الفسيفساء السورية

 

1-المكونات العرقية

يشكل المواطنون العرب غالبية الشعب السوري. وثمة جدل كبير بين المؤرخين والمفكرين حول أصول العروبة السورية ففي حين يرى المؤمنون بالإيديولوجية القومية العربية أن سورية عربية منذ بدايات استقرار السكان فيها (أي من الألف الثامنة قبل الميلاد)، وبالتالي فكل الحضارات التي عرفتها أرضها قبل ما يسمى بالفتوحات العربية الإسلامية هي حضارات عربية، يرى أنصار القومية السورية أن أصول سورية ليست عربية وإنما استعربت مع تلك الفتوحات واستمرت كذلك حتى يومنا هذا.

يشكل العرب اليوم أكثر من 80% من مجمل المواطنين السوريين، فهم المكون القومي الأكبر الذي يمنح للبلد صفته القومية. وتعزز السياسات السورية المتتابعة على الحكم في سورية هذه الصفة القومية فاسم الدولة هو الجمهورية العربية السورية، والدستور يثبت صراحة عروبة الدولة، وتقوم الأجهزة الإيديولوجية للدولة بتكريس هذه الصفة، فتنكر كليا الأصول غير العربية للوطن السوري بل وتتجاهل وجود أقليات قومية، وخاصة الأقلية الكردية والأقلية الأرمنية، لا تتشارك مع العربية بخصائصها القومية الأساسية كاللغة أو الثقافة أو التقاليد.

لقد شكلت منطقة شرق المتوسط، والتي تشكل سورية الطبيعية القسم الأكبر منها، منطقة استقطاب وعبور للعديد من الشعوب والحضارات. ويحصي علماء التاريخ ثمانية وثلاثين حضارة مرت فيها، منها ما عبرها ومنها ما استقر ليشكل أقلية قومية فيها، وليترك بصماته في ثقافتها.

يمكننا في الحقيقة التمييز بين فئتين من المكونات القومية في المجتمع السوري: المكونات القومية المتأصلة في المكان، والمكونات القومية المهاجرة.

1- المكونات القومية المتأصلة في المكان: والمقصود من ذلك هو المجموعات القومية التي يعود تاريخ وجودها في المنطقة إلى حقب بعيدة مما يجعل من الصعوبة بمكان أن نتلمس بداية هذا الوجود. هذه هي حال المكون العربي مثلا، لكنها أيضا حال الأقليات الآشورية والسريانية، وبشكل أكثر وضوحا، الأقلية الكردية.

تعود أصول الأقلية الأشورية الصغيرة إلى مملكة آشور التي أسست في القرن الواحد والعشرين قبل الميلاد. وقد اعتنق الآشوريون الديانة المسيحية ويتكلمون حتى اليوم اللغة الآرامية الشرقية في الشمال الشرقي واللغة الآرامية الغربية (وهي اللغة التي كان يتكلمها السيد المسيح) في منطقة تواجدهم بالقرب من العاصمة دمشق. وعددهم قليل بشكل عام وأخذ يتناقص بتسارع خطير في العقود الأخيرة بسبب هجرة قسم كبير منهم إلى بلدان أوروبا الغربية (خاصة السويد).

أما الكرد فهم يشكلون 15% تقريبا من المجتمع السوري أي ما يقرب من ثلاثة ملايين مواطن. وهذا الرقم عرضة للكثير من التصحيحات لأن من شبه المستحيل أن نعرف العدد الحقيقي للمنتمين إلى القومية الكردية في سورية. ليس لعدم وجود إحصاءات دقيقة في سورية فحسب، وإنما أيضا لأن الكثيرين من الأكراد السوريين انصهروا كليا في النسيج العربي، وخاصة في المدن الكبرى مثل دمشق وحلب وحماة...

يقطن الأكراد في كل الأراضي السوري لكن كثافتهم تزداد في بعض الأحياء التي تجمعوا تاريخيا فيها، مثل حيّي "ركن الدين" و "جبل الرز" في دمشق، وحارة "البرازية" في حماة... وكذلك في المنطقتين الشمالية والشمالية الشرقية من سورية وخاصة في بعض المدن مثل القامشلي (قامشلو) والدرباسية وعامودا وغيرها.

 

2- المكونات القومية المهاجرة:

تتميز بعض الأقليات القومية الداخلة في تكوين فسيفساء شرق المتوسط بكونها جاءت من هجرات جماعية كبيرة تمت في لحظة زمنية معينة لشعب كامل، أو لجزء من شعب، مكتمل القومية. وغالبا ما تجد هذه الهجرات أصلها في أحداث التاريخ غير البعيد. فلو أخذنا كمثال على هذا الأمر أصل الأقلية الأرمنية، وهي أقلية دينية/قومية يبلغ تعدادها ما  يقرب من مائتي ألف مواطن في سورية وحدها، لوجدنا أنها جاءت إلى المنطقة واستقرت فيها هربا من المجازر التي ارتكبها القوميون الطورانيون المتطلعون لبناء (إمبراطورية السهوب) في نهاية العقد الأول من القرن العشرين. وقد بدئ بتنفيذ تلك المجازر في أواخر شهر نيسان عام 1915 وانتهت بقتل ما يزيد عن مليون أرمني وتشريد مئات الآلاف الذين جاء قسم كبير منهم إلى المنطقة.

لقد حافظ الأرمن على الكثير من خصائصهم القومية، فهم يستخدمون لغتهم في التخاطب بينهم، ويمارسون شعائرهم الدينية في كنائسهم (الأرثوذكسية والكاثوليكية)، ويمارسون التقاليد الاجتماعية الخاصة بثقافتهم. وهم مندمجون تماما في النسيج المجتمعي المديني السوري (وخاصة المدينتين الكبريتين حلب ودمشق) حيث نجدهم في مجمل مجالات العمل وخاصة في بعض المهن الحرة التي تميزوا بإتقانها على مر الأجيال مثل التصوير والخياطة والميكانيك والموسيقا وفي بعض الاختصاصات العالية كالطب والهندسة.

أما الشراكسة فقد هاجروا من الأراضي الروسية بعيد الحرب بين الإمبراطوريتين الروسية والعثمانية، واستقر عشرات الآلاف منهم في القرى الممتدة من إسكندرون في الشمال إلى فلسطين جنوب سورية وخاصة في منطقة الجولان. وكان إسكانهم في هذه المنطقة ضمن خطة عثمانية تهدف إلى تعمير مواقع المياه على الطريق بين دمشق والمدينة المنورة في الجزيرة العربية لضمان المواصلات بين سورية والحجاز، وقطع الطريق أمام بريطانيا التي كانت تخطط للسيطرة على مصر والحجاز.

على غرار الأرمن، بقي الشراكسة متآلفين، على الرغم من تحدّرهم من أربعة أصول قبلية مختلفة (الأبازاخ، القبرطاي، البجدوغ، الحتقواي)، تربط بينهم الخصائص القومية التي حرصوا على صيانتها والمحافظة عليها. فهم يتخاطبون بين بعضهم البعض بلغتهم، بل وبلهجات متعددة، ويحترمون إلى حد كبير التقاليد الاجتماعية الخاصة بهم وبخاصة في قضايا الزواج وفي أشكال التعبير الثقافية. ويتميز الشراكسة عن الأرمن في درجة انخراطهم في الوظائف العامة كالجيش والإدارة وفي أماكن استقرارهم حيث لا يزال قسم كبير منهم يقطن في البلدات الريفية التي هُجّر إليها أجدادهم.

كذلك نجد مكونات قومية أخرى هاجرت بشكل جماعي هربا من استبداد الإمبراطورية العثمانية واختارت الاستقرار في سورية مثل التركمان والداغستان والأرناؤوط والشيشان والقزق والبوشناق... لكنها بشكل عام مكونات صغيرة، وهذا ما جعلها أكثر عرضة للانحلال في المجتمع وبالتالي أضاعت الكثير من خصائصها القومية.

على العكس من المجتمعات المختلطة، كما هو الحال في أمريكا أو بريطانيا وغيرهما من الدول الغربية التي استضافت أعدادا كبيرة من المهاجرين من أصول مختلطة، تبدي الأقليات القومية الأصيلة منها أو تلك التي تتشكل نتيجة لهجرة جماعية قدرا كبيرا من المحافظة على لحمتها العضوية، معتمدة في ذلك على استمرارية روابط القربى والتضامن الجمعوي. فتكوّن في المنطقة المضيفة شعبا مشبعا بروح قومية منافية لقومية المنطقة المضيفة مما يشكل نوى محتملة لتصدعات في النسيج الاجتماعي لهذه المنطقة، على عكس هجرات الأفراد الذين يضطرون للاندماج في ذاك النسيج بسرعة كبيرة.

ومع وصول الأحزاب ذات الإيديولوجية القومية العروبية إلى السلطة في سورية، وبشكل خاص بعد تفرّد حزب البعث في السلطة، خضعت المكونات القومية لأسلوبين مختلفين من التعامل حسب أصل الأقلية.

فمن جهة، تحظى الأقليات المنحدرة من هجرات أقوامية من خارج سورية بشيء من التسامح والحرية. فالأرمن والشراكسة مثلا يستطيعون استخدام لغاتهم في الطباعة وفي الكتابة. وهناك مؤسسات دينية وثقافية تعود إلى الأقلية، فتؤمّن تعليم اللغة القومية وتقدم خدمات متعددة تهدف إلى الحفاظ على التراث الثقافي الخاص. بل ثمة مدارس أيضا، مؤممة طبعا مثل أغلب المدارس الخاصة العريقة (أي الموجودة قبل عهد بشار الأسد)، تعود لتلك المؤسسات.

أما من جهة أخرى، وعلى العكس من ذلك تماما، تُمنع الأقليات المتأصلة فوق الأرض السورية من إشهار خصائصها الثقافية القومية بشكل ممأسس. ومن أغرب الأمثلة على ذلك قضية التعامل مع اللغة الآرامية. فالسلطات السورية المتعاقبة كانت دائما تبالغ في إبراز هذه اللغة كمَعلم ثقافي جاذب للسياحة الدينية المسيحية، لكنها في الوقت نفسه ماطلت عقودا طويلة قبل السماح بتأسيس معهد خاص لتعليم هذه اللغة، أو بنشر معجم آرامي-عربي.

وقد عانت الأقلية الكردية أكثر من أي مكون اجتماعي آخر في سورية من سياسة القمع القومي للبعث، فمن حرمان عشرات الآلاف من الكرد السوريين من الجنسية، إلى نقل المواطنين الأكراد المقيمين على طول الحدود مع تركيا إلى مناطق تبعد من 10 إلى 15 كم في عمق الأراضي السورية واستبدالهم بمواطنين سوريين عرب في ما عرف وقتها بمشروع "الحزام العربي"، إلى القمع الممنهج والمستمر لكل مبادرة لإحياء الثقافة الكردية الخاصة بما في ذلك الاحتفالات السنوية بعيد رأس السنة الكردية (النيروز) أو الغناء بالكردية في الأماكن العامة... كلها نماذج لسياسة واحدة تهدف إلى قمع التعبير القومي للأقليات المتأصلة.

إن التساؤل عن أسباب هذا الاختلاف في تعامل السلطات البعثية مع الأقليات القومية بحسب أصولها تساؤل مشروع. ولعل الإجابة الوحيدة هي أن القوميات المهاجرة لا يمكنها أن تشكل خطرا على وحدة الأراضي السورية، لأن مرجعيتها تقع بعيدا عن حدود الوطن، في حين أن المرجعية السياسية والحضارية للأقليات القومية المتأصلة تقع داخل الحدود، وأي مبادرة قومية استقلالية قد تؤدي إلى المطالبة بالأرض القومية، أي إلى خطر المطالبة باقتطاع جزء من أرض الوطن. إن هذه الأساليب في التعامل مع الأقليات القومية تكشف فشل السلطة في سورية في صياغة وطن لكل مواطنيه على حد سواء، وطن مبني على أساس المواطنة وليس على أساس الاستبداد.

حسان عباس

باحث من سورية

 

Related Posts

الممثل والمخرج السينمائي الفاضل الجزيري

05/07/2012

السلفيون خطر على الإبداع... لا أرغب أن أكون وزيرا... والترجي فريقي المفضل...

 

ساركو وحصان نابليون

13/07/2008

في إطار ملف خصصته باب المتوسط لـ "الاتحاد من أجل المتوسط"، مقال يقدم نظرة نقدية ويثير بعض التساؤلات حول هذا المشروع الساركوزي.

تهتف الأن في التحرير في الذكرى الأولى لكشوف فحص العذرية سميرة ابراهيم: بنت عادية كسرت حاجز الخوف والصور النمطية

11/03/2012

لم تمتلك سميرة ابراهيم ذات الخمسة والعشرين عاما تاريخا نضاليا من قبل، فهي لم تكن ناشطة سياسية تشارك في الحراك...