سليمة عبد الوهاب: مصممةٌ من طراز غير مألوف

الكونية والسخاء. تلك هما الكلمتان اللتان توصِّفان صاحبتنا باقتدار. فالمصممة سليمة عبد الوهاب شخصية  مبدعة و خلاقة. فهي أشبه ما تكون بشخصية منتزعة من قصص الساحرات و الأساطير. بل هي نفسها ساحرة من الساحرات اللاتي يحار المرء في سبر أغوارهن أو في تحديد كُنه أصولهن، بشعرها الذي يحاكي لبدة السباع الضارية، و أساورها المصطخبة الملتمعة.
وهي، بلكنتها الإسبانية، و فرنسيتها الملونة بالصور البلاغية و لسانها العربي الذي يتوارى  إلا داخل مشغلها، تتبدى في تلك الصورة العالمية التي تحرص على الظهور بها طوال الوقت. تلك هي سليمة عبد الوهاب، امرأة تختلق الكلمات و الأزياء و الألحان و الأغنيات التي يزخر بها العالم.
و هي و إن كانت مصممة مغربية، فهي تجهل، على حد قولها، كيف تصنع القفطان المغربي التقليدي.مؤكدة:" حتى لو حاولت، فما سيخرج من بين يدي لن يشابه بأية حال القفطان". فأسلوبها إنما يعتمد على تخيل أزياء عصرية.إذ تقول: "أنا أمثل المرأة المغربية كما هي اليوم، فالمرأة المغربية قد تمدنت.حاولي ركوب المترو و أنت ترتدين القفطان، فسيبدو لك الأمر عسيرا.إنما أنا استلهم التقاليد المغربية، و الماضي الذي أطل عليه بـحنين و احترام، مع الاحتفاظ بحاجتي إلي العيش في الحاضر. فأنا أحب الأزياء العملية التي تقص حكاية".
هذا، و لقد أثر تعلمها للرقص التقليدي في اختياراتها للخامات التي تعتمدها في أزيائها. إذ تقول: "لكي أرقص كنت أرتدي ملابس مرنة و مريحة، ملابسَ تتيح لي حرية الحركة. و تلك هي الروح التي أسعى لبثها في تصاميمي. فأنا أحب أن ينعم الناس بالراحة و الحرية. إذ يجدر ألا يكونوا سجناء داخل ملابسهم. و الحل الأمثل هو أن يحيا الإنسان عاريا. و لكن طالما أن ذلك مستحيل، فأنا أسعى كي تكون تصاميمي بمثابة بشرة ثانية

و لقد رحلت سليمة عن مسقط رأسها و مصدر إلهامها في طنجة، لتتلقى دراستها في المدرسة العليا للرسم و الموضة في ملجة بإسبانيا. و هناك، نصحها مديرو المدرسة بالمضي على دربها الخاص.إذ تبدى لهم أسلوبها نسيج وحده، وتراءت تصاميمها خارجة عن المألوف. و سرعان ما أبدعت مجموعاتها التي حملت اسمها.
وتقول سليمة: " قررت اليوم الاستقرار بمشغلي في قلب الريف في طنجة. فمن شأن ذلك أن يمنحه ملمحا طبيعياً مطمئناً. فالمشغل هو أشبه بعالم الممكنات، حيث مجموعات الأزياء تتوالى، و الأفكار تتخلق و تتحقق. و يسوده جو يجمع بين الرقة و الفوران". و في تعاملها مع الخامات، تحرص سليمة على انتقاء الأقمشة التي تصفها ب"النبيلة". إذ تقول: "خامات مثل البامبو، و الحرير، و الصوف الخام، و كل تلك المواد التي تبدو كمواد حية، من شأنها كلها أن تثير اهتمامي. فلكل منها ما يثيره في نفسي من رغبات. و أحيانا أتخيل أنني بت أفتقر إلى الخامات وأنه صار لزاما عليّ أن أبتدع خامات جديدة، و أن أستخدم قطعا و قصاصات شتى. و هو ما يسفر عن تصاميم ذات عقد و جدائل و إضافات مجنونة، و إن ظلت مريحة و سهلة الارتداء".
هكذا، عندما نستكشف قطعة من أزياء سليمة عبد الوهاب، دائما ما تستوقفنا التفاصيل. فترى اللآلئ و الأصداف و التطريز عناصر مكملة للقطع التي تتميز بجمعها بين البساطة و الرقي في آن، و التي تصلصل مع كل حركة. "أحب أن أمنح كل قطعة صوتا، أو موسيقى خاصة بها، و كأنها نغمة أو نبرة أخصها بها خلسة". و تلك على الأرجح نزوة تحثها عليها مواهبها في مجال الغناء و الموسيقى.إذ أن مصممتنا ذات المواهب المتعددة تمارس الغناء أيضا حالما تستطيع. فلقد شاركت في ألبوم موسيقي مع العازف و الملحن ستيف شيهان. كما تعد عروض أزيائها بمثابة استعراضات تتضمن ظهورها وفق إخراج مسرحي مميز. و هي و إن كانت تميل إلى الخجل بطبعها و التكتم، فقد وجدت الطريقة المثلى لتقديم استعراضاتها، إذ ترقص متشحة الوجه و الجسد تحت أستار تتحول تحت وقع حركاتها إلى أردية خلابة.
و في مجموعاتها، تتحرى سليمة التنوع. إذ تؤكد: " ملابسي تصلح لكل النساء و كل الأوقات، فأنا أحب فكرة أن يتحول " الكاب" الذي نرتديه في الصباح إلى تنورة في المساء. إذ ينبغي أن تلبي كل قطعة عدة رغبات تبعا لاختلاف الأمزجة". فالأشخاص الذين يكتشفون أن قطعة واحدة تصلح لعدة أغراض يجدون أن المصممة محل تقدير. فإحدى الزبائن مثلا ترى بعين الرضا أن تتمكن من ارتداء نفس البنطلون الذي يرتديه زوجها أو نفس السترة التي يمكن ارتداؤها على الوجهين. كما تردف قائلة:"من النادر أن تجدبين الملابس الصالحة للجنسين معا ما يتلاءم مع المرأة و الرجل بنفس القدر". و في عام 2006، شاركت سليمة عبد الوهاب في معرض دولي بمدريد تحت عنوان"رجال يرتدون التنورة".تقول عنه:"لقد سعدت كثيرا لتقديم تنورتي الرجالية في هذا العرض جنبا إلى جنب مع تصميمات كنزو وجان بول جوتييه و غيرهما من الأسماء الكبرى في عالم الموضة العالمية.و لقد تمكنت من وضع تصميم لا يمت بصلة للتقاليد المغربية و إن احتفظ بلمسة استشراقية ".
و تشكو سليمة عبد الوهاب من الموضة.فنحن- على حد قولها- "ندور في حلقة مفرغة. إذ نعود إلى كلاسيكيات أعوام الخمسينيات و السبعينيات، و الكل يرى أن ذلك أمرا طبيعيا. فماذا دهانا؟ أوليس هناك ما يصلح لزماننا؟فما زلنا نلبس الجينز رغم وجود ملابس توحي بمظهر أكثر مستقبلية رغم كونها وليدة الحاضر. فما زلنا بعد غير قادرين على تجاوز الماضي. فالأشكال الجديدة التي أبتدعها تعد عصرية و إن كان بعض الناس يقولون لي أحيانا أنهم لا يجرؤون على ارتدائها. فأنا معجبة بالفنانين الذين يشقون طريقا جديدا، فالرواد هم الذين أعدهم بمثابة المرشدين المبشرين. و لقد ابتكرت ثلاث مجموعات يمكن للكل أن يرى نفسه في إحداها، و سواء كانت الأزياء رياضية أو متأنقة، فكل قطعة منها تعد فريدة، ويمكن مزاوجتها مع قطع أخرى.و لسليمة عبد الوهاب متجران، أحدهما في طنجة و الثاني في أصيلة، إضافة إلى معرض في مراكش.كما لديها مشاريع في أوروبا، و جميعها غاية في التفرد.ففي بازل بسويسرا، سبق أن قدمت إحدى مجموعاتها داخل كاتدرائية. وكان لطابعها الإثني المتمرد ما يثير الإعجاب و يحرك  الدهشة.و ها هي توسع مجموعتها بإضافة خط لملابس الأطفال و آخر لأردية المنزل. و عبر مجموعة تلو الأخرى، تتكشف تفاصيل خيال مصممة ناجحة، تتسم بالتناغم مع مفردات عصرها.

 

Related Posts

الثورة السورية تقاطع المصالح والهولوكست الأسدي

12/09/2012

يبدو المشهد السوري اليوم في أشد لحظات تعقيده منذ بداية الثورة السورية في آذار 2011، فلا الحل العسكري الوحشي الذي انتهجه النظام ضد الشعب السوري...

 

الانتفاضة السوريّة و المسألة الكرديّة: سؤال المواطنة والهويّة والعدالة الاجتماعيّة

29/12/2011

في آذار هذا العام انفجرت في سورية حركة احتجاجيّة، مع نجاح انتفاضتي تونس ومصر، فاجأت الجميع. توسّعت الانتفاضة بصورة سريعة؛ وهي إجمالاً انتفاضة ضدّ التهميش والطغيان السلطويّ. لكن عواملها وبيئاتها تتعدّد...

المنبر الأورومتوسطي: فضاء للتوافق واحترام الآخر

25/11/2008

تأسس المنبر الأورومتوسطي للجمعيات المدنية/الأهلية في اللكسومبورغ سنة 2005 ليكون صوتا للجمعيات المدنية والأهلية لمناقشة القضايا التي ترهن مستقبل الحوض المتوسطي.