الشباب الإيطالي: أي مستقبل؟

"بيمبوسيوني"(تعني حرفيا،"طفل ضخم". وترجع الكلمة إلى الحديث المستفز الذي أدلى به وزير الاقتصاد في حكومة برودي، توماسو بادوا ـ شيوبا Tommaso Padoa-Schioppa ، عام 2007. لقد أعلن أنه يريد "إخراج الأطفال الإيطاليين الكبار من منازل أهلهم"، وذلك بوضع تخفيضات ضريبية على الإيجار، لأن الإيطاليين لا يزالون يعيشون عند أهلهم حتى سن الثلاثين.)،هل هم أطفال كبار يمسكون دائما بثياب أمهاتهم، وغير ناضجين، أم ضحايا للأزمة و تقلب المستقبل يصيبهم بالشلل؟ لقد استخدمت وسائل الإعلام والطبقة السياسية الشباب أداة  للتبرير  النظري، ومن ثم فإن الشباب يعاني لكي يجعل الآخرين يستمعون له، عندما يحاول التحرر من الصور المشوهة والمقولبة التي غلبا ما تكون لديهم عنه.
لكن، متجاوزين الأكليشيهات المعتادة، ما الذي يعنيه بالضبط أن يكون المرء شابا في إيطاليا؟

بالنسبة لماركو، وهو في الثلاثين من عمره من مقاطعة Lecce ،يعني ذلك أن "تصارع أكثر قليلا كل يوم ، من أجل أن تسترد حقك في تقرير مستقبلك، ضد الذين، بلغوا  حد الشيخوخة، ويصرون على القيام بذلك بدلا منك". أما جيانفرنشيسكو، الذي يبلغ 29 عاما، وهو مدرس مؤقت من روما، فمعنى ذلك بالنسبة له أن "تكد، وترضى، وتعيد اكتشاف نفسك، وتفقد أوهامك". إمانويل، 28 عاما، عامل بناء في مدينة لوكس. متزوج ولديه ابنة. بالنسبة له، أن يكون المرء شابا يعني "أن يكون ناضجا، يتحمل مسئولياته ويعمل من أجل أن ينهض بأعباء أسرته، متمنيا أن تكون هناك أيام أفضل".

مع متوسط نمو سنوي يقدر بـ0.17٪ للسنوات الخمس القادمة ومعدل مواليد يقترب من الصفر، فإن سكان إيطاليا من أكثر السكان شيخوخة في العالم. في هذا البلد، حيث متوسط السن أعلى من أربعين عاما، يعتبر المرء "شابا" حتى 35 عاما. يقول البرتو، 30 عاما، محامي من مقاطعة بيسكارا : "أنهم يفعلون ذلك لكي لا يعترفوا بحقوقنا وبكرامتنا. غالبا ما تكون كلمة شاب مرادفا لما هو عابر وهش". ويضيف: "أنا أكرس وقتي لحق العمل، ويمكنني القول أن في هذا البلد، لا يحترمون كرامة العمل التي تعني في الواقع ببساطة تامة "أنا أقوم بنشاط ما، يجب إذن أن يدفع لي أجر". إن هذه المعادلة البسيطة جدا قد انقرضت في أغالب الأحيان". وتؤكد ذلك تجربة لورا، وهي شابة من صقلية في الثامنة والعشرين من عمرها: "لقد تعاونت لبضعة شهور مع دار نشر صغيرة في ميلانو كمترجمة حرة.كنت أعمل من بيتي، في ترجمة كتاب. ولا توجد أية ضمانة، وبالطبع، يظل أنه يتعين عليهم أن يدفعوا لي".

إن الأجيال الشابة هي أولى ضحايا الركود الاقتصادي الذي ضرب إيطاليا خلال السنوات العشر الأخيرة. إن التدابير التي اتخذتها الحكومة لزيادة مرونة السوق قد أسهمت بالطبع في خلق مليوني فرصة عمل جديدة (مؤقتة)، لكنها أيضا جعلت من المتعذر بلوغ عالم العمل و جعلته محبطا بدرجة أكبر، خاصة بالنسبة للعاملين الجدد.
حاليا، يوجد في إيطاليا أكثر من أربعين نوعا من العقود. تقضي كلها تقريبا بحصص اجتماعية هزيلة، بل وغير موجودة، بالنسبة للعاملين "اللاقياسيين" كما يطلق عليهم، الذين يقدر عددهم بأكثر من 200 ألف في عام 2009. رغم مستوى تعليمهم المرتفع، نادرا ما يتغلبون على غموض العقد محدد المدة، وفي أغلب الأحيان، يجدون أنفسهم مجبرين على قبول وظائف ذات أجر منخفض ومجردة من الضمانات.
ماركو، باحث في الموسيقى، يعمل منذ بضعة شهور لنصف الوقت لصالح وكيل مبيعات في Lecce . "من الواضح، إنها خطوة مهمة للخروج من البطالة الكاملة، لكنني لست راضيا إطلاقا عن هذا العمل: فهو لا يحقق لي إشباعا". ثم يضيف: "إن صفة مؤقت تشير من الآن فصاعدا إلى الشخص كلية، وليس فقط إلى النشاط المهني. في العقود السابقة، كانت القاعدة التي تقول: "كلما تقوم بدراسات أكثر، تتاح لك إمكانيات أن تباشر مهنة مرضية" لا تزال صحيحة. الآن، لم تعد صحيحة. والدليل على ذلك عدم الكفاءة التي تسود في الأوساط السياسية والإدارية".




لقد كشفت البيانات التي نشرها معهد الإحصاء الوطني الإيطالي في أكتوبر 2009 أن 26.9٪ ممن لديهم أقل من 25 عاما كانوا بلا عمل منذ ثلاثة شهور على الأقل، وبذلك تنضم إيطاليا إلى البلدان التي لديها أعلى نسبة بطالة بين الشباب في أوروبا. إلا أن، مشكلة البطالة تخص بشكل خاص المناطق الجنوبية. تحكي جيادا، 30 عاما، محاسبة في أحد المكاتب قائلة: "بعد المدرسة، لم أجد صعوبات لكي أعمل. في بولزانو، لا توجد بطالة، إذا كنت راغبا في العمل". وتضيف "أنا راضية عن موقعي. هنا، في الشمال، العلاقة بين التعليم والمهنة لا تزال حقيقية، خاصة إذا كنت تجيد اللغة الألمانية".
إن عدد الطلبة، والخرجين أو الباحثين الجامعيين الذين يرحلون إلى الخارج في تزايد مستمر، و50٪ منهم ليست لديهم النية للعودة . ومن اختاروا البقاء غالبا ما تبتلعهم دوامة "التدريب المستمر"، ويعلقون على درجات الماجستير ودروس تحسين ما بعد التخرج المكلفة الأمل الزهيد في العثور على فرصة عمل لائقة.

اليزابيث، 26 عاما، من منطقة ابروز، استقرت في مدريد بعد التخرج. وهي تعمل هناك منذ 2007، كرئيسة مشروع، بعقد غير محدد المدة. تروي قائلة: "قررت مغادرة إيطاليا بعد الجامعة لأنني أعتقد أنه لا يوجد مستقبل لنا، نحن الشباب، في هذا البلد".
وتضيف: "أعتقد أن جيلي عاجز عن القيام بمشروعات طويلة المدى، نظرا لعم ثبات الحياة التي اعتدنا عليها. في سوق العمل الحالية، الشباب هم الفئة التي تتمتع بأقل الحقوق: بدون عقد مستمر، وبأجر يجبر الكثيرين منهم على العيش مع أهلهم، أو اقتسام شقة مع أشخاص آخرين حتى سن الثلاثين أو أكثر".
ويتزايد عدم الرضا، ويتحول أحيانا إلى غضب، وإحباط, وشعور بالظلم. ويتحول إلى خيبة أمل عميقة تجاه المؤسسات والسياسة.
اليزابيث لم تعد تنتخب منذ ثلاث سنوات: "لا أشعر أن أيا من التحالفات والتكتلات يمثلني سياسيا. أعتقد أن النظام السياسي الإيطالي فاسد وتسيطر عليه المافيا. كل الأحزاب متواطئة ومذنبة بالنسبة للوضع الحالي". البرتو يعرف نفسه على أنه "ماركسي": "في الانتخابات الأخيرة، لم أتمكن من الإدلاء بصوتي: كان حزبي هو الوحيد الذي عليه أن يجمع التوقيعات....ويسمون ذلك ديمقراطية!!" أما سارة فتحمل الجنسية الإيطالية لكنها مقيمة في بلجيكا. "لم اقترع في الانتخابات الأخيرة، لكن أعتقد أنني كنت سأتبع، على مضض، إستراتيجية "أهون الشرور" ـ الرائجة جدا في السنوات الأخيرة". وتواصل قائلة: "إجمالا، ما كنت لأنتخب برلسكوني. بالنسبة لمستقبل هذا البلد، أملي، أن يفتح الناس عيونهم ويراقبوا الطبقة السياسية الحالية، التي تميل إلى ألا تأخذ في اعتبارها سوى مصالحها الخاصة. كما آمل أن تظهر فرص مقنعة أكثر من جانب المعارضة. سنرى".

دييجو، 21 عاما، من مدينة بولزانو، انتخب اليمين. لكنه غير راض عن اختياره. فيما يتعلق بقضايا العنصرية الأخيرة، لا يعرف ماذا يقول، " لأنني سأعتبر متطرفا". ويضيف: "لكني أعتقد أن المهاجرين أسهموا في تدهور الوضع الاجتماعي في إيطاليا". أما دافيد فينظر إلى الأمور بشكل مختلف. " إن إيطاليا ليست مستعدة بعد لهذه الظاهرة، كما في فرنسا أو ألمانيا. لأسباب تاريخية أكثر منها اجتماعية. الأمر ليس أننا أكثر عنصرية من الآخرين... لكن نحن، ليست لدينا ذاكرة لما كنا عليه". اليزابيث، تؤكد أن موجة العنصرية التي ظهرت مؤخرا "ترجع إلى حالة الهمجية والتخلف الحضاري التي أصابت السلوكيات الإيطالية. لكنها ترجع أيضا إلى الكراهية التي تثيرها بعض الفصائل السياسية تجاه المهاجرين، لكي يتهموهم بكل شرور البلاد". تفضل سارة أن تذكر بالصعوبات التي واجهها المهاجرون الإيطاليون، منذ حوالي 50 عاما: " لم يكن ينظر إليهم دائما نظرة طيبة في البلدان المستقبلة لهم، حيث صادفوا مشكلات لغوية واجتماعية شبيهة بالمشكلات التي تثقل اليوم كاهل المهاجرين الذين يصلون عندنا. أعتقد أن ذلك يجب أن يجعلنا نفكر." شيرا، 26 عاما، وتعيش في مقاطعة بيسكارا ، تقول: " موجات الهجرة كانت دائما موجودة، تتغير بلدان الرحيل والوصول، لكن الجوهر واحد. تمثل تنقلات الأشخاص موردا، ليس فقط على المستوى الاقتصادي. إن قصص العنصرية في إيطاليا تجعلني أرغب في الهجرة". وفريدريكو، مستفز، يضيف: مهاجرون: لا تتركونا وحدنا مع الإيطاليين!".  


هوامش
1: الإيكونومست: العالم بالأرقام، طبعة 2010.
2: مصدر: تقرير Svimez يوليو 2009.
3: حالة فريدة في أوروبا، تبدو إيطاليا وكأنها مقسومة إلى قسمين، مع حركية داخلية قوية جدا، سواء جغرافية أو اجتماعية. إذا كان الشمال والوسط يستمران في جذب موجات مهاجرة قوية، فإن الجنوب يصبح قفرا بشكل متزايد، فاقدا جموع شبابه الواعدة. كشف التقرير الأخير لـSvimez أن، خلال السنوات العشر الأخيرة، هجر حوالي 700 ألف شخص المناطق الجنوبية لكي يستقروا في شمال البلاد.


Related Posts

اعتصام ثوار التحرير : الشعب خط أحمر

30/11/2011

استعاد التحرير مليونيات إعتصام 25 يناير من جديد. وكانت مليونية "الفرصة الأخيرة"، الجمعة الماضية، منفذا أخيرا أتاحه الثوار للمجلس العسكري للتخلي عن السلطة لصالح سلطة مدنية بعد بحور الدماء الذي شهدها ميدان التحرير منذ 19 نوفمبر...

شباب المتوسط ... ملامح جيل

01/04/2010

كيف يعيشون؟ و ما طموحاتهم؟ و ما هي العقبات التي تواجههم؟ نحن نسعى للإجابة  على هذه الأسئلة من خلال سلسلة من التحقيقات حول شباب المتوسط، في مصر و الجزائر و تونس و لبنان.

حوار مع ناشطة نوبية

19/07/2012

تقول إن معركتها ليست النوبيين فقط.. منال الطيبي: روح 25 يناير غائبة في الدستور الجديد...