الألتراس .. من الاستاد إلى الميدان بحثا عن الحرية

الألتراس .. من الاستاد إلى الميدان بحثا عن الحرية

قتلوا الألتراس الأحرار علشان وقفوا مع الثوار"، لم يكن هذا الهتاف الذي تعالى مثل هدير صاخب من شباب في زهرة العمر أمام النادي الأهلي بالقاهرة متوجهين من كل صوب إلى وزارة الداخلية بالتحرير مجرد تنفيسا عن الغضب العارم الذي اعترى مشجعي الكرة بعد مقتل 77 من إخوانهم في مباراة الأهلي والاتحاد في مدينة بورسعيد في 1 فبراير الماضي.
ولم يكن فقط معبرا عن المطالبة بالقصاص ممن تواطؤوا لإتمام المجزرة المروعة التي لم يشهد تاريخ الكرة المصري مثيلا لها والتي قتل فيها أفراد ألتراس –وللعجب-  من الفريق المنتصر في المباراة، أي الأهلي، والتي تعكس انفلاتا أمنيا ممنهجا تحت ولاية المجلس العسكري للبلاد وفي غياب مدير الأمن ومحافظ المدينة وعلى مرئى من حراسة بعض أفراد الأمن.
بل عكس هذا الهتاف العبقري الثاقب والسريع –كعهد الألتراس دائما- عبثية الانتقام من شباب من مشجعي الكرة تتراوح أعمارهم ما بين 14 إلى 22 ربيعا، عبرت عنه الأمهات الثكالة في مظاهرة نسائية تبعت المجزرة رفعت فيها لافتات موجعة تحمل شعار "إبني ذهب يشجع مباراة رجع ميت" أو "قتلوا الألتراس الأحرار علشان وقفوا مع الثوار" هو تلخيص دال لموقف الألتراس النضالي منذ إطلاق الشرارة الأولى لثورة 25 يناير 2011، وتعبيرعن العداء التاريخي الذي يكنه مشجعو الكرة من أي فريق كان لوزارة الداخلية، فكم من المحطات المصيرية في مسيرة الثورة المصرية لم تكن لتنجح لولا دعم أفراد الألتراس؟ يوم 28 يناير 2011 حين أتت جحافل الالتراس مع غيرهم من الشباب من ناهيا وبولاق والجيزة وشبرا متقدمين وسط الغازات والخرطوش إلى التحرير قبل أن تنسحب قوات  الأمن نهائيا. أو حين لعبوا دور فرق الانقاذ التي تأتي في الوقت المناسب تسارع بنقل المصابين على ظهر موتوسيكلات بهلوانية سواء في أحداث مسرح البالون التي كانت ضد أسر الشهداء، أو في أحداث محمد محمود أوالقصر العيني الدامية. كما تجلى دورهم أيضا في الاسكندرية وفي السويس التي فقدت شهيد الألتراس محمد مكوة. أو في أحداث الهجوم على سفارة إسرائيل ومشاركة الالتراس في المظاهرات أمامها.
هم مجرد مشجعو كرة القدم الذين عُرفوا في مصر بالمسالمة والبعد عن العنف، ووقعت تسميته بالألتراس ultras وهي كلمة لاتينية تعبر عن حبهم الشديد وتعلقهم الجامح بناديهم وموقفهم الراديكالي في انتمائهم إلى فريق بعينه. تولدت لديهم عبر سنوات القمع كراهية شديدة للداخلية وما تمثله مما جعلهم يتماهون مع الثوار، هؤلاء الذين خرجوا في ميادين مصرالمختلفة غضبا من مقتل خالد سعيد على أيدي أفراد الشرطة، أو أولئك الذين ضاقوا من ممارسات التعذيب وانتهاك آدمية الانسان فنزلوا جميعهم مطالبين بالكرامة الانسانية.

 

الألتراس .. من الاستاد إلى الميدان بحثا عن الحرية

الثأر من الشرطة

في كتاب "ألتراس"الذي صدر عن دار دون منذ ثلاثة أشهر وكتبه محمد جمال بشير أحد أفراد ألتراس الزمالك المسمى "الوايت نايتس" White knights، يقدم بشير أو جيمي هود -كما كان يسمى كمدون شهير- نشأة حركة مشجعي الكرة عالميا وفي مصر بشكل خاص، والتحامهم بفرق كرة القدم لدرجة اعتبارهم بمثابة اللاعب رقم 12، ويقتفي فيه الكاتب تاريخ الألتراس منذ ظهورهم في مصر في الثمانينات ثم بين صفوف فريق الأهلي بشكل منتظم منذ 1996. "في استادات كرة القدم بجميع أنحاء العالم يطلق عليهم اللاعب رقم 12 لما لهم من قوة تأثير داخل وخارج المدارج، وفي وسائل الإعلام  المصرية ينعتون بالمتعصبين والمخربين بل وفي بعض الأحيان بالكفرة والملحدين، ولم يكلفوا أنفسهم عناء الاقتراب من جوهر ثقافة هذه المجموعات وكيف تعمل ومالها من ثقافة وتاريخ يوجه هذه المجموعات ويرسم قراراتها وردود أفعالها المثيرة للجدل في أغلب الأحيان"، كما يذكر محمد جمال بشير في مقدمة كتابه، حيث كان الموقف الملتبس من الألتراس وخاصة بعد الثورة أحد أسباب خروجه عن صمته الذي عُرف به أفراد ألتراس الذين يعادون الإعلام والداخلية وجميع أشكال السلطة المخادعة والقاهرة.

فعقيدة الألتراس –على نطاق عالمي- أن كل رجال الأمن أوغاد « All cops are bastards »  (أو ACAB)، فبشكل أولي تتعارض النظرة الأمنية المتعسفة التي تبحث عن استقرار الملعب والسيطرة عليه بقبضة من حديد مع كل ما يقوم به المشجعون من مجموعات الألتراس عالية التنظيم، بداية من الدخلات الجماعية المبدعة التي يكونونها والهتافات والأغاني إلى الطبول والشماريخ، وكلها يرفضها الأمن ويعتبرها مصدرا للشغب داخل الاستاد بينما يرى الألتراس موقف الأمن منغصا لمتعتهم ومتعديا على حريتهم.  ففي الوقت الذي يعتبر مجموعات الألتراس أن الألعاب النارية والشماريخ هي أساسية في تشجيع فريقهم، متمثلين في ذلك فرق مشجعي الكرة في أمريكا اللاتينية والعديد من بلدان العالم، فإن الأمن يعتبرها خطرا على سلامة الأفراد وسلامة الاستاد، ويرى بشير أن الحل بسيط ويكمن في "وضع وسائل الإطفاء  بالرمل داخل المدارج ليستعملها المشجعين في إطفاء الألعاب النارية بدلا من إلقائها على الملعب وهو النظام المتبع في عدة دول تخلصت من الخوف المرضي من الألعاب النارية التي تسعد الجماهير وتبهجهم".

الألتراس .. من الاستاد إلى الميدان بحثا عن الحرية

أما العداء تجاه الأمن الذي تجلى في عدة أحداث منذ الثورة المصرية، فيعود إلى سنوات بعيدة، بل يتقاسمه أيضا الألتراس على مستوى العالم ويرجع لقضايا عديدة أشهرها قضية سانتوس الشاب الفرنسي مشجع فريق مارسيليا الذي دافع عن رفاقه ضد بطش قوات الأمن الإسبانية وتم اعتقاله وحكم عليه بالسجن 13 عاما تم تخفيضها إلى أربعة أعوام بتهمة الاعتداء على الأمن وإثارة الشغب.  ويذكر محمد جمال بشير في كتابه مثال للثأر الدائم بين الألتراس والأمن في بطولة ديربي عام 2009 بين الأهلي والزمالك وفي خضم الاستعدادات التي كانت تدور على قدم وساق، فإذا بحملة من الاعتقالات تباغت نواة المجموعتين الكبار في ليلة المباراة لمنعهم من حضورها، كما طاردت قوات الأمن أفراد ألتراس وايت نايتس في شوارع القاهرة بعد أن كانوا يحضرون لدخلة مساندة لفلسطين في ذكرى الانتفاضة، ليمر الديربي "الصامت" بدون دخلات في سابقة غريبة من نوعها.

الألتراس .. من الاستاد إلى الميدان بحثا عن الحرية

 

علاقة ألتراس بالسياسة

يبرز العداء الشديد للسلطة الأمنية من خلال العديد من الأغنيات التي ابتدعها أفراد الألتراس مثل تلك الأغنية التي وجهوها لفرد الشرطة : "كان دايما فاشل .. في الثانويه .. يادوب جاب .. 50% .. بالرشوه خلاص الباشا اتعلم .. وخد شهاده ب100 كلية ..ياغراب ومعشش .. جوا بيتنا .. بتدمر ليه .. متعة حياتنا .. مش حنمشي علي مزاجك .. ارحمنا من طلة جنابك .. لفق لفق .. في القضيه .. هي دي .. عادة الدخلية". ثم توالت بعدها أغنيات كانت لسان حال ميدان التحرير مثل "مش ناسيين التحرير" أو "25 يناير قلناها بأعلى صوت" والتي توثق لمشاركة الألتراس في الثورة منذ ايامها الأولى.

الألتراس .. من الاستاد إلى الميدان بحثا عن الحريةوعلى الرغم من ذلك كله ينفي البعض من الألتراس فكرة ضلوعهم في الشأن السياسي[1]، كما لو كانت تهمة يتبرأون منها، فرغم كل الوقائع التي ذكرها بشير في كتابه، ورغم ما شهدناه من انغماس حركة الألتراس في لحظات الثورة الحاسمة، إلا أنه هو نفسه ينكر هذا الدور السياسي على مجموعات الألتراس المصرية. حيث يقسم الألتراس إلى ثلاثة تصنيفات عالمية، مجموعات اليسار أو ما يطلق عليهم «أنتيفا» وهى مجموعات تأسست على خلفيات سياسية يسارية لأفرادها، ومجموعات اليمين التى هى فى العادة مجموعات عنصرية شديدة التطرف، ومجموعات أخرى غير مسيسة نتيجة عدم توافق أفرادها على اتجاه سياسى محدد، وهو ذلك النوع الذى تنتمى إليه أغلب مجموعات الألتراس المصرية. وهذا ما يجعلها –بحسب بشير- تقف عند حد المطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية وحد المشاركة المجتمعية لأفرادها. ولكن أليست هذه الثلاثية وحدها كفيلة بإحداث التغيير المنشود؟ أيا كان المسمى، قد تكون السياسة بصورتها الفطرية، وقد تكون روح الانتماء الشديد لجماعة ما تتسع لتشمل وطنا كاملا ، أيا كانت المسميات فقد ظهر جليا في الآونة الأخيرة إلى أي مدى تبث الجماعات المنظمة الرعب في صدور النظام، وخاصة تلك الجماعات الثورية بطبيعتها مثل الاشتراكيين الثوريين ممثلي اليسار الراديكالي، أوالناشر اليساري محمد هاشم الذي حول دار نشره ميريت إلى معقل لشباب الثوار وأخيرا ألتراس الذي أثبتت الأيام يوما بعد يوم أنهم الباحثون دوما عن الحرية، كما يتغنون مصممين : "قالوا الشغب فى دمنا .. وازاى بنطلب حقنا .. يانظام غبى افهم بقا مطلبى .. حرية .. حرية .. حرية .. حرية"

 


[1] -راجع مقال بجريدة الشروق "الألتراس السياسى.. مجموعات تستحضر روح المشجع الرياضى".

Related Posts

مسرحية "الخلوة" لتوفيق الجبالي: هكذا يورطنا المسرح في الفعل السياسي

23/12/2011

مسرحية "الخلوة" لتوفيق الجبالي: هكذا يورطنا المسرح في الفعل السياسيعندما تجد نفسك متورطا أمام "إنتاج" مسرحي يعسر معه فصل السياسي عن الجمالي فتأكد أن مهمة تفكيك المتن عمل عصيب ومحفوف بالمزالق، وأن "قنص" الهوامش الملقاة على قارعة الركح تحت الضوء هي حتما مهمة عسيرة المنال

 

دمشق وقصة السينما

21/04/2008

البطل الأميركي الذي سينقذ العالم بعد قليل من شرور جماعات المغرب وعطارد، يحلّ اليوم ضيفا في إحدى اهمّ صالات العرض بدمشق.

بحال بحال

06/07/2015

بحال بحالبعد المنع الذي طال مسرحية "بحال بحال" يوم 13 يونيو بمدينة الرباط، تم من جديد، منع العرضين المرتقبين لنفس المسرحية بمدينة طنجة، وذلك يومي 4 و5 يوليوز2015