شباب الجزائر بين ضرورة التغيير وشبح الفوضى

 

ما هو موقف الشباب الجزائري من الربيع العربي؟ سؤال يطرح نفسه بشدة، ليس في الجزائر فقط، بل حتى على المستوى الإقليمي، فالشباب كان ولا يزال وقود الثورات الشعبية في العالم العربي والجزائر هي الجزائر: أكبر بلد في إفريقيا، محور اقتصادي حساس، مصدر تمويل طاقوي أساسي لأوروبا و الأهم من كل ذلك، فالجزائر هي أول بلد عربي ثار فيه الشعب ضد «الحقرة» والظلم والاستبداد للمطالبة بحقه في المواطنة و الديمقراطية. كان ذلك سنة... 1988 حين انتفض الشعب دون «فايس بوك» و لا «الجزيرة» ولا حتى كاميرات هواتف تنقل الحدث.

 

يخطئ من يظن أن الشباب الجزائري غير مهتم بالسياسة أو بالتغيير، فأكثر من 60 بالمائة من سكان الجزائر يقل سنهم عن 35 سنة و أكثر من 1.2 مليون شاب يزاولون الدراسة بالجامعة و أكثر من مليوني جزائري هم أعضاء بشبكات التواصل الاجتماعي. جس نبض الشارع الجزائري يبدأ، في الحقيقة، من... المقاهي، ملتقى الشعب بكل أطيافه وأصنافه وأعماره و توجهاته. كان لي حديث في عز «انتفاضة الزيت و السكر» مع مجموعة من الشباب الجزائري، اغلبهم جامعيين، التمست من خلال النقاش معهم نبذ شبه مطلق لمفهوم الثورة الشعبية على نهج الربيع العربي. الوضع في الجزائر معقد ولا يمكن اختصاره في هرم سياسي مبسط، قاعدته مضطهدة و هرمه فاسد فالشارع الجزائري يرى في الثورة ضد النظام رجوع إلى الوراء، إلى سنوات الجمر و الإرهاب، ومضيعة للوقت لان النظام فاسد والبديل مفقود والأحزاب مشكك في مصداقيتها لذا وجب التحفظ ووجب الحفاظ على ما هو قائم على أمل تحسن الوضع، بقدرة قادر، دون إراقة للدماء ولا مواجهة للمجهول. التوازن في الجزائر قضية حساسة حتى و إن كان ظرفي ومفبرك والكل يجزم أن المشكل يكمن في عجزنا عن الالتفاف حول مشروع مجتمع واضح المعالم و تثمين ما كسبناه من انفتاح و إن كان مجرد واجهة.

كيف يرى الشباب الجزائري الثورة لإسقاط النظام؟

 

ذكر لي الهواري ذو 25 سنة و هو طالب في علم الاجتماع أن «الشباب الجزائري» «ضد التخريب وضد الفوضى الخلاقة لان فوضى التسعينات لم تترك لنا سوى ذكريات أليمة من دم وعنف و دمار». صحيح أن التعاطي مع الوضع الحالي يلزم كل ملاحظ أن يأخذ بعين الاعتبار ما عاشته الجزائر خلال حقبة التسعينات عندما فاز حزب إسلامي بالانتخابات التشريعية واكتسح القواعد المحلية أمام ذهول الجميع. إلى يومنا هذا، لا يزال النقاش و الجدل قائمان حول صحة قرار العسكر التدخل وإلغاء نتائج الانتخابات لإنقاذ الجمهورية. لكن المتفق عليه، هو أن الجزائريين لم يختاروا حينذاك الإسلاميين لكونهم إسلاميين بل عقابا وانتقاما لحقبة الحزب الواحد ولو عاد حزب «الإنقاذ» ثانية اليوم لوجد نفسه معزولا على عكس ما حققه من انتصارات فور إعلان التعددية.

«كشباب جزائري، نحن نفتخر بقيام ربيع جزائري سبق الربيع العربي بأكثر من 20 سنة. ورغم أننا لم نحقق بعد كل ما ثرنا من أجله، إلا أننا سطرنا لأنفسنا منهجا نحو ديمقراطية قد يتنعم بها أطفالنا غدا»، يضيف رضوان، محامي من وهران ذو 30 سنة. لقد خيم شبح «العشرية السوداء» في الجزائر طيلة بداية السنة الجارية ومحاولة أحزاب سياسية معارضة استيراد الثورة الشعبية للجزائر، ففشلت بذلك كل المساعي لاستدراج الشباب إلى الشارع. وتقول في هذا الصدد نوال، 27 سنة، عاملة في مجال الاتصال: «لم ولن أخرج إلى الشارع من أجل إسقاط النظام لان الكل يعلم أن إسقاط النظام الحالي يعني ظهور نظام أخر، ربما يكون أسوء مما هو قائم حاليا. نحن لسنا في وضعية إخواننا في تونس فحتى وإن لم نكن ديمقراطية على شاكلة الدول الأوروبية، فلا يمكن القول أن الجزائر ديكتاتورية على نهج بن علي. في الحقيقة، يمكن القول أننا نعيش مرحلة انتقالية منذ سنة 1988». أما الشاب منصور، فيظن أن الجزائر قد أخلفت موعد التغيير بامتناعها عن مواكبة الثورات الشعبية في المنطقة ذاكرا : «أنا مع التغيير الجذري لان النظام الحالي يستغبي الشعب و يعتبره غير قادر على تحمل أعباء الديمقراطية لذا فانا أساند كل مساعي التغيير مهما كانت طبيعتها لان قناعتي الشخصية تقودني للاعتقاد أنه لو اتحدت قوى التغيير ضد النظام، لأسقطته لأنه ببساطة حامل لبذور فنائه».

من قوى المعارضة إلى الدعوات على «الفايس بوك»، لم تستثني رياح التغيير أي وسيلة لإقناع الشعب الجزائري للنزول إلى الشارع والمطالبة برحيل النظام. كلها باءت بالفشل الذريع ! لماذا؟

يعتبر كريم من ولاية داخلية أن مشكل المعارضة في الجزائر يكمن في خطابها. «المعارضة عندنا معارضة صالونات و ندوات فقط فوجودها الميداني يكاد ينعدم. أضف إلى ذلك أن كل من دعوا الشباب الجزائري للثورة مشبوه في مصداقيتهم إذ أنهم سبق لهم و أن تعاملوا مع النظام، فكيف لهم أن يطالبوا بإسقاطه اليوم؟»، يتسائل كريم. أما عن «الفايس بوك»، فيعتبر البعض أن الدعوات للاحتجاج غير موثوقة المصدر وهي فكرة تعززت بعد تدخل قوى أجنبية في الثورة الليبية وهو ما عزز من «نظرية المؤامرة» الخارجية. «لقد رأينا كيف تم احتلال ليبيا وتدويل قضيتها بعد أن كانت ثورة شعبية ضد نظام فاسد. أنا أطرح سؤال هنا : أهو أهون علينا بيع وطننا أو الكفاح من أجل الديمقراطية» تتسائل طالبة في العلوم السياسية. صحيح أن قضية التدخل الأجنبي هي قضية حساسة في الجزائر فالشعب الجزائري بأطيافه يرفض قطعا أي تدخل في شؤونه الداخلية. و مما يزيد من القناعة الشعبية السائدة حاليا في الجزائر هو دور الحكومات الغربية بالأمس في تعزيز و دعم الأنظمة الديكتاتورية ضد شعوبها والادعاء محاربتها اليوم. «لا يمكن الادعاء اليوم أن الجزائر في منأى عن التغيير كما لا يمكن القول أن بلدنا هو مثال للديمقراطية. لكن الأكيد هو أننا كشباب جزائري نريد بناء وطننا على طريقتنا، دون ضغوط أجنبية و بطريقة سلمية. ضحينا كثيرا لطرد الاستعمار و ضحينا كثيرا لانتزاع التعددية لكننا لن نقايض وطننا مهما كان الثمن»، يختم عبد النور، مدون جزائري.

شباب الجزائر اليوم متطلعون لغد أفضل، يكون فيه بلدهم قد تخلص من أشباح الماضي وآفات الحاضر من رشوة ومحسوبية واختلاسات للمال العام. شباب الجزائر يريد المشاركة في بناء وطنه وهو حتما غير مستعد، وفق المعطيات المتاحة اليوم، لأن ينخرط في أي مبادرة ترمي لتغيير النظام يكون العنف و التدخل الخارجي وقودها.

Related Posts

الهجرة غير الشرعية، رحلة البحث عن الموت

25/07/2012

تعرف الهجرة في علم السكان (الديموغرافيا) بأنها الانتقال - فرديا كان أم جماعيا- من موقع إلى آخر بحثا عن وضع أفضل اجتماعيا أم اقتصاديا أم دينيا أم سياسيا...

 

شباب المتوسط

02/04/2010

كيف يعيشون؟ و ما طموحاتهم؟ و ما هي العقبات التي تواجههم؟ نحن نسعى للإجابة  على هذه الأسئلة من خلال سلسلة من التحقيقات حول شباب المتوسط، في مصر و الجزائر و تونس و لبنان.

عادل السعدني : إلتزام و وضوح بصيرة

13/10/2010

عادل السعدني مناضل لا يكل إنه أحد النشطاء الرئيسيين في الحياة الثقافية في الدار البيضاء . هذا الرجل الذي استخلص من تجاربه العديدة رؤية قوية لدور الثقافة .