فيلم "حسن ومرقص" صك براءة للأمن من الفتنة في مصر

 

لا ينكر أحد أن "حسن ومرقص" فيلم قد اقترب من منطقة محظّر الكلام عنها في مصرنا المحروسة، فالكلام عن العلاقة بين المسلمين والمسحيين في مصر قد اتخذ كليشيهات محددة لا يمكن الخروج عنها. يجب أن يظهر دائماً الأقباط من رجال الدين وهم يقبلون بعضهم بعضاً في أشد المواقف احتقاناً، يحيا الهلال مع الصليب، عنصري الأمة، النسيج الواحد، الوحدة الوطنية... إلخ.

جاء "حسن ومرقص" ليتكلم عن العلاقة المشتعلة بين المسلمين والمسيحين والتي تصل إلى حد الاحتراق والتي تنتظر شرارة صغيرة لينطلق اللهب ليأكل كل الأشياء. نستطيع أن نقول إن الفيلم جاء ليرصد الواقع الأليم ولكنه أخفق في توضيح الأسباب الحقيقية وراء هذا الواقع. جاء الفيلم ليصور المرض ولم يستطع أن يحدد أسبابه، و الأهم أن صناع الفيلم لم يريدوا أن يعلنوا لنا طرق العلاج. و أنا لا أعلم هل صناع الفيلم لم يريدوا أم لم يستطيعوا.

"حسن ومرقص" أعلن صراحة أن أسباب الفتنة الوحيدة هم رجال الدين المتشددين من المسلمين والمسيحي.؛ فرجل الدين المسلم يعلن أن طعام النصارى حرام واللعب مع أولاد النصارى حرام والعمل عند أصحاب الأعمال النصارى حرام، ورجل الدين المسيحي يفسر كلمات السيد المسيح " من لطمك على خدك الأيمن حوّل له الآخر أيضاً" بقوله : يجب أن نبين أولاً اننا لسنا بالضعفاء فيجب أن نكسر يد من لطمنا أولاً ثم ندير له الخد الأخر. وهنا قامت الفتنة التي ينتهي بها الفيلم وهي باقية.

لا يستطيع أحد إنكار الدور المؤثر لرجال الدين المتشددين ولكن هناك أدوارًا أكثر اهمية من دورهم. فهناك الأمن الذي تسبب أساساً في كثير من المشكلات سواء في الفيلم أو في واقعنا المصري المعاش. وهناك دور مؤسسات الدولة التي يتوجب عليها أن تبني في مؤسساتها التعليمية والثقافية ثقافة الحوار والاختلاف وقبول الأخر، وأن تمنع في أجهزتها الحكومية مظاهر التمييز الشكلي والموضوعي المبني علي أساس الدين.

من الذي منح رجال الدين كل هذه السطوة علي المجتمع حتي أنهم يستطيعوا أن يشعلوه بكلمة؟ أليس هو ارتكان الدولة بكل ما فيها إلى تفصيل الدين بحسب اهدافها فتكون المشاركة في الانتخابات وحق التصويت يحتاج إلي رأي الدين، والعمل الخيري أو الأجتماعي يحتاج لرجل دين ليعلن أن هذا عمل خير وحلال، والتعليم يحتاج لرجال الدين لتقيمه هل يتوافق مع الدين ومع مفاهيمنا التي يحددها أحد رجاله أيضا والتشريعات تحتاج إليهم ليعلنوا أنها متوافقة وأفكارهم الدينية؟

إذا كان الفيلم وصناعه حاولوا أن يجاملوا الأمن ويريحوا أنفسهم من كلام العلمانيين فإنهم سعوا لاجئين إلى تحميل الفكر الديني المتشدد ورجاله أسباب انهيار الوطن.

الفيلم رسالته في نهاية المطاف هي أن الوطن ينهار في ساحة تقبيل اللحى ولكنه لم يبين لنا من الذي منح أصحاب اللحى هذه الجراءة علي انتهاك حرمة الوطن وكيف لم يسعَ الوطن لحماية نفسه بسدود الفكر المستنير قبل أن يأتي طوفان التشدد.
 

رأفت موسى ذكري
(6 أكتوبر 2008)

Related Posts

مع الثلاثي جبران يصبح العود رحالا مسافرا

30/03/2008

سمير، وسام وعدنان ثلاثة إخوة كوّنوا "الثلاثي جبران"، أول فرقه ثلاثية تعزف على العود.

تجربة سويسرية ترصد ملامح محلات القاهرة العين الغريبة

16/04/2012

تجربة سويسرية ترصد ملامح محلات القاهرة  العين الغريبةعندما تعتاد العين على الأشياء تفقد الأشياء بريقها، أو ربما تفقد العين نشاطها، ولكن في الحالتين تفقد الأشياء تفاصيلها، لذا تستطيع العين الغريبة أن تشعر بالدهشة...

 

الرقص الشرقي جسر تواصل بين الشرق والغرب

27/05/2008

فيلم "كل ما تريده لولا" للمخرج المغربي نبيل عيوش يحكي قصة شابة أمريكية تشعر بميل جارف نحو الرقص الشرقي، فتقوم برحلة بحث عن تحقيق الذات من نيويورك إلى القاهرة.