قافلة الفن في غزة

منذ اكثر من ثلاث سنوات يعيش 1,5 مليون من الفلسطينيين تحت حصار شامل تفرضه عليهم اسرائيل، بدون التمكن من الخروج من هذه البقعة الساحلية التي اغلقت حدودها في وجه الزوار الأجانب.

هذا المهرجان الدولي الذي يقدم الابداعات العالمية الجديدة فيما يتعلق بتركيب الفيديو قد يبدو شيئا غير معقول في غزة تحت الحصار ولكن مجموعة من الفنانين المحليين تحاول كسر الحصار بفضل مهاراتهم وذلك بتسلحهم باتصال الانترنت وبجرعة كبيرة من المثابرة.

"كل العالم يفكر في كسر الحصار بادخال العتاد والادوية" يقول بائل المقوصي الذي يعتبر احد مؤسسي  نوافذ من غزة Windows from Gaza وهي مجموعة تقدمية تضم فنانين شبابا راغبين في ربط هذه المنطقة الساحلية المحصورة بالعالم. "نحن نعتقد انه بامكاننا القيام بنفس الشيء بواسطة الفن عن طريق جلبه الى غزة. رغم ان هذا الامر يعتبر بالنسبة للجميع ليس باهمية الغذاء الا اننا نعتقد انه مهم على مستوى التصور".

الجمهور الذي كان حاضرا في افتتاح هذا المهرجان في يونيو الماضي دليل قاطع على قوله، فلم يكن هناك طوابير شبيهة بتلك التي ينتظر فيها الناس طويلا الاعانة الغذائية ولكن الحضور كان مشرفا ومتعطشا لغذاء الروح.

"نظمنا هذا المهرجان لفتح غزة على العالم الخارجي ولمنح فرصة للغزاويين لمشاهدة الفن المعاصر"، هذا ما صرح به ماجد شالا, عضو مؤسس آخر وأحد منظمي المهرجان. كما انه يستحيل استقدام لوحات فنية من مصر – اذ تمنع اسرائيل تنقل الاشخاص والبضائع ولا تسمح مصر الا بإعانة انسانية محدودة. فضل الفناون اختيار فن الفيديو الذي هو الوسيلة الافضل للمحافظة على اصالة اللوحات بدلا من استقبال صور عن اللوحات وطبعها ثم عرضها.

ويضيف شالا: حاولنا استقدام اعمال لفنانين اجانب ولكن الامر صعب للغاية، وعندما نطبع نسخا منها لا تبدو جيدة. وعلى العكس من ذلك كنا نستطيع استقبال لوحات فيديو عن طريق الانترنت وعرضها هنا" طلبنا من كل الفنانين في العالم ارسال اعمالهم وفوجئنا بالمشاركات الكثيرة".

لقد دعا المنظمون فناني العالم اجمع لتقديم اقتراحاتهم عن طريق البريد الالكتروني ، فقدم فنانون من 35 بلدا ما يقرب من 80 فيلما اختير منها احسن 40 فيلم  لعرضها في غزة والضفة الغربية.

 

"رغم ان احد اهم اهداف المهرجان كان يتمثل في كسر الحصار الا اننا لم نرد اقتصار الفيديوهات على هذه الفكرة" يقول شريف سرحان، الفنان ومنظم المهرجان: " لقد حاولنا دعوة كل انواع المواضيع لان مجيئها الى غزة سيساعد في توسيع آفاق فناني غزة، وفي السماح للناس بالتواصل مع هذا النوع من الفن على حد سواء".

في مدينة غزة يتم تنظيم المهرجان في مسكن متواضع وهو عبارة عن بناية قديمة حولت مؤخرا الى ورشة وقاعة عرض من طرف مجموعة نوافذ من غزة. عند بداية عرض الفيلم الاول تطفأ كل الانوار وهذا يعتبر ظاهرة يومية هنا الا ان مولدا متحركا يضيء الشاشة على حساب خلفية  ضجيج .

بسبب الحصار يعاني الفن كذلك من مشاكل تمس كل القطاعات، حيث ان الالوان والمواد الاولية نادرة وذات نوعية سيئة وباهظة الثمن.

 

يصرح سرحان: " نحن نعتمد على العتاد الذي ياتينا من مصر عبر الانفاق"، ثم يضيف: " نضطر في بعض الاحيان الى طلب هذه الامور من اناس آتين من اسرائيل او القدس أو رام الله. بعض اصدقائي يعملون لدي الأونروا (ديوان الاغاثة والاعمال التابع للامم المتحدة للاجئين الفلسطينيين في الشرق الاوسط) إلا ان الحظ ليس من نصيب كل الناس هنا. لا يستطيع الفنان ان يعيش من فنه هنا، لهذا نضطر جميعا الى ممارسة مهنة اخرى وليست لدينا مواد او اماكن جيدة لاقامة المعرض، لا يوجد الا ثلاث قاعات على اقصى تقدير في غزة".

"ان فكرة هذا المشروع تولدت من الحاجة الملحة لخلق مناخ مهيئ للثقافة بهدف تحسين الصحة الثقافية الفلسطينية التي عانت بشدة من الحصار والعزل"، يقول سرحان، ويضيف : "كما يهدف المشروع كذلك الى تقديم عناصر جديدة فنية عالمية في غزة لاثراء الثقافة الفلسطينية التي عرفت تراجعا في السنوات الاخيرة".

اما حكومة حماس فانها لا تقدم العون الكثير، فالحركة الاسلامية لا تعنى بكل ما ليس له علاقة مباشرة بالدين او السياسة في برنامجها.

يقول سرحان الذي شارك في الماضي في العديد من المعارض في الخارج " ليس لدي اي شكل من العمل او التعاون مع وزارة الثقافة ولا اي اتصال"، "ليست لدينا مشاكل معها فالحكومة لا تهتم بالفن اذ تنظم بعض النشاطات التي لها صلة بالثقافة ولكن ليس بالفن. لسنا متفقين في رؤيتنا، وبالتالي قد لا يعجبها مجيء النساء الى هذا المعرض".

 

على غرار كل الفلسطينيين الاخرين في غزة يبقى الفنانون محشورين في قطعة الارض الضيقة ويشهدون تدهور الحياة شيئا فشيئا على المستويات السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية.

شالا خرج آخر مرة له من غزة في سنة 2007 اي ثلاثة ايام بالضبط قبل ان تستحوذ حماس على السلطة وان يفرض الحصار الذي تلاه.

"في السنة الماضية كان من المفروض ان اسافر اربع مرات الي الخارج لاقامة معارض في كل من ايطاليا وفرنسا والقاهرة والاردن الا ان التصريح بالسفر كان يرفض في كل مرة، ويضيف:  "الفنان في حاجة الى حرية، حريةالتنقل والتفاعل ورؤية بلدان اجنبية والتقاء اناس آخرين. لهذا السبب فان نوع الاتصال الذي نحن في صدد القيام به ضروري بالنسبة لنا. لولا وجود الانترنت لعزلنا الحصار كليا عن العالم ولما كان لدينا اية فكرة عما يقوم به زملاؤنا في الخارج.  لحسن الحظ، سيكون في مقدورنا ان نستقبل كل هؤلاء الفنانين بيننا في يوم ما".

ترجمته من الفرنسية: حورية دليوي

Related Posts

لسنا في الصحراء!

15/02/2010

سيندا و ليديا تلميذتان جميلتان، عمرهما 17 ربيعا، ترتديان آخر الصيحات الأوروبية و تتحدثان الفرنسية بطلاقة
 

إسبانيا : مولد جيل ال " بارو "

01/03/2010

ما بين البطالة و الاستغلال يعاني الشباب الإسباني نتائج أسوأ الأزمات الاقتصادية التي عرفتها إسبانيا منذ حكم فرانكو. و يتساءل الشباب ما اذا كان لابد لهم من المكوث في البلاد للاستفادة من مساعدات الدولة أم "شد الرحال".

مصر.. بين دماء "التحرير" وطبول الإنتخابات

30/11/2011

ربما يرفرف سؤال  "إلى أين تتجه مصر؟" على الجميع الآن..العالم يسأل، ويتابع أجهزة الإعلام على إختلافها كي يعرف ماذا سيحدث في مصر؟ بعد التجربة المبهرة التي  قامت بها الجماهير في الأيام الاولى للثورة، وحالة التخبط المبهرة أيضا التي دخلتها البلاد بعد انتهاء أيام الإدهاش الأولى