سوق العطارين..روائح البهجة


"من أين جئنا يا جدتي؟" ردت الحكاءة البارعة : "من المغرب، ركب جدك وأشقاؤه سفينة ضخمة هربا من حاكم ظالم ، كانت السفينة بلا ربان ، سفينة سحرية بها دفة تشبه اليد ، اسمها يد القدر ، تقرأ قلوب المسافرين عليها، على قدر قلوبهم يكون قدرهم ، وكان قدر جدك الإسكندرية!"
عندما نزلت إلى العطارين للكتابة عنها  عرفت أن جدى لم يأت من المغرب بل من المنصورة هربا من ظلم امرأة أب، جاء إلى سوق العطارين ،فرصة أولاد البلد الوحيدة للرزق في شارع يملكه الأجانب يدعى "بياصة الشوام"، سوق منفصل عن العطارين لتجارة الملابس  المستعملة بدأ غريبا وجميلاوانتهى غريبا وموصوما ..من هنا بدأ جدى..خرج إلى الشارع الرئيسى امتلك محلاته ليصير ثريا..ورحل الأجانب..أما الفقر فظل مختبئا فى الأزقة والبيوت الضيقة.

سيرة جدي الطيبة سهلت لى عملى ،شعرت به حولى فى كل لحظة .جاء مع شقيقه وعمره 15 عاما ، بدأ فى بيع الملابس القديمة فى سوق العطارين مع أخيه ، ذكاؤهما وطموحهما جعلاهما يتعاملان مع الجيش ليربحا الكثير من بيع البطاطين والأفرولات والملابس العسكرية للجيش المصرى فى الخمسينات ويشتريا دكانا في السوق ..بالطريقة نفسها التي هي خليط من الجهد والفهلوة و اقتناص الرزق، نجح المصريان في الشارع الذي رحل عنه الأجانب ليخرجا من ظلام الأزقة إلى نور الشارع الرئيسى للعطارين.
لم يكن السوق به دكاكين فى البداية ، كان البائعون يفرشون بضاعاتهم على طاولات مرصوصة ومنظمة ، كان السوق فى البداية للباعة الشوام  الذين انتقلوا من شارع الليثى إلى هنا ، ثم تركوه لأولاد البلد ، ولازال الشارع يحتفظ باسمه "ميدان السوريين أو بياصة الشوام"، وكلمة "بياصة" كلمة ايطالية الأصل تعنى الميدان .

كان السوق فى الصباح لبيع الملابس المستعملة أما فى المساء فكان يتحول لبهجة بلا حدود على يد إلياس اللبنانى- ملك السمان- الذى جاءت عائلته إلى مصر هربا من فتن الطوائف المسيحية فى لبنان ومقهى حبيب السورى.
فى المغرب يجمع كل صاحب بضاعة بضاعته ويضعها فى "المغازة" أو المكان المخصص لحفظ البضاعة والطاولات مقابل أجرة ، ليبدأ أجمل ماعرفته العطارين ، يبدأ إلياس- ملك السمان- برش السوق وكنسه ،كان يؤجر لذلك كناسين مخصوصين ، ثم تفرد طاولات الطعام ، وتبدأ موسيقى عازفيين سوريين على مقهى حبيب بالعزف. يبدأ دخان السمان المشوى فى التصاعد يملأ سماء العطارين ، كانوا يحبونه، فذلك الدخان كان يجلب معه صباح وفريد الأطرش وفريد شوقى ومحمود المليجى وقناصل الدول الأجنبية وأعضاء مجلس قيادة الثورة ونجوم مجتمع، كان قادرا على الاحتفاء بالحياة.
لكن الأجمل من حضور النجوم إلى إلياس ، كان إلياس نفسه الذى كان يترك لأطفال السوق ساعتين قبل أن تبدأ عملية شوى السمان للعب الكرة بعد أن ينظف لهم السوق ويرشه بالماء ، كان يعلم أنهم محرومون من اللعب فالصباح للعمل والمساء للبهجة .

تغير كل هذا ، أصبح المكان موحشا وكئيبا وعشوائيا ، استبدلوا العجلات بأكشاك قبيحة مثبتة فى الأرض، أكشاك تستعمل في المساء للدعارة وفى النهار لبيع المخدرات جهرا، تحت سمع وبصر قسم شرطة العطارين ، "سوكا"يبيع المخدرات هنا بحرية مقابل تسليم "جثة أو جثتين " للضابط، و غالبا تكون هذه "الجثث "من المشترين أو باعة المخدارت الصغار .
الأكشاك هي قلب ميدان السوريين، بينما على حوافه محلات الموبيليا الكبيرة التى تمتلكها عائلة صعيدية تدعى "العرابة"، و هي تنافس عائلة أصغر منها عددا وعتادا تدعى عائلة "بنى فيز" القادمة من أسيوط. امتلك العرابة مقهى حبيب والأكشاك التى نصفها للرزق الحلال ونصفها للرزق الحرام .

وصول الصعايدة

لم يكن الصعايدة يملكون شبرا فى سوق العطارين ، جاءوا "سريحة" منذ سنوات لا تتخطى 40عاما ، ولم يتخطى عددهم العشرات، كان وقتها السوق قد استتب لأولاد البلد من الاسكندرانية. كان جدعان السوق ورجاله الذين يأتمر السوق كله بأمرهم "كزيزو "وأحمد الفيل " و"ابراهيم مفتاح "  يسخرون من الصعايدة، كما روى لى عم حسن رياض بائع الملابس القديمة: "كان من الطبيعى أن تجد الصعيدى يلبس نصف بطيخة على رأسه كى يسخر منه ابن البلد. اتسرسبوا إلى هنا واحدا تلو الآخر ، ثم جاؤا بعائلاتهم ، ابن البلد نزيه ، لكن الصعايدة القادمين من الفقر فى بلادهم  يأتون وعينيهم على امتلاك أرض وعمارات ، يغمسون لقمتهم بمية لكن الأرض والبناء أهم ، هكذا امتلكوا مقاليد سوق العطارين من أولاد البلد ،ولى زمن  الاسكندرانية الجدعان ، كانوا موقفينهم عند حدهم ".
إبراهيم حسنين- تاجر موبيليا بالسوق ، روى لى عن نظام البيع فى الماضى : " الأصل دائما هم بائعو السكسونيا ، يتيهون خارج السوق يقايضون الحلل النحاس بملابس مستعملة ، يأتون بها إلى السوق، ليقام عليها مزاد ، يشتريها الوسيط أو ما يسمى بالدلال ، تعرض البضاعة على الأرض ويشتريها الدلال صاحب أعلى سعر".  الدلال هو الوسيط بين سريح السكسونيا وبائع الملابس القديمة ، و هو يقوم بإعادة تلك الملابس إلى هيئتها عن طريق كيها وعمليات الخياطة والرفة.
من تلك التجارة صعد نجم جدي، وخرج معه أبناء السوق من بياصة الشوام إلى نور الشارع الرئيسى بعد رحيل الأجانب ، ذلك بعد أن امتلك جدي وشقيقه دكانا فى السوق ، حدث بينهما خلاف على توجه التجارة، فبينما رأى شقيق جدى أن المستقبل للملابس الجديدة أو الجاهزة  أصر جدي على تجارة القديم، صفى الشراكة مع شقيقه ، ليشارك رجلا آخر يدعى فتحى فى محلين أحدهما للملابس وآخر للخردوات- التجارة التي فيما بعد ستحول اسم عائلتى إلى واحدة من علامات العطارين ، فالدكان سيصيردكاكين تحمل اسم العائلة،و أحداها سيتحول على يد أحد أعمامي إلى مصنع كبير لتصنيع مستلزمات الملابس .
كلهم تجار، لم يعترفوا أبدا بأن يهوى أحد شيئا خارج فكرة التجارة، الربح الممسوك باليد، ومنهم فتحى ذلك الرجل الذى شاركه جدى، استوقفتنى حكاية فتحى ، ذلك الرجل الممسوس –على حد تعبيرهم –بعزف العود والغناء .
"كان يمتلك صوتا جميلا"، كما يقول أحد أحفاده،كان عزف العود عنده وجلسات الفنانين غية، لذا أهمل التجارة. و كان صوته يشبه صوت عبد العزيز محمود ، ما جعله يمثل فتنة لأهل الحى ، لكن عندما توجه لإذاعة الشرق الأوسط رفضوه لأن صوته يشبه صوت عبد العزيز محمود ! والحياة لا تحتمل صوتين متشابهين! انكسر قلب فتحى عاشق العود ، صفى جدى تجارته معه لأنه لم يفهم أهمية قلب فتحى الممسوس بالفن ، عمل فتحى بعد ذلك كبائع تذاكر في السينما، ثم كشاف سينما حتى توفى ،بينما ارتفع نجم جدى وأبنائه.
لو كان على اختيار مصير لاخترت مصير فتحي، لا مصير جدي ،ما أجمل أن تمتلك يدا تجيد عزف العود وصوت يماثل صوت عبد العزيز محمود ،ما أجمل أن تمتلك كل هذه الفتنة حتى لو انتهى الأمر إلى احتراقك بها .

" حكاية ملك السمان المختبىء من غدر الزمان "

كلهن مثل جداتي ،كلهن مثل أمهاتى..لكن لاأحد منهم مثل أبى، لا أحد في العطارين أب لأحد ، الابن هناك مشروع خاص جدا،توريث المهنة منتشر فى العطارين من محلات البقالة إلى ستوديو التصوير الفقير مرورا بالمقاهى ومحلات الساعات والجزارة والخردوات والخياطة والأنتيكات والموبيليا ، لا فرق هناك بين محل ظل فقيرا ومحل صار كبيرا، ونادرا ما تجد محلا هناك  لم يرثه صاحبه عن جده أو أبيه .
السبب فى ذلك أنهم بالفعل صعدوا من الصفر، المميز فيهم أن داخلهم ذوقا وشيئا كبير من الحضارة ، فعندما يصير الفقير غنيا لا تصبح اختياراته فجة ، سواء على مستوى ملبسه أو سيارته أو أساس بيته، أهل العطارين كلهم يتميزون بأناقة الاختيار وبساطته، لن يفاجئك أبدا بما يجرح عينك مهما كان مستواه الاجتماعى أو التعليمي. الجيل الثاني خرج من العطارين إلى سيدى جابر وكامب شيزار وجليم ، لكن لم ينقل تجارته أبدا خارج العطارين، هنا رائحة الرزق ملتصقة بالشارع كما تلتصق الرائحة بجسد الإنسان.

ذكاء أبناء السوق القدامى جعلهم يعرفون مع ارتفاع مستواهم المادى ضرورة ارتفاع واجهتهم الاجتماعية، شريطة الاحتفاظ بما أسسوه ، فالأب يدفع بأحد أبنائه إلى التعليم إذا ما ضمن وجود ابن آخر معه فى تجارته ، يفضلون الصيدلة من الكليات العلمية –كأبى- لارتباطها بفكرة التجارة  أو كلية التجارة من الكليات النظرية لمن لايحرز مجموعا لارتباطها بفكرة المحاسبة. يمسك الولد حسابات المحل، أما البنات فأغلبهن يتخرجن مدرسات. لكن تظل الأولوية كلها والمجد للذى استمر فى العمل مع أبيه، فهو حافظ مملكته وسره ، كعمى الذى استطاع تطوير المهنة من محل خردوات ذائع الصيت إلى مصنع كبير وسلسلة محلات، وهو ما لم ينجح فيه باقى أعمامي الذين اكتفوا بمحلين يعتمدان على سيرة جدى ونجاح عمى،فأحدهما من شريحة الفهلوية والآخر أطيب من أن يملك طموحا وذكاء تجاريا يدفع إلى التطوير.و تكرر ذلك مع عدة مشاريع تجارية أخرى فى العطارين كالجزارة والمخابز والموبيليا والنجف التى تميزت فيها عائلة "سرور".

استفاد من خرجوا إلى الشارع الرئيسى من تغيرات "بياصة الشوام" التي امتلكها الصعايدة ولم يعد فيها لأبناء البلد مكانا لذا ثبتوا أماكنهم عن طريق أولادهم جيدا بعد أن فقدوا البياصة التى تواجه مصيرا مجهولا ومشوشا.
البياصة التى اصبحت مستعمرة صعايدة ، لم يعد بها سوى أثرين لأولاد البلد ، مقهى "قدورة" الذي ينافس مقهى "الزعيم" الذي يمتلكه أبناء "بنى فيز" ومطعم السمان الذى أسسه إلياس اللبنانى –ملك السمان- ثم انتقل من بعده إلى ابنه جورج الذى تعرض لأزمة مالية فى منتصف الستينات –يقولون إنه هرب من فضيحة اختلاس ليسافر جورج إلى بيروت بعد أن باع محله للسمرة ليتحول من عامل فى المطعم إلى ملك السمان .

السمرة ابن عائلة شهيرة هناك تدعى عائلة "شحاتة"، عمل أغلب أفرادها مع إلياس. لم يكن سمرة الأكبر فى عائلة شحاتة ، لكنه كان الأوفر حظا من إخوته بمبوزيا والبيضة وزوئة. أكبرهم كان المتولى شحاتة، وكان المتولى يقتسم السوق مع قدورة، نصف السوق لمتولى والآخر لقدورة .كانوا يستعيضون عن "الأتاوة " باسقاء العاملين على الفرش شايا "عافية واقتدار" ، لايقل نصيب الفرشة الواحدة عن خمسة أكواب من الشاى ، لم يكن فى مقدور أحد أن يمتنع عن شرب شاى شحاتة وقدورة الذى كان يوضع على ترابيزة الفرش ، ولم يكن شحاتة يستطيع أن يسقى شايا فى المنطقة التى تتبع قدورة أو العكس.صار قدورة بعد هذا صاحب مقهى ورثه ابنه ثم حفيده، ولازال مقهى قدورة يشتهر بتجمع مصلحى  الساعات السريحة عنده ، يعملون ويشربون الشاى والنارجيلة –دون أتاوة –تلك المرة.

الياس اللبنانى بحس التجار الأذكياء استقطب عائلة "شحاتة" من باب توفير الحماية لنفسه ، فعملوا معه لفترة وورثهم  ابنه جورج بعد عودة إلياس إلى لبنان، صار السمرة أصغر ابناء شحاتة هو ملك السمان! المطعم كان جاذبا لصفوة نجوم المجتمع  لكن الظروف تغيرت ، نظرا لتغير البياصة التى صارت موطنا للدعارة والمخدرات. أصبح المطعم غريبا عن روح السوق ،سمرة ملك السمان ، لكنه يبدو ملكا معزولا ومحاصرا ، يغطى مطعمه بستارة تفصله عن السوق، لم يعد السوق ملكا للاسكندرانية، لايخالط أو يجالس أحدا، يقضى وقته فى مكتب منفصل عن كل شىء، يبدو خائفا، ربما من الأعين التى تعتقد أن صعوده كان ضربة حظ، ولأن لا نصرة له، باب مكتبه لايرحب بالغرباء، ضيق وعتبته عليها خشبة عالية تمنع الزائرين من الدخول بسهولة.

خرجت من عنده دون أن يعطينى أى معلومات مهمة عن ملكه المختبىء "يبعد العين " لازال الزائرين المهمين يتوافدون إليه ، آخرهم كان وزيرا للبترول ومعه مجموعة من الوزراء القطريين."قفلواالشارع،عربيات بوكس ،وماحدش يخش أو يخرج ودكاكين اتقفلت، كان الوزير بياكل جوه والناس بتدعى عليه بره"، يقول حودة العمش أحد سكان العطارين .يتذكر حودة زيارة عبد الناصر فى عربته المكشوفة التى كانت تحمل البهجة إلى العطارين لا قطع الرزق..

مضيت من العطارين بعد أن قرأت الفاتحة لجدى الذى نجا ..ولعبد العزيز محمود الذى احترق.

Related Posts

آخر معالم مصر السياحية

27/06/2008

لماذا أصبح المركز التجاري "سيتي ستارز" مكانا سياحيا في مصر أهم من الأهرام والقلعة ومجسد الحسين والكنائس القديمة؟

الرحلة المكوكية في‮ ‬القاهرة

13/10/2014

بعد رفع دعم الدولة لأسعار المحروقات عرفت أسعار المواصلات ارتفاعا مذهلا و أصبحت السيارة ترفا لا قبل لأغلبية المصريين به. و ظهرت بالقاهرة تطبيقة على الهواتف الذكية اسمها " كار طاق" رأت النور محتشمة في السنة الفارطة وهي الآن بصدد تغيير عادات المصريين الذين يقومون بسفرات مكوكية يوميا...

كيف "يرحب" المصريون باللاجئين؟

15/10/2015

كيف كان "أبو وليد" يعمل صحفيًا في بلاده، وهو الآن لاجئ سوري في مصر؛ حيث يحاول الاستمرار في مهنته بصعوبة، وسط تهديدات من شبيحة النظام السوري وجدت طريقها إليه في القاهرة، وهو -على حد قوله- لا يحصل على الحماية من المفوضية العليا لشئون اللاجئين.

(ابتكار/ مدى مصر)