الفن التشكيلي أداة للتبادل الثقافي بين دول المتوسط

 

الفن التشكيلي أداة للتبادل الثقافي بين دول المتوسطاصطدمت روما بقرطاج منذ قدم الزمان على مساحة شاسعة من حوض البحر الأبيض المتوسط، ودار صراع بينهما نتجت عنه مخلفات اقتصادية واجتماعية وتلاقح ثقافي شمل فنونا عديدة كالأدب والشعر والرسم.

ولإزالة الغبار عن هذا المخزون الحضاري الذي جمع سكان المنطقتين، قام باحثون خلال القرون الماضية بعمليات تنقيب وترميم لإبراز قيمة الآثار المكتشفة كالرسوم والفسيفساء الجميلة التي عثر عليها في أكثر من مكان، لتشهد على تراث فني مشترك.

آخر هذه الإثباتات، معرض الفن التشكيلي "رسامون إيطاليون من تونس''.

أكبر تظاهرة يقيمها المركز الثقافي الإيطالي بتونس (20 سبتمبر- 15 أكتوبر 2008)، جاء ليقيم الدليل مجددا على أن قرطاج هي فعلا وريثة روما.

متحف خير الدين باشا ودار باش حامبه الواقعيين بمدينة تونس العتيقة، هما من يحتضنان هذا الملتقى الفني، فهذه الفضاءات التي كانت بالامس قصورا للباي في عهد الحماية الفرنسية، زينت جدرانها في الغالب أعمال اشهر الرسامين الإيطاليين على غرار لويجي كاليغاري (1894-1937).

أعمال تشكيلية منتقاة لخمسة وأربعين رساما إيطاليا ولدوا أو عاشوا بتونس (القرن 20) تصور الخصائص المعمارية والمعالم التاريخية وعادات وتقاليد المجتمع التونسي التي تمارس إلى يومنا هذا.

كسارولو توركو الذي ولد سنة 1944 بايطاليا واختار الاستقرار بتونس في عام 1991 وظف ريشته لتشخيص نماذج من الحياة اليومية في تونس كخروج المرأة إلى الشارع للتسوق مرتدية زيها التقليدي المميز وامتطاء الرجال للقطار القديم (الترام) للتنقل بين مختلف ضواحي المدن الكبرى، فيما تناول فنانون آخرون كانطونيو كوبارا وموري ليفي مواضيع استهوتهم ابتدءا من خصائص التصاميم الهندسية المميزة لمنازل وبيوت سيدي بوسعيد الواقعة بضاحية قرطاج مرورا بجمال المناطق السياحية وصولا إلى بساطة الريف التونسي.

رؤى فنية تميزت بالصفة التقريرية نقلت جوانب من الحياة في شكل رسوم اتخذت ألوانا وأشكالا وتعابير متنوعة جسدتها تقنيات وأدوات وتيارات تشكيلية تبناها الرسامون منها الواقعية والسريالية والتجريدية والتشخيصية.

وفي تصريح لموقع باب المتوسط، كشف الرسام التونسي الكبير الهادي التركي الملقب باب الرسم التونسي تقاسم المدرسة التشكيلية في تونس وايطاليا تقريبا لنفس المفاهيم والتقنيات، مضيفا في ذات السياق أن ''هذه الرسوم المعروضة من الرسم الزيتي إلى الرسم المائي تشترك في التقنيات والمواضيع التي يتناولها الفنان التشكيلي التونسي في أعماله''.

وما يحسب لهؤلاء الرسامين هو تقديمهم لدلالات فنية واضحة كالألوان والأشكال البسيطة مكنت المتلقي من التفاعل معها.

وفي سؤال لمجموعة من الحضور حول قيمة ما احتواه المعرض، أبرز المستوجبون انه مقنع من وجهة النظر الثقافية والترفيهية فهو يشد كل زائر حتى الذي لا يمتلك مستلزمات استيعاب مضامين الإبداعات التشكيلية.

وساهمت أسماء ايطالية معروفة مثل موزاس ليفي (1885- 1968) وانطونيو كوربورا (1909- 2004) وانزو بيتسيتالو وكارلا كاراكسي في نحت أساسيات الفن التشكيلي التونسي من خلال مساهمتهم في تأسيس مدرسة تونس للفنون الجميلة (1923) بمعية رسامين تونسيين لامعين، مما ساعد على ازدهار الحركة التشكيلية وإقامة المعارض وتكوين أجيال متمكنة من هذا الفن.

 

ياسين حسن
(7 أكتوبر 2008)

Related Posts

إحياء الثقافة الزنجية في تونس

24/04/2012

إحياء الثقافة الزنجية في تونس: احتفلت في بداية هذه السنة زاوية سيدي علي لسمر بباب الجديد بالعاصمة التونسية...

 

فيلم "الحادثة" وانتكاسة السينما التونسية

24/06/2008

هل الفيلم الجديد "الحادثة" مجرد حادثة في السينما التونسية؟

حول المشهد الإذاعي التونسي

26/08/2014

في إطار الجو المتأزم الذي تلا الثورة كان للإذاعات دور بارز في تخفيف الضغط وذلك بفضل خفة الروح و الدعابة اللطيفة و النقد اللاذع مما يطلق عليه اسم ًالتنبيرً  و هو التقريع و التجريح