التحرك بحرية وراء الزجاج (المصفح) للقنصلية

في قاعة كبيرة مليئة باللون الرمادي ، توجد بضعة عشرات من الكراسي المصطفة في مواجهة الحائط . نحن هنا ، أكثر صمتا بقدر الإمكان ، ونمسك بشدة بتذكرة بها رقم دورنا. الحائط الذي أمامنا مزين بالعديد من النوافذ والستائر المتدلية  ، والتي تبدو أنها تتجاهل تماما وجودنا ، وصبرنا.
معظم سفارات دول الاتحاد الأوروبي توجد في مواقع جميلة وذات مظهر مضياف ، ومليئة بمعلومات يسهل الاطلاع عليها. ولكن إذا كنتم مواطنين من الضفة الجنوبية للبحر المتوسط ، الضيافة لهذه السفارات والمكاتب القنصلية لن تتجاوز أبدا النطاق الافتراضي .
خلفنا ينصبون بالفعل السيرك وصخب المتأخرين.
نحن ، جالسين أمام الحائط والنوافذ مغلقة ، كأننا تلاميذ شطّار .  نحن من المبكرين  ، وصلنا عند الفجر إلى باب القنصلية وأعيننا لا تزال منتفخة  من النعاس ، وقلوبنا في حلقنا خوفا من نسيان ، مع اضطراب الصباح ، أحد الوثائق الكثيرة المطلوبة لإصدار تأشيرة شنجن.

كلنا ، مبكرين ومتأخرين ، حصلنا على موعد محدد في ساعة محددة . لقد مُنحنا إياه بكرم ،  بعد محنة الاتصال الهاتفي من صوت مجهول يجيب بطريقة آلية لرقم السنترال الذي ينسق كل قنصليات دول الاتحاد الأوروبي.
ولكن الجميع يعرفون أن الشيء الوحيد الذي يهم ، بعد تخطي هذه البوابة المصنوعة من الصلب المصفح لهذه القاعة ، هو رقم التذكرة : لذلك من المهم الوصول في وقت مبكر جدا حتى نكون بين الأوائل مع أمل الانتهاء في أسرع وقت ممكن.
يبدأ اليوم في الساعة السابعة والنصف صباحا أمام الباب المصفح ، حيث نجد  شخصين أو ثلاثة ، وبحكمة ، ينتظرون بالفعل في طابور واحد . في النهاية ، حوالي الساعة التاسعة يُفتح الباب ، ونمر من ممر الأمن ، ويعطونا تذكرة ،  وعلى الفور نجد أنفسنا أمام الخزينة :   يُدفع مبلغ 60 يورو ، ولا يُعرف ما إذا كانت ستُمنح التأشيرة أم لا .
بعد دفع الرسوم  ، نسمعهم يطلبون منا الوقوف أمام  الكاميرا التي يتعين علينا أن ننظر إليها مباشرة بينما ضوء مصباح قوي موجه إلى أعيينا يوشك على جعلنا عميان ، تماما كما في أقسام الشرطة في الأفلام الفرنسية القديمة . بعد الصورة ، نحصل على قطعة قماش من خلال الفتحة المعدنية الصغيرة التي تشكل نقطة العبور الوحيدة بيننا وبين الموظف المسئول وراء الزجاج المصفح . نمرر القماش على الأصابع العشرة ونتبع التعليمات ، ونضعها فوق  شاشة صغيرة مربعة . حتى الأطفال ، بما في ذلك الأطفال الذين تقل أعمارهم عن عشر سنوات ،  ُتؤخذ بصماتهم بينما يحملهم والديهم حتى يصلوا إلى الشباك المزود بالزجاج المصفح .
بعد انتهاء عملية أخذ البصمات ، نستطيع الذهاب للجلوس أمام الحائط  ذات النوافذ المغلقة. عادة تُرفع ستائر نافذتين أو ثلاث على الأكثر.
خلف الزجاج المصفح ، يقوم المسئول بتصفح طويل لأوراق الملف الذي يُقدم إليه  من أسفل الفتحة ، ثم يتنهد ، ويتوقف بُرهة ، ويسأل : "ماذا يجب أن تفعل في أوروبا؟". ولكن لماذا يطرحون دائما هذا السؤال بينما لديهم الرد واضح  بكثير من الأدلة والوثائق من شتى الأنواع  تحت أيديهم؟ هل لجعل هذه المقابلة أكثر مصداقية ؟ نعم لأن في مواقع السفارات الأوروبية ، يصفون مجازا محنة  مرور القنصلية / مركز الشرطة بأنها "موعد للمقابلة".
بجواري المقابلة كانت أكثر فظاظة : المسئول الذي لا يبدو مقتنعا من الردود غير المؤكدة ، والخائفة من رجل عصبي ، يهتز أكثر فأكثر على كرسيه ويواصل التمعن فيه بشكل قاسي ، ويسأله : "كيف يمكنني التأكد من أنك ستعود إلى بلدك؟ ". وهذا هو مغزى  السؤال ، وهدف كل هذه العملية برمتها وكل الإذلال الذي نتعرض له.
كمواطنين من دول جنوب المتوسط  ونرغب في السفر ، نحن من المشتبه فيهم ونُعامل بهذه الصفة . إذا كنا نريد الحصول على هذه التأشيرة اللعينة  يجب أن نُظهر أن أيادينا نظيفة . المسئول يريد أن يتأكد من هويتنا ، ومن حقيقة مهنتنا من خلال المستندات ، ورسالة خطية من رب العمل والكثير من قسائم  دفع الرواتب. وبعد ذلك يريد التفتيش في حسابنا المصرفي ، وحتى عندما نطلب تأشيرة لأسباب مهنية ويقدم رب العمل أدلة على مهمتنا الكاملة  في منطقة شنجن. فهو يطلب إبرام بوليصة تأمين خاصة بالرحلة . إنه يريد أيضا أن نقدم له بطاقتنا الائتمانية لإثبات أننا جزء من الشعب الخيّر ومن الذين ، في هذا الكوكب تحت المراقبة ، لهم الحق في السفر.

منذ وقت طويل ، لا تعني حرية التنقل إلا شيئا واحدا بالنسبة لأولئك الذين هم أكثر فقرا وغير متعلمين بما فيه الكفاية ، وليسوا مميزين بما يكفي لكي يأملوا في  تخطي استجواب القنصلية : حرية اتخاذ طريق البحر .
وحتى هذه الحرية ، التي أسست تاريخ البشرية ، في طريقها إلى الزوال ، لأن الهجرة غير الشرعية أصبحت جريمة تقمعها بلادنا التي تتعرض لضغوط من الدول الأوروبية . أما بالنسبة لحرية الحركة للمتميزين بالشاطئ الجنوبي للبحر المتوسط ، الذين لا يزال بإمكانهم طرق أبواب القنصليات الأوروبية ، يُدفع ثمنها بذُل آخذ في التزايد بشكل لا يطاق . إن انطواء الهوية في أوروبا ، التي بدأت في السبعينيات ، أي قبل ما يسمى بـ "صراع الحضارات"  في عام 2000  وقبل ذلك بكثير لانطواء هوية الجاليات المهاجرة في أوروبا ، نادرا ما تكون موضع شك من الضفة الشمالية للبحر المتوسط . لهذا السبب الكراهية الحكومية للأجانب ، والتي طبقا لها تعامل القنصلية الأجانب كمجرمين مشتبه فيهم ، ليست سوى جزء مسئول إلى حد كبير في نمو الحركات السياسية المتطرفة في أوروبا.

* هذا المقال جزء من سلسلة تحقيقات صحفية عن ظواهر التطرف في أوروبا والبحر الأبيض المتوسط. وتم صياغته ضمن إطار المشروع DARMED ،  وأنتجته مؤسسة Cospe بدعم من الاتحاد الأوربي .

 

 

دايخه دريدي

 

 

 الترجمة العربية : حسن فايق
 
* هذا المقال جزء من سلسلة من التحقيقات الصحفية عن ظواهر التطرف في أوروبا والبحر الأبيض المتوسط. وتم صياغته ضمن إطار المشروع DARMED ،  وأنتجته مؤسسة Cospe بدعم من الاتحاد
الأوربي .
 
 
"Preventing Violent Radicalisation 2007" 

Related Posts

الممثل والمخرج السينمائي الفاضل الجزيري

05/07/2012

السلفيون خطر على الإبداع... لا أرغب أن أكون وزيرا... والترجي فريقي المفضل...

 

إعادة إحياء التراث الثقافي بعد النزاعات المسلحة

31/07/2016

إعادة إحياء التراث الثقافي بعد النزاعات المسلحةتقدم الباحثة عرضاً لأهمية العمل على استعادة التراث الثقافي بعد الحروب، ومكان هذا العمل ضمن الترميم العام للبنيان الاجتماعي.

(الجمهورية)

شبح العودة إلى الحزب الواحد

02/07/2012

لا يعدو مأزق الانتخابات المصرية، وانحصار اختيار الناخب المصري بين "الفريق" (أحمد شفيق) و"الجماعة" (محمد مرسي)...