الثورات العربية، ديمقراطية أو لن تكون !

أبوي يجعل من العسير إقناع الناس بأن المستقبل الأفضل يتمثل في بناء الدولة الحديثة وإرساء المجتمع الحديث القائم على احترام الحريات والأفراد. تطغى على الكثير من الناس الرغبة في أن يستبدلوا على الفور أبا بآخر يظنونه أكثر عدلا ورفقا بهم، فينتقلون إلى سراب جديد بدل أن يكابدوا عناء تغيير العقليات والأوضاع واجتثاث الاستبداد من الجذور. والكثير من الناس لا يدركون ولا يرغبون في الإدراك أن تاريخ الاستبداد والفتن والتطرف تاريخ طويل في ثقافتنا، وأن استبدال مستبد بآخر هو ديدننا منذ قرون، وأن الثورة لا تعني استعادة نفس النظام مع تغيير رموزه بل وضع حدّ لهذا المسلسل الطويل تناغما مع ما حققته الكثير من الشعوب قبلنا عندما اختارت الديمقراطية بديلا عن كل الأنظمة الشمولية القديمة والحديثة، ومنها الدولة الدينية.
هنا يبرز التشابه مع الحالة العراقية: إذا كان الإنسان مدنيا بالطبع كما قال ابن خلدون، ثم غاب العقد المدني الجديد الذي يوجه علاقة الأفراد بعضهم البعض وعلاقتهم بجهاز الدولة بعد سقوط الاستبداد، فإنهم يرتمون في أحضان الولاءات التقليدية أو الطبيعية، لتوفر لهم الملاذ الآمن في المراحل الانتقالية العصيبة. فيسقط استبداد الدكتاتور ليبدأ استبداد شيخ القبيلة وإمام الطائفة وخطيب المسجد وكل من توارث بعضا من السلطة الرمزية التليدة في المجتمع، فهؤلاء أقلّ خطرا من الفوضى ومن فزع الفراغ، وربما كانوا أيضا أقل شرّا من دكتاتور واحد يستبدّ بالجميع. لكن النتيجة على المدى الطويل لن تكون إلا مخيبة، وهذا ما كنا قد توقعناه للعراق سنة 2003 عندما رأيناه يسلك هذا المسلك، وهذا ما نراه حال العراق اليوم وهو يكابد الانقسام الطائفي حتى بعد انسحاب القوات الأمريكية، وهذا ما نتوقعه لمجتمعات الثورات العربية إذا أصرّت أيضا على أن تسلك نفس الطريق، لا سيما أن الدعاية الأمريكية قد نجحت في إقناعنا بأن واشنطن مجرد متفرج على الثورات العربية وأن أوباما وكلينتون وليبرمان يساندون ثوراتنا لوجه الله ومن موقع تعلقهم الأخلاقي المتجرد بالحرية والديمقراطية.


ليس مراد قولنا إنّ مجتمعات الثورات العربية ستعيد حتما النموذج العراقي الخائب، لكن ذلك وارد ولذلك نحذّر منه ونحاول أن نرفع أصواتنا بقدر ما نستطيع بهذا التحذير، مع أننا ندرك بأن صوت المثقف لا يمكن أن ينافس السياسي الشعبوي والمتحيل على الناس بالدين أو بالوطنية والمتخصص في بيع الهواء للسذج والمستثري على حساب الناس الطيبين. من هذا المنطلق نقول لثوّار سوريا البواسل احذروا من فخ عسكرة الثورة والاستعانة بجيوش أجنبية كما تسعى إلى استدراجكم إليه واشنطن ووكيلتها المحلية قطر، لأن استمرار الثورة سنة أخرى وسقوط الآلاف من الشهداء على ما فيه من مآسي سيكون أقل تكلفة على المدى الطويل من خضوع سوريا إلى تقسيم جديد، على غرار "سايكس بيكو"، بين القوى الدولية والإقليمية المتربصة، فلا تجعلوها عراقا أخرى.
ونقول للمصريين إنّ مثال السودان قريب منكم، وما السودان إلا دولة استحوذ بها الحكم باسم الدين فمزقها شطرين وجعلها من أفقر الأمم على الأرض، فالمستقبل الحقيقي لمصر، بوزنها الاستراتيجي والتاريخي العريق، هو قيام دولة ديمقراطية تستوعب جميع أبنائها وتنفتح لكل اختلافاتهم الدينية والسياسية وتتعامل معهم بصفة المواطنين أولا وأخيرا، والديمقراطية تستوعب كل ألوان الطيف السياسي من السلفية إلى الإخوان المسلمين إلى اليسار والليبرالية، على أن تظلّ مصر فوق الجميع وتعلو قداسة النفس البشرية على كل اعتبار.
ونقول للأخوة في ليبيا إن عهد الجماهيرية الفوضوية قد ولّى مع العقيد الدجال وأنكم مطالبون اليوم بإرساء الدولة الحديثة وأن أول أسس الدولة الحديثة التخلص من كل الميليشيات والمجموعات المسلحة والتسريع بتنظيم الانتخابات وصياغة دستور وقوانين، فلا تقبلوا بالتفتيت القبلي لليبيا ولا تقسموها مناطق نفوذ بين القوى الأجنبية التي يسيل لعابها لمجرد ذكر الاحتياطي الهائل للنفط والغاز في البلد. لا تكرروا النموذج العراقي الذي يدعي أنه فيدرالي وهو في الحقيقة تقسيم غير معلن للبلد.
ونقول للحزب الحاكم في تونس، حزب النهضة الإسلامي، إنه قد حان الوقت ليحسم خياراته بين أن يتحالف مع القوى الحداثية المعتدلة وغير الاستئصالية لبناء المجتمع المدني الديمقراطي القائم على الحرية والمواطنة وحقوق الإنسان والتداول على السلطة، أو أن يعيش وهم الجبهة الإسلامية الجامعة الذي يجعله يساير تيار متطرف يحتلّ كلية الآداب ويعلن هنا وهناك قيام إمارات إسلامية بائسة ويعنّف النساء ويهدّد المثقفين والفنانين، ولن تنفع شطحات ناطقيه الرسميين في محاولاتهم تبرير ما لا يحتمل التبرير، فبلاغة الحملات الانتخابية تفقد جدواها عندما يصبح الحزب حاكما ومطالبا بتحمّل مسؤولياته تجاه الاعتداءات التي تطال المواطنين.


ونقول لمجتمعات الثورات العربية عموما احذروا خطباء السياسية والدين فإنهم في كل واد يهيمون ويقولون ما لا يفعلون. انصتوا لصوت العقل وتذكّروا أنّ الثورات العربية قد انطلقت تلقائيا عندما انقطع الأمل على الشباب حتى أحرقوا أنفسهم في الساحات العامة وواجهوا رصاص المستبدين بصدور عارية وتمنّوا الموت بكرامة على الحياة البائسة. لو راجع هؤلاء خطباء الدين لأفتوهم بأن الانتحار حرام ولو راجعوا خطباء السياسة لطلبوا منهم أن ينتظروا إشارات القيادة، لكن هؤلاء "ركبوا رؤوسهم" وانتقلوا للفعل دون مقدمات، فلم تخرج الثورات العربية من عباءة أحد، بل هؤلاء هم الذين حرّروا القول الديني والقول السياسي من الاستبداد لنعيش اليوم هذه الطفرة من الأصوات التي تتنافس على ركوب ثوراتهم.


الدكتور محمد الحدّاد.

Related Posts

الكوطة تقحم المرأة الجزائرية في الساحة السياسية... بقوة القانون

22/03/2012

أراد « بوتفليقة»  لإصلاحاته أن تفرض حصص للمرأة في المجالس. الوقت سيعطيه الحق لأن لولا سياسة « الكوطة»  لما أولت الأحزاب أهمية للعنصر النسوي...

 

زينب فرحات، سيدة ديارها

02/07/2010

هذا لقاء مع زينب فرحات، ممثلة المسرح، و الناشطة النسوية، و المناضلة من أجل القضية الفلسطينية، و التي تتولى مع زوجها، المخرج المسرحي توفيق جبالي، مسؤولية إدارة دار  "تياترو"، أحد أماكن الإبداع المستقل النادرة  في تونس.

الطالبات الشابات الفرنسيات محترفات اكتئاب

29/05/2008

طبقا لحملة استطلاعية الشبان والشابات من الفرنسيين الذين تتراوح أعمارهم من خمسة عشر إلى ثلاثة وعشرين عاما، هم أكثر الناس تشاؤما.