتخذوه مثلا للحاضر والمستقبل". ولربما لا توجد لغة في قوة لغة الطبيعة والحدائق قربا من حياة الشعوب للتفكير في حاضرهم ومستقبلهم.

 

 

 

 

 

نادية بنسلام
(3 يونيو 2008)

Related Posts

مهرجان سينمائي فلسطيني في فلسطين

25/06/2004

مهرجان فلسطينيفي الحقيقة، آخر مهرجان سينمائي فلسطيني تم تنظيمه في فلسطين، كان في العام 1992. بعد ذلك، لا أحد يعرف ماذا حدث بالضبط ولماذا لم يجرِ أي مهرجان سينمائي إضافي .
 

عبر نصوص لمائة كاتب عبر مائة عام محاولة أدبية لقراءة القاهرة

03/03/2012

عبر نصوص لمائة كاتب عبر مائة عام محاولة أدبية لقراءة القاهرةهل يمكن رسم "خريطة" للقاهرة؟ المدينة الأكبر في الشرق الأوسط، وإحدى أكثر المدن في العالم إزدحاما، ونموا يوما بعد يوم...

 

حين يصبح تراث الحرف اليدوية فنا

02/09/2014

في مبادرة جديدة من المجتمع المدني، أصدرت إحدى الجمعيات الأهلية "المبادرة المصرية للتنمية المتكاملة" كتابا جديدا عن الحرف التقليدية في مصر، ورغم رعايتها لبعض الحرف التقليدية في صعيد مصر إلا أنها لم تقتصر عليها وأصدرت كتابا متميزا يضم 11 حرفة تقليدية  تقاوم الزوال.