الخطاب الدّيني والممارسات العلمانيّة

في الوقت الذي تحتل فيه الحركات الإسلاميّة الصدارة في الانتخابات بتونس ومصر والمغرب يذهب يوسف بلال إلى أنّ المثال المغربي ينبني على تقدّم واضح للعلمانيّة  ويرفض هذا الباحث الشاب المتحصّل على الدكتوراه في العلوم السياسيّة تسمية الجماعات في اللغة الفرنسّية "Islamiste" ويحبذ تسميتهم بـ "islamique"  ويركّز جهوده في أطروحته التي اختار لها في البداية عنوان: "طريق البهجة في العالم من جديد: السلطة والعقلانيّة في الإسلام المغربي" على الفاعلين الأساسيين الثلاثة الذين يتبنّون الخطاب الديني: الملكيّة  وحركة عبد السلام ياسين "العدل والإحسان" وحركة التوحيد والإصلاح التي تفرّع عنها حزب العدالة والتنمية وهو الحزب  الذي عيّن أمينه العام رئيسا للحكومة على إثر الانتخابات التشريعيّة التي تمت في 25 نوفمبر 2011 . ويرجع اهتمام يوسف بلال بالديمقراطية تنظيرا وممارسة إلى سنوات عديدة حيث كان أبوه شخصيّة مرموقة في الحزب الشيوعي المغربي "حزب التقدم والاشتراكيّة". وهو ما جعله يجري بحثا ميدانيّا طيلة سنتين اثنتين في صفوف مناضلي "العدل والإحسان" وحركة التوحيد والإصلاح وحركة العدالة والتنمية للتعرّف على منطلقاتهم كما دقق النظر في الوثائق والمخطوطات لتبيّن الصلة الرابطة بين السياسة والدين منذ سنوات الثلاثينات من القرن العشرين. وتهدف أبحاثه التي تمتاز بالثراء الفكري وبجودة الكتابة متوخيّة المنهج الفيبيري "Weber" إلى الكشف عن الوسائل التي يعمد إليها الفاعلون السياسيون في إنتاج زعامتهم وتبريرها و إقامة خطاباتهم ومسوغاتها والنفاذ إلى كيفيّة تفعيلهم لشرطين أساسيين من شروط الديمقراطية ;هما: التعدديّة والنقاش العام للمسائل.

 

التسلّط بأثواب دينيّة:

يرفض يوسف بلال النظرة ذات الانتشار الواسع في العلم الغربي والتي تذهب إلى اعتبار الحركات الإسلاميّة معادية للحداثة ومناقضة للديمقراطية ويرى فيها "استشراقا جديدا" وما يبرز بصورة جليّة في كتاب "الشيخ والخليفة"   (1) هو حقيقة أنّ الدولة هي التي تعمد في أغلب الأحيان إلى فرض بل محاولة تبرير صبغتها المتسلّطة  بالاستناد إلى الدين معرقلة بذلك انطلاق المجتمعات نحو مزيد من التحرر و ظهورالحركات الدينيّة .

أن يرتكز التسلط على الدين ليس في ذلك أيّ جديد إذ توجد صفحات واضحة حول الطريقة التي انتهجتها الملكيّة لتحقيق ذلك ويفصّل يوسف بلال صورة الإمام والوليّ التّي
كانت للسلطان محمد الخامس في الجمع بين السلطة الروحيّة والسلطة الدنيويّة مفوّضا في ذات الوقت كل ما من شأنه أن يشوّه صورته الدينيّة إلى الحسن الثاني: "وقد شهدنا في سنوات 1955 – 1961 نوعا من توزيع الأدوار بين ملك يمارس السلطة استنادا إلى رصيده الرمزيّ وبين ولي عهد يمارس السلطة "بتغطيس يده في الشحم الأسود" وما عرف عن ولي العهد ثمّ الملك في مرحلة لاحقة هو بعده عن الاحتكام للعواطف فقد تقمّص دور أمير المؤمنين دون مصداقيّة تذكر لدى اعتلائه العرش وهو ما جعل الباحث جون واتربري Johan waterbury  يختار متندرا لبحثه عنوان "أمير المؤمنين الحسن الثاني" وقد نجا من محاولتين لاغتياله سنة 1971 و 1972 وشرع في نحت أسطورته بالترويج لفكرة "التماهي الروحي بينه وبين الشعب" وهو ما أفضى إلى تنظيم "المسيرة الخضراء" سنة 1975 مؤسّسا إيّاها على خطاب التضحية من أجل الوطن ومقارنا إيّها بغزوات الرسول " إنّ مبايعة الحسن الثاني بالنظر إلى لقبه أمير المؤمنين هي مبايعة للرسول وفي النهاية مبايعة لله تعالى". ويحيل هذا الموقف مباشرة إلى عهد الحماية حيث عمدت السلطة الحامية إلى استغلال المشاعر الدينيّة للسيطرة على البلاد .

فقد حرص ليوتاي Lyautey الذي كان يستعمل خطابا دينيّا في تواصله مع المغاربة على أن يتمّ تعليق إعلان حقوق الإنسان في أماكن بالمدينة الأوروبيّة معتبرا أنّه يتنافى مع الإسلام. ولئن كان من باب المفارقة أن يجد قادة الحركة الوطنيّة الفضاء الوحيد الذي يتيح لهم الحرية الكفيلة بالإفلات من جوّ التسلط المفروض من قبل الحماية، فإنّ يوسف بلال يلاحظ أنّ خطاب علال الفاسي زعيم حزب الاستقلال ضلّ دوما موجّها نحو العمل للتعبئة من أجل الاستقلال "لا يرى مجالا للإصلاح الديني إلاّ عند الحاجة إلى تطويع الخطاب ليتلاءم مع مقتضيات العمل السياسي وهو يلتقي في موقفه هذا مع كثير من المتدينين في عصره في الفصل بين الدين والسياسة. وهكذا كانت الحركات الدينيّة مظهرا من مظاهر التصدّي للتسلّط الذي يستند إلى الدين.

التصوّف في مواجهة العقلانيّة:

يرسم يوسف بلال تاريخ هذه الحركات من علال الفاسي إلى العدل والإحسان وحزب العدالة والتنمية مرورا بالشبيبة الإسلامية والجمعيات الإسلاميّة وحركة التوحيد والإصلاح، مبيّنا تنوّع خطاباتهم مقارنا بين آرائهم. وإذا كانت الصرامة في الميدانين النظري والمجتمعي مشتركة بين هذه الحركات إلى درجة أن تعرّضتا إلى حركة احتجاجية من قواعدهما النسائيّة، فإنّ النماذج الرمزيّة التّي تتبناها هذه الحركات تبقى شديدة التباين: ويفيض يوسف بلال في تصوير العدل والإحسان تصويرا حيّا برسم صورة لزعيمه عبد السلام ياسين ويذكر بعض الشواهد من كلام أتباعه ويقرّبه اعتماده على النموذج الأضحويّ محييا بذلك نمط إسلام الزوايا بصفة ملحوظة رغم تقديمه في مظهر طوباوي من نموذج سلطة الملك الذي سبق أن ابدى رغبته في التعاون معه.

وتندرج واقعة المراسلة التي وجّهت إلى الحسن الثاني والتي يؤوّلها يوسف بلال على أنّها محاولة اختبار تقمّص حالة الولاية ضمن تقاليد "مرايا الأمراء" التي تجاوزها التاريخ وهي واقعة توحي في نفس الوقت برغبة الملك في تبوئ منصب أمير المؤمنين ويرى في ذلك استعمال نفس المعجم واحتلال الحالة نفسها تجاه الأتباع والرعيّة الذين عليهم واجب الطاعة وهي حالة "فرّق تسد".

أمّا مواقف أتباع حركة التوحيد والإصلاح بالخصوص ذراعه السياسي حزب العدالة والتنمية، فتختلف عن ذلك إذ هم دعاة انشقّوا عن الشبيبة من أجل التقارب السياسي وهم يبايعون السلطان ويرون أن حركتهم تقوم بدور"الوسيط الديني" ويؤكد يوسف بلال على ظاهرة المبادرة في مسعاهم مقارنا جماعات الدعـوة في حركة التوحيد والإصلاح الذين يعزّزون حسن صيتهم بالطوائف الأمريكيّة التي تقدم الاعتبارات الأخلاقية على الاعتبارات السياسيّة. كما يؤكد على عقلنة الدين في صفوف حزب العدالة والتنمية خلال الحملات الانتخابية بدعوته إلى "سياسة عمومية دينية على غرار السياسات العمومية في ميادين أخرى".

ونقطة اللقاء بين كل هذه الحركات أنها منظمة وفق التفريق بين السياسة وبين الدين ويسوق يوسف بلال في درجة أولى المبررات الدينيّة لأتباعها. ويتميّز عمله في ذلك عن أعمال باحثين مثل أوليفي روا Olivier Roy  أو جيل كيبيل Gilles Keppel الذين يرون في هذه الحركات حركات سياسية بالأساس.

أمّا الانطباع العميق الحاصل من مطالعة هذا الكتاب باعتباره عملا تأليفيّا ثريّا بين شهادات ووثائق ومخطوطات جدّ مفيدة في زمننا هذا زمن الرفض والتسلط فهو أهمية المسائل الاقتصادية والاجتماعية ودورها في نجاح هؤلاء الفاعلين من أجل خيرات الإنقاذ على أن الشرعيّة الدينيّة التّي تمتلكها السلطة الملكيّة غير كافية. فيوسف بلال يلاحظ "أن توزيع الأدوار الذي تقتضيه الحداثة  في تجلّيها السياسي يفترض أن تتخصّص الملكيّة في تسيير خير الإنقاذ وان تتخلّى عن سلطتها التنفيذيّة. وحتّى تضمن لوظيفتها الدينيّة مصداقيّة في عالمنا عليها أن تتجنّب هزّات المسائل الدنيويّة". وهو أمل يقتسمه كل من يراوده حلم أن يرى ملكيّة على الطريقة الانجليزيّة تعتلي سدّة الحكم بالمغرب

 

------------------------------------------------------------------------

(1)             انظر للمقارنة كتاب Le Saint et le Prince en Tunisie

للأستاذ توفيق البشروش الذي صدر سنة 1989 بتونس، عن منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية. وهو يعالج من وجهة نظر تاريخية العلاقة بين السلطتين السياسية والدينية ممثلة في طبقة الأولياء بتونس (ملاحظة المترجم عبد الوهاب الدخلي).

Related Posts

حوار مع رجل السياسة والاجتماع محمد ظريف

01/03/2010

في المغرب، طبقا لمحمد ظريف "الشباب لا يتناقشون في الدين لأنهم غير معتادين على ذلك"

نساء لبنان المعنّفات: لا قانون يحميهن.

29/03/2012

خلف جدران المجتمع، ووراء الأبواب الموصدة، حالات لا تحصى لنساء معنفات لم يجدن أمامهن إلا الصمت. لسكوتهنّ أسباب، تبدأ بالتقاليد الاجتماعية...

سوريا ، الثورة حين تكتشف جيلاً جديداً

24/04/2012

ضمن مجموعة الصور المتعددة التي ستحفظها ذاكرة السوريين عن ثورتهم المستمرة منذ ما يزيد عن ثلاثة...