مسيحيون ومسلمون، إخوة أمام الله

انطلاقا من تجربة شخصية معاشة يقدم الأب اليسوعي كريستيان فان نسبن وصفا عمليا لا نظريا لإقامة تعايش حقيقي بين مسيحيين ومسلمين بناءً على أهم الأسس المشتركة: الإيمان بالإله الواحد.

في كتابه "مسيحيون ومسلمون أخوة أمام الله" يدعو مؤلفه الأب كريستيان فان نسبن لمشروع بلورة ميثاق عربي إسلامي- مسيحي تنص بنوده الرئيسية على ضرورة إقامة حوار بين الفريقين كتعبير عملي عن قيمهم الدينية المشتركة والتي تبرهن على أن الاختلاف الديني لا يلغي شيئا من واقع الانتماء المشترك والواحد للحضارة العربية الإسلامية، تلك التي أسهم في بنائها مسيحيون ومسلمون جنبا إلى جنب.

ولعل أهم ما يميز الكتاب أنه جاء نتيجةَ تجربةٍ خاصة وفريدة من نوعها عايشها مؤلفه على مدى ما يقرب من نصف قرن تقريبا. فبرغم كونه مسيحيا يسوعيا أُرسل الأب كريستيان إلى مصر عام 1962 ليتخصص في الفلسفة العربية الإسلامية، ومنذ ذلك الحين استقر في مصر والتحق بالعديد من المنظمات والجمعيات الأهلية مثل "جماعة الإخاء الديني" و "اللجنة المصرية للعدالة والسلام" وغيرهما.

يدعو المؤلف في كتابه هذا إلى ضرورة إقامة لقاء وحوار ما بين المسلمين والمسيحين يُتيح لهم تعاونا حقيقيا في شتى المجالات مؤكدا، في الوقت نفسه، ضرورة تجاوز الأحكام المسبقة المتبادلة بين الطرفين والتي تشكل خطرا داهما على البناء والنسيج المشترك للمجتمع المصري، وكل مجتمع آخر. وفي الملحصلة، يؤمن المؤلف بأن الأحكام المغلوطة لدى كل طرف تجاه الطرف الآخر تؤدي دائما إلى تولد مخاوف مغلوطة أيضا فيما تدعم هذه المخاوف إلى النبذ الذي يتحول بدوره، وبسهولة شديدة للأسف الشديد، إلى تكوين حلقة مفرغة من النبذ المتبادل .. وهكذا دواليك!

ينادي الأب كريستيان إذاً بضرورة كسر دائرة الاشتباهات والاتهامات المضادة أولاً، وتأسيس قاعدة من الثقة المتبادلة يتم على ضوئها مناقشة كافة المخاوف بوضوح تام ثانياً،  وصولا إلى تحقيق أسمى وأبهى درجة من التلاقي والتعايش المشترك "تحت نور روح الله" ثالثاً.

 

 

من وحي التجربة الشخصية


على رغم أن الاختلاف أمر بديهي حتى بين أتباع الديانة الواحدة، إلا أن الاختلاف القائم بين الأقباط والمسلمين في مصر قد سُعِّرَ لأبعد مدى ولأسباب متعددة يأتي على رأسها الطموح الزائد والتطلع الشديد لدى النظام السياسي القائم لامتلاك نواصي القوة والسلطة والتحكم بمجريات الأمور كلها.  

أما على المستوى الدولي، فلم يجد القطب الواحد أدنى غضاضة في تأجيج الصراعات وإشعال الاختلافات هنا وهناك حتى تتفتت قوى التصدي لهيمنته بانقسام الأديان إلى طوائف ومذاهب وملل ونحل وفرق وجماعات وبتفتت الأوطان إلى هويات وأعراق وقوميات أغلبيات وأقليات...إلخ.  

وفي كل الأحوال، لم تكن هذه الاختلافات طبيعية بحيث تُفضي في مجملها إلى التنوع والتعدد، وإنما كانت عبارة عن محض كيانات مصطنعة بُنيت على الاستبداد والتعصب، واستنادا لحسابات الربح والخسارة، وبغية احتكار السلطة وتحديد معايير الخطأ والصواب ليس إلا!

ففي مصر بالذات تبدو هذه المشكلة متجلية في أدق تفاصيل الحياة اليومية لكل من طرفي المعادلة: أقباطا ومسلمين. ولأن "أبونا" كريستيان، كما يدعوه أصدقاؤه وتلاميذه المسلمون، عاش في مصر وخبُر هذه المعادلة القاسية بنفسه لما يقرب من خمسة عقود؛ فقد اهتدى إلى حل للمشكلة قوامه أمران:  

أولهما، توحد البشر في الإيمان بالله الواحد. وثانيهما، حثهم على السعي إلى التواصل واللقاء والحوار. وبحسبه، فإن التوحد في الإيمان حلٌ إنسانيٌ بالدرجة الأولى، لأن البشر وحدهم، دون غيرهم من المخلوقات، هم القادرون على تحقيقه بغض النظر عن تعدد معتقداتهم وتنوع مذاهبهم. وهو بهذا الحل الإنساني يتجاوز كافة المشروعات ومختلف البرامج التي سعت أيضا لتحقيق التواصل الإنساني بواسطة الحوار، حضاريا كان أو ثقافيا أو دينيا، والتي تبنتها العديد من المنظمات والمؤسسات الدولية وسرعان ما تحولت، في نهاية المطاف، إلى مجرد كرنفالات واحتفالات رسمية وباءت جميعا بالفشل الذريع رغم ما أُغدق عليها من أموال.

فقد أدرك الأب بطبيعة عمله ودراسته ومعايشته الناس في مصر أنه لا بد من البدء أولا باختبار الآليات المُتبعة في اللقاءات الإنسانية التي يسعى إليها أطرافها بشغف رغبةً في تحقيق التواصل المنشود. وفي الواقع، لا يقدم الأب كريستيان مشروعا كسابقيه بقدر ما يُقدم في النصف الأول من كتابه على وجه الخصوص مسار تجربةٍ حية ومعاشة لتصبح نموذجا أو مثالا.  

أي أنه قلب القضية رأسا على عقب كما يقال وبدلا من أن يبدأ، كما هو معتاد، من شرح وتحليل مجموعة من الأطر والمفاهيم والمبادئ النظرية البحتة، أو من خلال استعراض آليات مُفترضة الفاعلية، راح على العكس من ذلك تماما يبدأ من دروس المعايشة ومن خوض غمار التجربة منحياً جانبا كافة الجوانب والأحكام والنظريات والصيغ الجاهزة الأخرى لينتهي إلى استخلاص المفاهيم والقناعات والآليات التي أسفرت عنها تجربته الذاتية.

ينطلق المؤلف إذاً من مفاهيم إنسانية عامة يمكن أن يأخذ بها أي إنسان مؤمن بالله من قبيل: التحديات والرجاء، الأخوة والمغايرة، الاحترام والتواصل...إلخ. أما فيما يتعلق بالآليات التي عول عليها، فقد اكتفي باثنتين فقط هما: اللقاء والحوار ومن خلاهما نجح الأب كريستيان في أن يتجاوز إيمانه الخاص بالمسيحية إلى الإيمان بالله الواحد وقد تطلب ذلك منه معرفة دقيقة وانفتاحا مثريا وتنمية دائمة للقدرة على التواصل مع من أسماهم "الأغيار" جعله يتخلص من كل حساسية موجودة أو مفترضة بفضل الأحكام المسبقة تجاه الإسلام.

 

 

 

 

العيش المشترك والرجاء في الله


في سرده لتجربته الشخصية أكد المؤلف على أن الإنسان لا يكون إنسانا من دون الآخرين وأن البشرية لم تخلُ يوما ممن يتطلعون بمزيد من التفاني والإخلاص للتواصل الإنساني الحميم؛ بغض النظر عن اعتبارات اللون والعرق والجنس والدين. وفي النصف الأول من الكتاب، يسترجع الأب كريستيان بداية اهتمامه بالتواصل الإنساني فيذكر أنها كانت في ربيع عام 1957 حين استمع لمحاضرة ألقاها أستاذ مسيحي متخصص في الإسلاميات بهدف شحذ حماس دارسي اللاهوت المسيحي من الشباب للعمل في البيئات الإسلامية سعيا لتحقيق التواصل المفقود مع المسلمين.

وسرعان ما كانت لبنان أول محطة في رحلته للعالم الإسلامي "المغاير". وفيها تعلم اللغة العربية على يدي الأب أندريه دالفرني، والذي كان يؤمن بأن اللغة، نظرا لكونها أداة التواصل الإنساني الأولى، تُعد ضمانةً أساسية لتحقيق التعايش المشترك وإرساء قيم المحبة والتسامح والسلام، كما كان يؤكد أهميتها أيضا لتحقيق ما أسماه "عدالة الفرص" بمعنى أنه لا يصح للطرف الأقوى استغلالها لصالحه بجعلها ناقلة لأفكاره وقناعاته فقط حاجبة لأفكار الأطراف الأخرى. وبهذا المعنى يعد الأب دالفرني أحد الجنود المجهولين الذين بذلوا جهودا مضنية لتحقيق التقارب والتفاهم الإنسانيين والتي أسفرت عن إصدار وثيقة مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965).

وفي الواقع، هناك سلسلة طويلة متصلة الحلقات ممن تفانوا في بناء الجسور بين "قبائل البشرية" معولين في ذلك على الإيمان بالله، وعلى "العشم" في البشر، وعلى الأمل في تحقيق التواصل الإنساني الدائم، ممن جعلوا هذا الهدف بمثابة رسالتهم في الحياة بدون تكليفات رسمية، ومن دون دعم مادي يذكر. ومن بين هؤلاء:  

لويس ماسينيون، المستشرق الفرنسي الشهير، ومارتن بوبر، اليهودي النمساوي الأصل الإسرائيلي الوفاة صاحب كتاب "الأنا والأنت"، الأب جورج شحاته قنواتي، مؤسس معهد ومكتبة الآباء الدومنيكان بالقاهرة، والشيخ مصطفى عبد الرازق، شيخ الأزهر الأسبق وصاحب كتاب "تمهيد لتأريخ الفلسفة الإسلامية"، وغيرهم الكثير.

في مصر، المحطة الثانية في رحلة الأب كريستيان، التحق قدسه بقسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة عين شمس وتتلمذ على يد مؤسس القسم الفيلسوف المصري عبد الرحمن بدوي وحقق الأخوة الإنسانية الكاملة مع رفيق رحلته العلمية الدكتور محمود رجب والذي كان معيدا بالقسم آنذاك. لذا يفرد المؤلف صفحات طوال يتحدث فيها عن شخصية الدكتور محمود رجب المنفتحة بحكم طبيعتها والمقبلة على المغاير بحكم تكوينها الفلسفي وبحكم نشأتها الدينية الرصينة.

فقد احتضن الدكتور محمود رجب الراهبَ الشاب الدارس للفلسفة، وجعل منه أخا لابنه الوحيد ضاربا له مثلا عمليا قاطعا على الإمكانية التي يتيحها الإسلام للمؤمنين به للقاء المغاير عقائديا، مما ساهم في صياغة مفاهيم صاحب هذا الكتاب وقناعاته الفكرية. والنتيجة التي يخرج بها الأب كريستيان من هذه التجربة الفريدة تتمثل في الوصول إلى قناعة تامة بأن الحوار لا يمثل نقطة البداية وإنما هو الخطوة التالية على اللقاء الإنساني العفوي غير المشروط وغير المخطط له، فمن شأن ذلك إزالة العقبات والحواجز بين البشر وإقامة ألفة أولية بينهم.

 

 

 

 

اللقاء كرسالة وليس مهمة


واللقاء بالنسبة للأب كريستيان ينبغي السعي له من حيث هو رسالة إنسانية نبيلة، وليس باعتباره مهمة يتقاضى عنها من يقوم بها أجرا. وتبعا لذلك، فالأخوة التي ينتهي إليها اللقاء الناجح هي البوابة الواسعة لاكتشاف دين آخر وفهمه واحترامه دون الإيمان به، فبدونها تظل المعرفة النظرية بهذا الدين معظلة لا جدوى منها. ولأن صاحب الرسالة لا ينام، فيما يقال، لم يُضِعْ الأب كريستيان الوقت في مصر وإنما سعى للتعرف على كافة التيارات فاتصل أولا بجمعية الإخاء الديني التي تأسست سنة 1941 تحت مسمى "جمعية إخوان الصفا" بهدف تفعيل الحوار الديني على يدي مسلمين ومسيحيين مؤمنين بضرورة التحاور والتواصل.  

الملفت للنظر بالنسبة لهذه الجمعية أن اللائحة الداخلية لها كانت قد طُبعت في مطابع الإخوان المسلمين وبموافقة خطية صريحة من مؤسس الجماعة والمرشد العام لها الشيخ حسن البنا. بل إن الأعجب من ذلك، هو أن الجمعية قد حُلت في عام 1953 لدواع أمنية وبأوامر مباشرة من وزير الداخلية لتعود إلى مزاولة نشاطها مرة أخرى عام 1978 تحت اسمها الجديد بفضل جهود جماعة من المخلصين على رأسهم الآنسة ماري كحيل.

كان هدف الجمعية الأساسي تنمية روح المشاركة والأخوة بواسطة الدين والعلم والفلسفة والتصدي لحل المشكلات الاجتماعية المتفاقمة. وكان من بين أعضائها الشيخ الباقوري ووزير الصحة الأسبق د. عبده سلام. أيضا شارك الأب كريستيان، ولا يزال، في "اللجنة المصرية للعدالة والسلام" وفي "الفريق العربي للحوار الإسلامي-المسيحي" والذي يضم مجموعة من المثقفين العرب المسلمين والمسيحيين من مصر ولبنان والإمارات والأردن وفلسطين وسوريا والسودان، مما يعني أن الأب كريستيان هو العضو الوحيد غير العربي في هذا الفريق المستقل.

وقد صاغ هذا الفريق ميثاقا عربيا إسلاميا مسيحيا وأعلنه في 19 ديسمبر 2001 بعنوان "الحوار والحياة المشتركة، الميثاق العربي الإسلامي-المسيحي" مبرزا أن الحوار المقصود هو الحوار بين مؤمنين مختلفي العقيدة يرغبون في "تحقيق التعارف المتبادل والقيمة المطلقة للإنسان... وإعمار الأرض" (المادة 2). فضلا عن تأكيد "الانتماء المشترك والوحيد للحضارة الإسلامية التي عمل على بنائها معا وجنبا إلى جنب المسيحيون والمسلمون" (المادة 5).  

وختاما، لا يقتصر دور الأب كريستيان على هذا الجانب وإنما يتعداه للعب دور بارز في المجال والعمل الثقافي فهو عضو في لجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة، وعضو أيضا في لجنة الفلسفة والديانات بمكتبة الإسكندرية فضلا عن أنه يقوم بالتدريس في كلية اللاهوت والعلوم الدينية بالقاهرة (فرعي السكاكيني والمعادي). ولا تزال هذه التجربة الممتدة لأكثر من أربعة عقود على التوالي تثير فينا الدهشة كما لا يزال الأب كريستيان في انتظار الحصول على الجنسية المصرية التي تقدم بطلب للحصول عليها منذ أكثر من عشرين عاما!

 

 

 

 

محمد حلمي عبد الوهاب
(24 سبتمبر 2008)

 

 

Related Posts

لماذا يصفق المصريون؟

15/07/2010

يسعى هذا الكتاب إلى تعميق وعينا بظاهرة التصفيق في التواصل الجماهيري في المجتمع المصري المعاصر. فنحن غالبا ما نمارس التصفيق دون وعي مسبق، ودون أن تكون لدينا معرفة فاحصة ودقيقة بوظائفه وأنواعه والآثار التي يمكن أن تترتب عليه. ولا يتحقق هذا الوعي إلا بفهم أبعاد التصفيق البلاغية والنفسية والاجتماعية والسياسية المختلفة. ومن هنا جاءت فكرة هذا الكتاب الذي يحاول الكشف عن الأساليب والفخاخ التي يستخدمها رجال السياسة والفن للاستحواذ على تصفيق المصريين، من خلال تحليل عشرات الأمثلة من تصفيق المصريين أثناء استماعهم لخطب محمد نجيب وجمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك أو إنصاتهم لأم كلثوم أو رقصهم مع عمرو دياب، إذ يستكشف الكتاب كيف يكون التصفيق أداة للتلاعب بالجماهير وكيف يمكن أن يكون أداة لمقاومة من يُتلاعب بهم.

----------------------------------------------

عماد عبد اللطيف باحث أكاديمي، درس بجامعتي القاهرة ولانكستر الإنجليزية، وحصل على درجة الدكتوراه في تحليل الخطاب السياسي المصري المعاصر. حاضر في جامعات مصرية وبريطانية ونرويجية، ونشر عددًا من الدراسات بالعربية والإنجليزية حول العلاقة بين البلاغة والسلطة، ونقد الخطابين -السياسي والديني- واستجابة الجماهير.

------------------------------------------------

" لماذا يصفق المصريون ؟" للباحث عماد عبد اللطيف ( عن دار العين للنشر،2010 )