سرق وجهي

في ذلك المساء الأحمر، كانت سيّارة "الجيب" تهجم على الجبل كالمدرّعة يسير خلفها سرب من كلاب تتوعّد بنباحها المبحوح كل سكينة .كانت السيارة تحمل جثّة منتفخة تنتصب على الّلوح تهمّ بالانفجار، تذيّلها نتانة مقرفة...
الميّت رجل وصل يوما القرية مصحوبا بحقيبة سوداء ودفاتر كبيرة. استأجر بيتا في أقصى البلدة. لم نكن نراه إلاّ ساعة ينزل إلى الحنفيّة العمومية فيملأ إناءًَ حديديّا ويعود إلى بيته ولا نراه مرّة أخرى إلاّ بعد أيّام يقضي نفس حاجته.كنت وأترابي نتساءل: ماذا كان يأكل ؟ ماذا كان يفعل ؟ كنّا نقترب من عرينه فنسمع شيئا كالغناء وليس بالغناء، شيئا كالنحيب فنعود بأفكار وظنون ولا يقين عن حقيقة ذلك الغريب صاحب اللحية الحمراء الطويلة والحذاء العسكري و قبّعة السّاحر السوداء.
انتصب أمامي يوما كالعقاب بينما كنت ألهو في حوض الحنفيّة العمومية، رفعت رأسي فوجدته يصوّب نحوي نظرة قاسية مخيفة ففزعت وركضت بعيدا تاركا في الحوض حذائي الجديد. انتظرت حتّى غادر إلى بيته وعدت والخوف مازال يسربلني غير أنّي لم أعثر على حذائي، كان الغريب قد أخذه.

عدت إلى البيت ورويت لأبي ما حدث لي فنزع حزامه الجلدي من بنطالهو وانهال على قدمي جلدا مكذّبا مزاعمي، وأقسم أن يتركني حافيا طوال الصّيف فكانت الأرض تلسع قدميّ بحرارتها والزّجاج المكسور يودّعني كلّ يوم بجروح جديدة، وكنت كلّما تعرّضت إلى ألم جديد أزداد كرها لذلك الغريب الذي سرق فرحي. تسلّلت ذات يوم ورميت شبّاك بيته بوابل من الحصى وفجأة رأيته وراء النّافذة يطلّ بوجه نّازف وجبين دام. لقد أصبته بحجارتي... هرعت إلى البيت أحتمي من المشهد بحضن أمّي، كنت أمرّغ رأسي في حجرها لائذا بها من ارتعاشة لا أجد لها شفا ء.مرّ بي الليل أشباحا ورؤوسا ودماء وشبابيك تنفتح على جهنّم. لم يفقدني خوفي كرهي لذلك الغريب بل كان حذاء العيد الذي استولى عليه ما ينفكّ يأتيني في أحلامي ويقظتي يسألني أن أثأر له وأن أريق على جوانبه الدّم.
كانت زهرة المهبولة تتبع الغريب كلّما حلّ بالحنفيّة ويشتدّ ضحكها ساعة تلمح قبّعته السّوداء. كان غريبا حقّا فلم يكن أهالي القرية يضعون على رؤوسهم غير الشّاشية الحمراء بينما ينفرد الأعيان بكبابيس الحجّ البيضاء فننادي الواحد منهم بــ"الحاج" وهو لا يترك الحانة إلا لينزل إلى ماخور العاصمة: كانت العاصمة حلمنا ومنذ أن حلّ الغريب بالقرية أصبحت زهرة المهبولة تحلم هي الأخرى بها وتدّعي أن الغريب وعدها بأن يأحذها لزيارتها و زيارة بلدان أخرى أجمل منها.

كانت زهرة المهبولة تلعب معنا "الموريات" و"بقيرة ولدت" كنّا نسترق النّظر إلى صدرها المنتفخ الذي تكشف عنه أسمالها البالية. لم أكن و رفاقي نعرف النّهود غير أنّنا كنّا نشتهي ملامسة ذلك الانتفاخ في صدر زهرة رغم وساخته.
لم أكن أيامها صغيرا جدّا فقد كنت أحلم بسنّ العشرين لدخول الجيش ودخول ماخور العاصمة .كنت أصبّر النّفس بتقبيل "هندة بنت العيرود " في خزانة القسم قبل حضور المعلّمة، كانت هند تنتظرني كلّ صباح وكلّها شوق لملاطفاتي وقبلات . لكنّها لم تكن باكتناز زهرة المهبوة . ..لم تكن زهرة جسدا جميلا فحسب بل كانت تحمل روحا نقية ساذج ... كانت بشوشة تهبّ لها القلوب وترتاح لها النّفوس وكنّا لا نحتمل أن تهان أو تجوع. كانت زهرة بركة القرية كلّها فلا ينتصب فرح دون أن ترتع زهرة فيه وترقص وتأكل من ولائمه قبل الجميع حتّى تحل البرة .كانت النسوة تزيّنّ قدمي الزهرة بالحنّاء والحرقوس قبل العروس .

مضت شهور والغريب يطأ بحذائه العسكري مياهنا كلّ حين ليلتقط بآلته الفوتوغرافية صورا لأترابي وهم يتخاطفون الحلوى التي يرميها لهم... أمّا أنا فمازلت أمنّي النّفس بالانتقام منه واسترجاع حذائي وكنت أصوّب نحوه حجارتي كلّما همّ بسرقة وجهي بآلته القذرة.
تسلّقت مرّات سور بيته كانت نوافذه ضيّقة أشبه ما تكون بنوافذ السّجن تنغرس فيها ثلاثة قضبان من الحديد. كان بيته مبعثرا مثلما توقّعت : فوضى من أوراق وكتب وصور مبعثرة على الجدران ...كانت صورا باهتة لقريتنا ولرفاقي ....عندما هممت بترك النّافذة لاحت صورة على الحائط أصابتني بدوار كانت صورة زهرة المهبولة وقد تهدّل شعرها الخشن على كتفيها العاريتين تضمّ ذراعيها إلى صدرها وهي تحاول أن تستر عريها ....كانت متعبة على غير عادتها تسيل آثار الكحل على خدّيها. كانت تبكي ؟!
انهالت على ذهني أسئلة موجعة أنستني أنّي مازلت معلّقا أنظر من النافذة. غير أن نباح الكلب الضخم المخيف الذي كان مشدودا إلى شجرة الخرّوب جعلني أهوي إلى الأرض و أنهض فارََُُّا متألّما من وجع السّقوط. لكنّ آلام الأسئلة كانت أشدّ وجعا و صورة زهرة الدّامعة على الحائط تجلد ذهني . لم تكن تلك الليلة عادية فقد أوقدت النار في الكانون وفي رأسي ... كان يجب أن أقرّر قرارًا خطيرا أفكّ به لغز الصّورة البائسة .لسعني البرد وهج القرار فجرًا: قرار الاقتحام، اقتحام قلعة الغريب، بيته المحصّن بكلبه الضخم ...
رسمت خطّة الهجوم والنزال ونمت.

مرّت عليّ القيلولة وأنا أربّت على رأس كلبتي "ليكا". كانت" ليكا" رشيقة كلاب القرية أجملها وكانت بعد عذراء لم يمسسها كلب... لكن كان يجب أن أضحّي وكانت "ليكا"... بعد ساعة من الانتظار لمحت الغريب يترك قلعته حاملا إناء الماء و رأسه صوب الحنفيّة العمومية. انطلقت نحو بيته ساحبا خلفي "ليكا" العزيزة. وما ان اقتربنا حتّى انتبه إليها الكلب المفترس ثم همّ بها... تركتها لمصيرها واندفعت نحو الغرفة. تأمّلت صورة زهرة المهبولة العارية، كانت هي زهرة ولكنّي لم أشاهد هذا الحزن في عينيها أبدا. انطلقت أفتّش في كلّ مكان عن حذائي الذي لم أجده لم أعثر إلاّ على أوراق وخرائط مكتوبة بلغة غريبة. عندما هممت بترك البيت حاملا صورة زهرة التي انتزعتها من الحائط انتبهت إلى لوحة كبيرة لامرأة عارية تضع على رأسها حجابا. شدّني الفضول وغرابة اللوحة فتقدّمت منها. كانت المرأة تمسك النّارجيلة بشكل مثير، اقتربت من اللوحة أتأمّلها حاولت نزعها من الحائط و أثناء ذلك انتبهت إلى "طاقة" مسدودة كانت اللوحة تخفيها. مددت يدي وراء الصورة وسحبتها محمّلة صندوقا خشبيّا من تلك الصناديق التي كان يأتي بها والدي قائلا: "هذه الصناديق كان الألمان يحملون فيها الذّخيرة و السّلاح أثناء الحرب العالمية الثّانية. انظروا كم هي متينة، كأنّها صناديق كنوز...و ستصبح كنوزا يوما ما .."غير أنّ أمّي كانت لا تكترث بكلامه فتضع فيها الدّجاج وتجمع فيها البيض ...

فتحت الصّندوق "المصفّح"حالما بتلك الكنوز التي كان يحدّثني عنها والدي .وكم كانت مفاجأتي كبيرة وأنا أعثر على حذائي المسلوب، حذاء عيدي الذي ضاع. لا أدري كيف انهمرت دموعي سخيّة ساخنة وأنا أحضنه متذكّرا آلام الجلد ولسعة التراب المشتعل وجروح الزجاج الطائش....
لم يكن مع الحذاء غير ظرف كبير بدا لي أنّه مشحونا ورقا. التقطته فانهالت عليّ اللّعنة موجعة .كانت بالظرف صور فوتوغرافية لجلّ نساء القرية عاريات .أكثر من عشرين امرأة عارية أو شبه عارية. هذه جارتنا "ذهبيّة" تهدّل ثدياها أمامها كبالونتين مثقوبتين و هذه الخالة سالمة تفتح ساقيها في فحش وهذه...وهذه ...و هذه زوجة العمدة ...حتّى زوجة العمدة بوشامها على خدّيها وذقنها وزندها وذقنها، كانت تقف في هذا الركن القذر تلفّ نصفها الأسفل بـ"سفسار" أبيض كاشفة خصومة عظيمة بين فخذيها ...حتّى "هندة بنت بنت العيرود" عشيقة الخزانة كانت إحدى زائرات الركن وكانت تعرض التّينتين البائستين بصدرها النّحيل.
هذا كلّ ما في الصندوق: حذائي ونساء القرية...

كان الصّندوق ذخيرة المسروقات ...هذا كلّ ما نهب الغريب ... جمعت الصور والخرائط والأوراق والحذاء وقبل مغادرتي انتبهت إلى الكاميرا: أداة الجريمة قذفت بها إلى الحائط فتهشّمت وانفلتت منها أحشاء الذاكرة .انتزعت منها الشريط الأسود وخرجت .
في الخارج لاحت لي كلبتي "ليكا"مرميّة في بركة من الدّم بجانب كلب الغريب المتوحّش. عضضت بأسناني على شفتي فأدميتها ألما وتحسّرا وغادرت القلعة الملعونة .
في الطريق، رميت ذاكرتي بوابل من الأسئلة: ماذا سأفعل بهذا الصندوق اللعنة ؟ هل أسلّمه لأبي ؟ هل أسلّم كل ّواحدة من نساء القرية وجهها المسروق ؟ هل أعطي للعمدة صورة زوجته ؟ لا أدري لماذا خطر ببالي أن أدفن الصندوق ...هرولت إلى زاوية "سيدي بو عرعارة"
جثوت على ركبتي ّمردّدا :"أيّها الولي المبارك احم هذه القرية المسكينة شر الفضيحة واستر أعراضنا وخذ عهدا عليّ أن أذبح على عتبتك "ديكا روميّا "كل عام..."
وعدت إلى بيتي أرتشف سرّي وحدي ..

بعد أسبوع من ذلك اليوم المشؤوم اشتمّ الأهالي نتانة تخرج من بيت غرب القرية، اتّبعوا الرّائحة حتى وصلوا إلى بيت الغريب وعندما اقتحموه بعد جدال طويل وصلت سيارة "جيب" يقودها رجل أشقر مصحوبا بآخر صاحب لحية حمراء وحذاء عسكري دخلا البيت ملثّمان وأخرجا جثّة منتفخة وضعاها في السيّارة ورحلا بها وراء الجبل دون أن ينطقا بكلمة . انطلقت الكلاب وراء السيارة نابحة متوعّدة بينما بقيت أشاهد ثرثرة الرّجال ونسوة القرية اللاتي مددن أعناقهن خلسة من وراء النوافذ الضيّقة وكلّ منهن تتساءل عن مصير وجهها .بينما كنت حائرا: من أين سآتي بالديك الرومي لـ"سيدي بو عرعارة "هذا العام؟

كمال رياحي
(30 سبتمبر 2008)

 

Related Posts

ذكرى الجزائر في باريس الغربة والضياع

16/04/2008

جزائري مهاجر يضيع في ضباب باريس البارد وفي ذكريات بلده الذي أضطر أن يتركه. هذا الذي تحكيه الترجمة العربية لرواية الكاتب الجزائري الراحل الصادق عيسات.

«أهمية السفر أن تتعلم مع الآخر درس الحب»

21/02/2008

أثناء تواجده في برلين، يتحدث الشاعر البحريني قاسم حداد عن تجربته الشخصية في ألمانيا وكتابه الجديد والطرق المتاحة لتفعيل حوار ثقافي صادق .

 

عشان ماتنضربش على قفاك

13/05/2008

ماذا لو جاء رجال الشرطة ليقولوا لك : البيه المعاون عاوزك في القسم؟