اعتصام ثوار التحرير : الشعب خط أحمر

توافدت الحشود على الميدان مدرعة بطاقة من التصميم والإصرار، كما لو كانت تجربة الإعتصام الأول قد أكسبتها خبرة ومراسا، و كما لو كان الصبر على مدى تسعة أشهر من حكم العسكر قد أكسبها تصميما وعنادا. يواجهون نسخة طبق الأصل من سياسة الرئيس المخلوع لكنها أشد شراسة وعنفا، يخرج المشير طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة ببيان على الجماهير لا يأتي بجديد، فلا يأبه به الثوار وينظمون مسيراتهم من جنوب القاهرة، و شمال الجيزة لتصب جميعها في التحرير، ثم يكلف المجلس العسكري كمال الجنزوري بتشكيل حكومة إنقاذ وطني بعد قبوله استقالة حكومة عصام شرف، فلا يزيد المعتصمون إلا رفضا وتمسكا بمطالبهم. "صحيح أن له بعض الانجازات أثناء ترأسه لحكومة 1996، لكنه ينتمي اليوم للماضي، كما يؤكد أحمد السيد النجار الكاتب والخبير الاقتصادي الذي اختاره الثوار ليكون أحد أعضاء المجلس الاستشاري لحكومة الانقاذ الوطني". مضيفا : "لماذا لا تعطى الفرصة للشعب الذي قام بثورته في أن يختار حكومته، لماذا الإصرار على تهميش دوره ؟!" حيث كانت القوى الثورية قد توافقت على بعض الأسماء لتشكيل حكومة إنقاذ وطني يرأسها الدكتور محمد البرادعي وتتكون من عبد المنعم أبو الفتوح وحمدين صباحي المرشحين المحتملين للرئاسة.


يزداد الحشد كثافة حين يؤدي محمد البرادعي، المرشح المحتمل للرئاسة والرئيس السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، صلاة الجمعة وسط الناس في الميدان، أو حين يتجول مرشح آخر، محمد أبو الفتوح الذي خرج من صفوف الأخوان، أو حين يأتي الشاب أحمد حرارة قائدا لمسيرة من مسجد مصطفى محمود إلى الميدان، وهو الشاب المناضل طبيب الأسنان الذي فقد إحدى عينيه في موقعة الجمل في 28 يناير، ثم فقد عينه الأخرى في أحداث 19 نوفمبر وأصّر مع ذلك على المشاركة في المظاهرات. لا يدلي أي منهم بأية تصريحات، بل يكفي وجودهم الرمزي المناهض لاستمرار الحكم العسكري. فميدان التحرير في نوفمبر يختلف عن تحرير يناير وفبراير، فلا مكان للمنصات، أو ميكروفونات الدعاية لقوة سياسية ما، فقد فرضت القوى الثورية إيقاعها وقوانينها الخاصة على الميدان. فقط بعض اللافتات التي تصور المشير في زيه العسكري وقد تطابقت ملامح وجهه مع الرئيس المخلوع، أو أخرى منددة بالمجلس العسكري والمطالبة بانتقال السلطة فوريا إلى حكم مدني له جميع الصلاحيات.

الأمن يريد أن يأخذ بالثأر
وعند مدخل شارع محمد محمود الذي شهد مجازر قوات الأمن ضد المتظاهرين، تتصدر المشهد لافتة كتب عليها "عيون الحرية" لتطلق على الشارع التاريخي في إشارة إلى شباب في زهرة العمر قدموا أعينهم فداء للوطن، قد تراهم يجولون في مسيرات محدودة في الميدان، فتيان وفتيات وقد كتبوا على العين المضمدة "لا للحكم العسكري" أو "نريدها دولة مدنية". هدأ الهجوم الذي شنه الأمن على المتظاهرين على مدى خمسة أيام كاملة، راح ضحيته 41 شهيدا وأصيب ما يقرب من 2000، استخدموا فيها الرصاص الحي والخرطوش والمطاطي وقنابل الغاز المحظورة أو تلك المنتهية الصلاحية في مواجهة متظاهرين عزل لا يملكون سوى حجارة يدافعون بها عن أنفسهم. واستعاد شارع محمد محمود هدوئه من جديد بعد أن أمّن أفراد القوات المسلحة المنطقة، وظل السؤال يلح على بعض "حسني النية" الذين لا يزالون مخدوعين في مجلسهم العسكري : "لماذا لم يقم المجلس بذلك منذ البداية حقنا لكل الدماء التي سالت ؟!". وتأتي الإجابة على لسان طبيبة في المستشفى الميداني، د. هالة التي أصابتها قنابل الغاز الكثيفة بالأعياء ومنعتها من استكمال عملها في خامس أيام الإعتصام : "كانت قوات الأمن تستخدم قنابل الغاز أوالخرطوش بشكل غشيم للغاية بحيث نكاد نضمد تقريبا جسم المصاب كله، وظهر الأمر كما لو كان هناك ثأرا بين الأمن وبين الثوار، فحتى المستشفى الميداني الذي أقامه زملائي الأطباء في مدخل إحدى البنايات للحالات التي تحتاج لجراحة، داهمتها عناصر الأمن واعتقلوا أطباءها"، وتصرخ الطبيبة قائلة : "حتى الأسرى في الحروب يسمح بعلاجهم بموجب اتفاقية جنيف، وليس أبناء الوطن الواحد". وتضيف الطبيبة منى فتح الباب التي شهدت إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين مساء الأربعاء، وكيف خرقت قوات الأمن -بقلب ميت- الهدنة التي توصل إليها شيوخ الأزهر مع الجانبين وتم إطلاق قنابل الغاز عليهم أثناء الصلاة، وتساقط بعض القتلى من حولها واستهداف عربات الإسعاف بالرصاص الحي، فتقول عن المجلس العسكري: "
أصبح هناك ثأر بيننا نحن بلطجية التحرير أو ثواره وبينه، قل كما شاءت فلن يغير ما تقوله عنا شئ .. فالنتيجة واحدة أن ترحل أو نرحل".


تسعة أشهر بدون تغيير
كانت بعض قوى الثورة المضادة قد وصفت الثوار، الذين قدموا دماءهم ثمنا للحرية، في قنوات الإعلام الرسمية بأنهم "بلطجية التحرير" و"أنهم لا يمثلون كل الشعب المصري"، ويعلق الفنان وكاتب السيناريو محمد العدل على هذه الأقاويل قائلا :"في كل بلدان العالم، من ينزلون الشارع هم الثوار وليس المجتمع كله. كما أن هؤلاء الذين يقال عنهم ليسوا ممثلين للشعب المصري هم من نجحوا في إسقاط الرئيس المخلوع". وتزيد عليه الصحفية والناشطة نوارة نجم قائلة : "لا أريد أن أرى دبابات مرتبكة في الشارع تدهس المواطنين في أحداث ماسبيرو، ولا أن أرى من حولي يسقطون قتلى أو يفقدون عيونهم. لقد تولى المجلس العسكري سلطة البلاد منذ تسعة أشهر ولم يكفوا عن معايرتنا خلالها لأنهم لم يطلقوا النار علينا واليوم آن لهم أن يعودوا إلى ثكناتهم ويقوموا بحماية الحدود المصرية".
تسعة أشهر انقضت، ووجد المصريون أن الثورة التي دفعوا ثمنها من أرواحهم لم تغير شيئا مما ثاروا ضده، فالمؤسسة البوليسية لا تزال في عنفوانها، تقمع وتتحالف مع المؤسسة العسكرية وتقف فوق القانون، مترفعة عن تقديم مجرميها –الذين قتلوا 800 متظاهر في يناير- إلى المحاكمة.
وعلى الرغم من الشماريخ التي ملأت سماء التحرير، وأطلقتها مجموعات ألتراس الزمالك والأهلي احتفالا ب"حق الشهيد"، وعلى الرغم من عودة ابتسامة الطمأنينة على وجوه العديد من الثوار، إلا أننا في وضع على قمة بركان، فهناك توازن حرج ما بين بقايا نظام مصمم على الحفاظ على وجوده، ويريد تصفية الثورة إلى درجة استدعاء شيوخه القدامى (مثل استدعاء كمال الجنزوري من إحدى الحكومات الماضية)، وبين قوى ثورية تتشبث بمبادرة الثورة وتحرص على استكمالها والحفاظ عليها، بل وفرض إرادتها الثورية.


ولم يختلف هذا التوازن على مدى الشهور الماضية منذ سقوط مبارك، ففي كل مرة تحاول بقايا النظام أن تستعيد سطوتها (مثل التعدي على أهالي الشهداء الذي سبق اعتصام 8 يوليو، ثم التعدي على مظاهرة الأقباط في ماسبيرو وقتل 28 شهيدا)، فتتكرر المعركة وينجح الثوار في كسر الداخلية وفرض الإرادة الثورية على التاريخ. يظل التوازن الحرج قائما، لا الداخلية تكسر فعليا ويعاد هيكلتها كمؤسسة مدنية، ولا الثوار يرضوا عن "الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية" لهم بديلا.

وماذا عن الغد ونحن عشية المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية؟ لا أحد يعلم ماذا سيحمل المستقبل القريب، هل ستنجح الانتخابات في تقديم الحل البديل أم أن ديمقراطية الميادين ستكون هي البديل للوضع الراهن؟

Related Posts

أسبانيا فى عيون مارتا و فران و جوردى

01/03/2010

داخل حانة فى برشلونة، يحكى ثلاثة أصدقاء عن أنفسهم، يصفون مخاوفهم و آمالهم، ما بين الحنق و الفن و الالتزام الاجتماعى.
 

الفرص توجد في مكان آخر

01/03/2010

يبدو أن العمل والمال يأتيان في مقدمة ما يشغل أغلبية الشعب المالطي ما بين سن العشرين والثلاثين. فالمعيشة والعمالة غير المستقرة و الحياة في مستوي توقعات المواطن هي جزء فقط من التعقيدات التي تُعرف الشباب في مالطا اليوم. فقضايا مثل العلاقات الثنائية والأسر ذات العائل الواحد، الهجرة والتعليم، ماتزال مطروحة على جدول الأعمال اليوم.

حوار مع السفيرة السويدية ومديرة المعهد السويدي بالإسكندرية السيدة بريجيتا هولست العاني:

04/07/2012

الوطن العربي يحتاج إلى ثورة فكرية وثقافية

ليرفد ثورته السياسية والاجتماعية