هوية ضائعة

منذ فيلمه الأول "شيء ما يحترق"، الذي نال إعجاب النقاد والجمهور حينذاك، استطاع المخرج السوري غسان شميط أن يترك بصمة مؤثرة ومميزة في أرشيف السينما السورية.

ولشميط صفتان تميزانه عن غيره من المخرجين. أولهما اعتماده على نص مكتوب (روائي أو سيناريو)، في الوقت الذي تطغى به سينما المؤلف على أغلب إنتاجات السينما السورية، وثانيهما تخندقه داخل ما يسمى سينما القضية، أي تلك الرؤية التي ترى في السينما أفضل مجال لطرح قضيتها، والقضية في حالة شميط هنا هي الجولان السوري المحتل - حيث أن أفلامه الروائية الثلاثة تتحدث عن الجولان السوري - بما تكتنزه أرضه من دماء وتاريخه من حكايا، والمخرج يعلن ذلك صراحة إذ يقول : «أنا جئت إلى السينما من أجل طرح قضيتي وجولاني، أشعر أن علي دينا يجب أن أوفيه للناس والشجر والأرض..». رغم إدراكه الشديد أن القضية وحدها لا تصنع سينما، بل ربما تقدم شعارات أكثر مما تقدم فنا.

لا يختلف فيلمه الجديد " الهوية " الذي كان مشاركا ضمن مسابقة مهرجان دمشق السينمائي للأفلام الروائية الطويلة عما سبق، فهو يعود مرة أخرى إلى الجولان، عن طريق بطله فواز (قيس الشيخ نجيب) المولود في الجليل، الذي يسمع عن طريق الجامع وفاة أبيه من جيله السابق، لأن الفيلم يقوم على فكرة التقمص التي يؤمن بها أهالي الجولان السوري وتحديدا الدروز، فيقرر البطل الذهاب إلى قريته الأولى مجد شمس للقيام بواجب العزاء رغم صعوبة الظروف السائدة، بسبب الحواجز التي وضعها الجيش الإسرائيلي بين الجليل والجولان، ودافعه في ذلك التأكد من هواجسه والبحث عن هويته وحبه الضائع.

يسير الفيلم بخطين متوازيين عبر زمنيين متباعدين، الخط الأول تمثله فلاش باكات البطل، متذكرا حياته السابقة في ظل أسرة متدينة يحكمها أب قاسي وأم طيبة، متخيلا حبيبته التي لم يستطع الزواج منها بسبب طلب ابن عمها يدها من والدها، راصدا حياة الأسرة وصعوبة العيش تحت الاحتلال، وهنا يأتي الخط الثاني في الفيلم ليذكرنا بوجود الاحتلال وممارساته وإذلاله لأهالي الجولان عن طريق الحواجز التي يضطر المعزّون للوقوف عندها والرضوخ لأسئلة المحققين الفجة.

يصل الوفد إلى القرية ويقوم بواجب العزاء، ويقرر الشاب البقاء في القرية بحثا عن هويته وأهله فيذهب منزل أهله ليرى فعل الزمن بهم، فيتعرف عليهم ويعرف أن أخاه الأصغر استشهد أيضا بعد أن انخرط في حركة النضال ضد المحتل، وأن حبيبته السابقة بقيت وحيدة في منزل أهلها، فيذهب لرؤيتها، وهنا أفضل مشاهد الفيلم وأكثرها كثافة وشحنا إذ يلتقي حبه وجها لوجه، حبيبة في شيخوختها وحبيب في ريعان شبابه، متذكرا بنفس الوقت لحظة زواجها من ابن عمها وكيف حوّل العرس إلى مأتم بانتحاره، فاتحا الفيلم على أكثر من معنى.

الهوية أيضا هنا لها بعدان متكاملان، خاص وعام، يتمثل الخاص في بحث الشاب عن هويته الخاصة، والعام في رفض أهالي الجولان للهوية الإسرائيلية عند محاولة فرضها عليهم، ويتجلى هذا لحظة تأبين الفقيد حيث تتحول الجنازة إلى مهرجان خطابي رديء فنيا وسينمائيا، بسبب عدم القدرة على تجنب طرح الشعارات التي أثقلت الفيلم وأوقفت جريان نهره.

ويتمثل ذلك في بعض العروض العسكرية الغير مبررة إطلاقا، وفي الطرح المباشر والفج للخطاب الثوري دون رؤية فنية تسنده، خاصة عندما يواجه البطل الضابط الإسرائيلي ويسأله: أين كنت؟ فيجيب : أبحث عن هويتي؟ ثم يعتقل ويستشهد بعدها إثر محاولته الفرار، إذ لم يكن داعي لتلك العبارة (أبحث عن هويتي) لأن الفيلم عنوانه الهوية وكل مشاهد الفيلم تشي بهذا الموضوع، ويكرر الأمر عند رفض الأهالي الهوية الإسرائيلية.

لقد أضاع المخرج والكاتب (وفيق يوسف) فرصة ذهبية - كما يقول المخرج أسامة محمد محقا - في التعامل مع ظاهرة التقمص، بما تتيحه الفكرة من بُعد تخيلي ورمزي يمكن اللعب عليه فنيا في أكثر من مستوى. ولكننا نلاحظ هنا أن العرض يبقى بطيئا بعيدا عن الإثارة والشحن الدراميين إذ يجيّر المخرج فكرة التقمص لصالح الشعار المطروح بعيدا عن بعدها الدرامي والإنساني الأغنى قائلا: «إن مقولتنا في الفيلم أنه حتى لو أطلق العدو الإسرائيلي النار على شبابنا المقاوم فإنه سيعود متقمصا حاملا الهوية العربية السورية لمواجهة الاحتلال».

الممثلون كان أداؤهم متوسطا ولم يرتق التمثيل إلى مستوى الحدث. فقد كان أداء قيس الشيخ نجيب البطل الرئيسي بطيئا وحركته منضبطة كثيرا حتى أثناء مواجهته آخر الفيلم مع الموت، في حين كان أداء الممثل الشاب مجد فضة والممثلة الشابة سوسن أرشيد جيدا وإن لم يصل مصاف الإبداع.

مرة أخرى يبقى غسان شميط ضائعا بين رؤيته السينمائية وقضيته العادلة، لم يستطع التوليف بينهما سينمائيا، إذ تطغى شعاراته وقضيته على فنية فيلمه، الأمر الذي يضحي بالسينما لصالح قضية لا تستفيد شيئا في حال كهذا، لأن القضية الأساسية للسينما تكمن في قدرتها على التعامل مع أي قضية من منظور سينمائي بحت بعيدا عن الشعار والمقولات الجاهزة. فمثلا لو اكتفى الفيلم بقصة الحب الجيدة كمحور أساسي للفيلم وجعل الأحداث الأخرى الوطنية خلفية لها فقط، لكان خدم القضية والسينما على السواء.

ولكن يبقى شميط وفيا لرؤيته السينمائية وصادقا مع هواجسه وانفعالاته وهويته التي لم نتلمسها في هذا الفيلم.

محمد ديبو
(23 يونيو 2008)

Related Posts

حـــــــوار مع لـــيـــنــــا صــــــانــــــع

13/12/2007

الشابة التي كانت مع شريكها ربيع مروة تضطر للإستدانة من أجل إنجاز مسرحية شديدة التقشف ، متواضعة الانتاج في مطلع التسعينات ، باتت اليوم تجول في أعمالها ما بين طوكيو وموسكو وفيينا وعواصم أخرى ، بعد أن صار للفنانين في لبنان صلة مستدامة مع التمويل الأجنبي للأعمال الفنية .
وعن سيرة هذه العلاقة كان هذا الحوار معها .

حيرة الشباب مع الجسد

22/01/2010

حيرة الشباب مع الجسدتساؤلات حول الجسد يطرحها الشباب من خلال إبداعتهم المتنوعة... فن تشكيلي، سينما، رقص معاصر، أعمال طرحت مؤخرا على الساحة المصرية تتمحور جميعها حول إشكالية الجسد المحرر للفرد أو المكبل له

مهرجان الأردن يبدأ فعالياته الاثنين وسط انتقادات لاذعة

06/07/2008

بعد إلغاء مهرجان جرش وبدء فعاليات مهرجان الأردن، طالبت ثمان هيئات ثقافية أردنية موقفهم الرافض للتطبيع.