القاهرة... مدينة بلا سماء

إذا قبلنا بالتشبيه القائل "إن المدن كالنساء" لوجدنا أن حال القاهرة لا يختلف كثيرا عن حال المرأة الشرقية، العربية بصفة خاصة، في وهنها وضعفها وافتقادها للطابع الحضاري إلا فيما ندر! فالمدينة التي كانت منذ نشأتها طوال حقب تاريخية عديدة ملاذا للنفس أصبحت الآن مصدرا للإصابة بأدواء اليأس والإحباط المعنويين، ومصدرا كذلك للإصابة بأمراض الضغط والسكر وفقر الدم! 

لكن يبدو أن تحولات القاهرة تاريخيا قهرت ساكنيها فبحثوا على الدوام عن ملجأ خارجها طلبا للهدوء والوحدة وراحة البال. ففيما انتقل عمرو بن العاص من الإسكندرية وبنى مدينة الفسطاط (جنوب شرقي القاهرة)، أنشأ الأمير أبو عون، ثاني ولاة الخلفاء العباسيين على مصر، مدينة له شمال الفسطاط أطلق عليها اسم "العسكر"، ثم انتقل أحمد بن طولون من العسكر هذه إلى مدينة "القطائع" بجوار جبل يشكر.  

أما عبد العزيز بن مروان، فقد أنشأ مدينة "حلوان" جنوب القاهرة نظرا لاحتوائها على الأعين المائية الدافئة والتي تشفي العديد من الأمراض، فضلا عن جمال موقعها وروعة طقسها. وها هي حلوان اليوم وقد تحولت إلى أحد أسوأ الأماكن على المستويين الصحي والبيئي في مصر، ومصدرا رئيسيا للإصابة بأمراض الربو والسل وضيق التنفس بسبب انتشار مصانع الإسمنت بكافة ربوعها!

لا نود أن نسترسل طويلا في النشأة التاريخية للمدينة وتطورها، وسنعمد فقط إلى المقارنة بين التراث المعماري الذي أقيم على النسق الأوربي، الفرنسي منه بصفة خاصة، فيما يعرف باسم "القاهرة الخديوية" نسبة إلى الخديو إسماعيل (حكم مصر من 1863 إلى 1879) وما آلت إليه المدينة الآن في عصر مبارك (يحكم مصر منذ العام 1981)، راعي النهضة المصرية الحديثة!

 

 

ابتكار القاهرة

 

 

بداية، تجدر الإشارة إلى أن التراث المعماري للقاهرة الخديوية بوسط القاهرة يعد من أروع القيم المعمارية الفريدة التي ظهرت إلى الوجود نتيجةَ تزاوج معماري قاهري-باريسي آخاذ. ففي منتصف القرن التاسع عشر حدث أن التقى الخديو إسماعيل البارول أوسمان، مصمم ومؤسس باريس الجديدة، واتفق معه على استحداث طراز معماري جديد يختلف في طابعه اختلافا جذريا عن القاهرة التاريخية (الفاطمية، والمملوكية، والأيوبية، والعثمانية).

وما هي إلا خمس سنوات فقط حتى رأت القاهرة الخديوية النور وكتبت شهادة مولدها بافتتاح شارع محمد علي، ثم افتتاح الميادين الكبرى بمنطقة وسط البلد كميدان باب الحديد والقلعة وسرعان ما توالت البنايات الكبرى على هذا النحو واحدة تلو الأخرى فكانت دار الأوبرا، وحديقة الأزبكية، والأورمان، وحديقة الحيوان...إلخ.  

لكن سرعان ما تحولت القاهرة الخديوية أيضا بعد عشر سنوات فقط إلى جزء صغير من مدينة القاهرة بعد أن حوصرت بالمباني الإسمنتية الشاهقة ففقدت روحها وشخصيتها القديمة. وقد كانت القاهرة الخديوية تشكل مثلثا رأسه في ميدان التحرير وقاعدته ميدانا الأوبرا ورمسيس، فضلا عما يتفرع منهما من شوارع تضم رصيدا هائلا من البنايات الجميلة يبلغ عددها 421 بناية ضمن مساحة تبلغ 700 فدان وتنتمي جميعها إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر والعقدين الأولين من القرن العشرين وتجمع بين طرز معمارية متفاوتة ما بين "كلاسيكية" و طرز عصر النهضة "الرينسانس" و "الآر ديكو".

هذا وتؤكد الباحثة الأمريكية بولا ساندرز في كتابها "اختراع قاهرة القرون الوسطى" (بالإنجليزية، صادر عن قسم النشر بالجامعة الأمريكية بالقاهرة) أن قصة الحفاظ على الطراز المعماري للمدينة تمت روايتها بطرق مختلفة، وأن أعمال الترميم بدأت في منتصف القرن التاسع عشر عندما بدأ المهندسون الأوربيون والرحالة الغربيون والمعماريون الفرنسيون رفع أصواتهم مطالبين بإنقاذ العمارة العربية المتهدمة ومن ثم تم تأسيس لجنة خاصة بهذا الأمر وفقا لتعليمات الخديو توفيق سنة 1881.

باريس الشرق

وعلى الرغم من كل عوامل التشويه لا تزال بقايا القاهرة الخديوية تحتفظ برونقها المعماري الفريد فتلفت الأنظار إليها من أول وهلة. ويطلق الخبراء المعماريون على الخديو إسماعيل لقب "بلدوزر الإنشاءات" حيث استعان بخبراء أوربيين مثل "كاستمان" و "أنتينو لاشياك" و "ليو نافيليان" ليحققوا حلمه الرائد في مزج الطراز المعماري للقاهرة الفاطمية مع الطرز الكلاسكية الأوربية والتي يغلب عليها الطابع الفرنسي على وجه الخصوص.  

هذا ويجمع خبراء اليوم على اختيار عشر عمارات ترجع جميعا إلى حقبة القاهرة الخديوية وتمثل أجمل عشرة مبانٍ بالقاهرة وهي:

   1. عمارة الإيموبيليا، والتي تحتل نقطة التقاء شارعي شريف وقصر النيل ويرجع تاريخ إنشائها إلى أوائل القرن الماضي. كما تتميز بمساحتها الشاسعة (5444 متر مربع) ويصل عدد الشقق بها إلى 370 شقة موزعة على طوابقها الثلاثة عشر؛
  2. عقار رقم 8 بميدان طلعت حرب، ويرجع تاريخه إلى عام 1903. وعلى الرغم من أن هذا المبنى لا يتجاوز الأربعة طوابق إلا أنه يشغل مساحة كبيرة جدا من الميدان حيث تتناسب واجهته ذات الشكل الدائري مع حركة الميدان؛
  3. عقار رقم 22 بشارع قصر النيل "عمارة بنك أبو ظبي"، وتمتاز بالمزج بين طرازي "الباروك" و "الملكة فيكتوريا" كما تتوزع واجهتها على كل من: ميدان طلعت حرب، وشارعي طلعت حرب وقصر النيل. كما تتميز أيضا بالزخارف الحديدية التي اعتمد عليها المعماري الفرنسي ليو نافيليان سنة 1934 فضلا عن شرفاتها الواسعة والأبراج التي تعلوها لتؤكد الإيحاء بالطراز الفرنسي فيما يؤكد المهندس الاستشاري على رأفت مستعينا في ذلك بكتاب "القاهرة الخديوية" لسهير حواس؛
  4. عمارة صيدناوي، وتطل أيضا بشكل مباشر على كل من: ميدان طلعت حرب وشارع قصر النيل أيضا. وتتميز عما سبقها بطوابقها الستة وارتفاعها فضلا عن شرفاتها التي تعدت 14 شرفة في الطابق الواحد؛
  5. عمارة شركة التأمين الأهلية، وهي لا تختلف عن مثيلاتها في ميدان مصطفى كامل وفقا لرأي المهندس ممدوح حمزة، الخبير والاستشاري العالمي المعروف والذي يؤكد أنها تعد الأجمل في القاهرة قاطبة نظرا للاهتمام الخاص الذي تبديه بالشكل الجمالي بغض النظر عن ارتفاع التكلفة وقت إنشائها حيث تم بناؤها سنة 1900 وفق الطراز اليوناني. الملفت للانتباه أنها لم تقم على وجود أساسات مسلحة ورغم ذلك لم يستطع أي زلزال طوال القرن الماضي أن ينال منها وهي تطل على ثلاثة مناطق: ميدان مصطفى كامل، وشارعا قصر النيل ومحمد فريد؛
  6. عقار رقم 3 بميدان مصطفى كامل "عمارة نادي ريسوتو"، ويكسو جدرانها الخارجية اللون الأحمر الذي يضفي عليها بريقا خاصا وكانت في الأصل ناديا للفرنسيين وقد اعتمد تصميمها على محاكاة القصور الفرنسية خاصة أعمدة الجرانيت التي تتوسط شرفاتها الواسعة؛
  7. عمارة دجلة بحي الزمالك، وتقع بجوار حديقة الأسماك وتتميز بواجهاتها غير المتكررة على شكل فيلات مركبة مما يوحي بأنها ليست "عمارة صندوقية" وإنما يشكل كل طابق منها فيلا مستقلة مع الاحتفاظ بالتراث المعماري من خلال "البرجولات الخشبية" والحوائط المعلقة إضافة إلى التماثيل والزخارف النباتية؛
  8. عمارة ليبون بحي الزمالك، وهي حديثة البناء بالنسبة لبنايات القاهرة الخديوية وكان يقطنها في الغالب المشاهير من الفنانين؛
  9. برج النصر بكورنيش النيل بالجيزة، ويتكون من ثلاثين طابقا ويتميز بشرفاته الواسعة التي تصل الداخل بالخارج فضلا عن رؤية جبل المقطم؛
  10. البرج الرياضي بكورنيش النيل، ويتميز عن سابقه بوجود ثلاثة طوابق تم تصميمها بشكل أفقي على عكس الطوابق الأخرى. 

هل يمكن الاستفادة من التجارب العالمية؟

في العاشر من أغسطس سنة 2004 افتتحت سوزان مبارك مقر الجهاز القومي للتنسيق الحضاري الذي أقامته وزارة الثقافة بساحة "محكى قلعة صلاح الدين"، والذي يهدف إلي إعادة إضفاء قيم الجمال والتوازن علي المدن والقرى والفراغات والشوارع والميادين ذات القيمة المعارية المتميزة في مصر المحروسة. وقد أنشئ هذا الجهاز بموجب القرار الجمهوري رقم 37 الصادر سنة 2001 وتم بموجبه إعداد مشروع قانون تنظيم أعمال التنسيق الحضاري.  

وها قد مر على نشأة هذا الجهاز ما يقرب من أربع سنوات ولم يتغير في الواقع أي شيء باستثناء مدينة الأقصر بصعيد مصر. أما القاهرة فعلى العكس تماما ازدادت قبحا وازدحاما وامتدت غابة الإعلانات لتحتل أطرافها النائية (مداخل القاهرة وبخاصة محور 23 يوليو وأول طريق مصر إسكندرية الصحراوي...إلخ) كما احتلت ميادينها من قبل (ميدان التحرير بصفة خاصة).  

وقد أعلن وقتذاك أن الجهاز إنما يهدف إلي إعادة صياغة النسق العمراني بما يعيد له رونقه وبهاءه ويحفظ له أصالته وقيمته الحضارية والتاريخية ويضفي رؤية جمالية عامة علي جميع أجزائه ويعيد توظيفه بالشكل الذي يكفل له استغلال وصيانة جميع المقومات الفريدة المتاحة بما يحقق التنمية ويبقي عليها شامخة للأجيال القادمة!

"سمك، لبن، تمر هندي"، هكذا يقول المصريون عادة حين يسمعون مثل هذا الكلام وهم محقون تماما نظرا لأن الكلام كثير والتنفيذ من الندرة بمكان! فعلى سبيل المثال، أعلنت سوزان مبارك من قبل انتهاءً تاما لمشكلة الأمية في مصر مطلع العام 2007 ولا يزال ما يقرب من نصف السكان لا يعرف القراءة والكتابة حتى الآن! 

بل لم تستطع مصر الاستفادة من التجارب العالمية المماثلة لإحياء تراثها المعماري النادر. فعلى سبيل المثال استطاعت إسبانيا أن تحافظ على أبنيتها التاريخية من خلال الجهد الفائق الذي قامت به وزارة الثقافة الإسبانية وعمدة مدينتي مدريد وبرشلونة على وجه الخصوص حيث قام "معهد الدراسات المتوسطية في برشلونة" بإعداد الدراسات المعمارية لتحويل وسط المدينة القديم إلى منطقة جذب سياحي وعمراني دون الإخلال ببنية المكان التاريخية.

اعتمدت التجربة الإسبانية على تقسيم المباني إلى ثلاث فئات: الأولى تمثلت في المباني الأثرية المملوكة للدولة، الثانية عبارة عن المباني المملوكة للأفراد، الثالثة تلك التي يستأجرها أفراد/سياح دون أن يمتلكونها. وفي كل الأحوال، تعاونت الحكومة الإسبانية مع كلا الفئتين سواء عن طريق تقديم الدعم المادي أو بمنح قروض تسدد على فترات طويلة نسبيا.

وفي كل الأحوال، ليس هناك بلد في العالم أجمع – غنيه وفقيره على حد سواء- يمتلك غابة من التشويهات المعمارية مثل مصر. بل إن أجيالا متتابعة من شباب مصر أصبح لديها ثقافة مختلفة تماما عما تربى عليه المصريون إبان عصر النهضة بسبب غياب مرجعيات الجمال العمراني، ناهيك عن تدهور الشوارع والأرصفة والطرقات ومياه الصرف الصحي التي تنساب في أكثر شوارع المحروسة رقيا! ويبقى على المواطن المصري أن يرى في مدينته ما يراه النظام وأن يشدو مع المطربة شيرين عبد الوهاب "مشربتش من نيلها، جربت تغنيلها؟!"

خواطر بلا شاطئ  

تحتضن القاهرة اليوم آلاف المباني غير المتناسقة حضاريا حيث تفتقر أغلب هذه البنايات إلى أدنى درجة من الذوق المعماري. فأينما مضيت تقفز في وجهك الأبراج الشاهقة ومن فوقها وعلى جانبيها لوحات إعلانية ضخمة تمثل مادة وفيرة للتلوث البصري مما يجعل الحياة فيها لا تطاق وحتى الأماكن الهادئة التي تنشأ على أطراف المدينة سرعان ما تتحول هي الأخرى إلى مسخ حين تحيط بها العشوائيات من كل جانب أو تحاصرها الإعلانات في كل مفترق طرق.  

"لا مكان للفرار!"، هكذا قال لي أحد الأصدقاء فيما نمر أعلى كوبري 6 أكتوبر والذي بات يمثل أحد علامات التلوث والازدحام. 

"لا مجال للتنفس!"، هكذا صرخ أحد راكبي المترو بعد أن ضاع في وسط الزحام وكاد يموت اختناقا.

"لا مكان للنوم!"، هكذا اشتكى أحد أطفال الشوارع وهو يلتحف كوبري الجلاء هربا من برد الشتاء!

"إنها بلا قلب على الدوام!!"، هكذا كانت أول انطباعاتي عن القاهرة حين قدمت إليها من صعيد مصر في أواخر الثمانينات ولا أزال محتفظا بانطباعي القديم هذا حتى الآن. فقد ضاعف من الشعور بهذا الانطباع سوء الأحوال المعيشية يوما بعد يوم.

فهنا يقطن مليون ونصف مليون مصري في مقابر السيدة "عيشة" والإمام الشافعي وترب الغفير، وهنا تموت عجوز مجهولة الهوية بميدان السيدة زينب وتبقى لمدة يومين في الشارع! لرفض الشرطة الموافقة على دفنها بمقابر أحد المواطنين. وعلى بعد مقربة هناك، ثمة عشرات العشوائيات التي يقطنها ملايين الناس فتتهدم من فوقهم البيوت، مثلما حدث في كارثة الدويقة منذ أيام، أو تودي الرياح بحصيلتهم من الصفيح فتتطاير بيوتهم في الهواء!

ويبقى القول، إنه على رغم من تعدد الأصوات المحذرة من قرب وصول معدل سرعة السيارات في شوارع القاهرة نحو 18 كيلومتراً في الساعة مع حلول عام 2020، وذلك في ظل الاختناق المروري والزيادة العشوائية في عدد السيارات التي وصلت إلى نحو مليوني سيارة علماً أن الكفاءة الاستيعابية للطرق لا تتجاوز الـ 450 ألفاً (حسب إحصاءات الإدارة العامة لمرور القاهرة)، إلا أن البعض على ما يبدو تمكن من أن يحول الكابوس اليومي إلى كارنفال خاصة وأن نسبة الرصاص في سماء القاهرة تتجاوز المعدل البيئي المطلوب بنسبة 30% ناهيك عن السحابة السوداء وهكذا باتت القاهرة اليوم مدينة بلا سماء.

محمد حلمي عبد الوهاب
(27 سبتمبر 2008)

Related Posts

الرحلة المكوكية في‮ ‬القاهرة

13/10/2014

بعد رفع دعم الدولة لأسعار المحروقات عرفت أسعار المواصلات ارتفاعا مذهلا و أصبحت السيارة ترفا لا قبل لأغلبية المصريين به. و ظهرت بالقاهرة تطبيقة على الهواتف الذكية اسمها " كار طاق" رأت النور محتشمة في السنة الفارطة وهي الآن بصدد تغيير عادات المصريين الذين يقومون بسفرات مكوكية يوميا...

سوق العطارين..روائح البهجة

23/03/2010

"في البدء كانت البياصة..."، هكذا يروي أحمد الفخراني تاريخ عائلته و حواديتها التي حدثت بالفعل في سوق العطارين بمدينة الإسكندرية. نفس شخصي في الحكي يعيد إلينا ماضي متوسطي ليس ببعيد.

معركة من أجل البقاء

07/11/2014

"باقون هنا...دائمون هنا...خالدون هنا، ولنا هدف واحد.. واحد... واحد.. أن نكون" هكذا يستلهم ماهر فهيم أبيات من نظم محمود درويش ليعبر بها عن النضال الذى أصبح يخوضه اليوم كثيرين من الأقباط كي يتمسكوا بحلم البقاء في الوطن...