حزب الله في دوّامة التناقضات.

الإرباك الذي أحدثته الثورات العربيّة لم يقتصر فقط على البلدان التي تشهد ثورات وانتفاضات. ففي لبنان كان للثورات العربية دورها في وضع غير حزب محلّي في مواقف محرجة، مما دفعها لاتخاذ مواقف متناقضة، أثارت تساؤلات عدّة، وصلت إلى حد الاستنكار. خصوصا للمواقف التي اتخذتها قوى وأحزاب الإسلام السياسي، شيعيّة كانت أم سنيّة.

 


ولعل أهم ما فعلته الثورات العربية أنّها أسقطت الأقنعة، وعرّت زيف الكثير من الأحزاب. وأبرز نموذج هو الذي تمثّل بموقف حزب الله، الذي تحدث سابقا وفي أكثر من مناسبة عن الحريّة وضرورة تحرير الشعوب من ظلم الأنظمة الاستبدادية. إلا انه فشل في تطبيق شعاراته. فجاء موقفه انتقائيا ينحاز لثورة ويهاجم أخرى. فعندما بدأت الثورات في تونس ومصر وامتدت إلى ليبيا واليمن والبحرين، رحّب حزب الله بها وكانت له تصريحات ومواقف داعمة. كما أنّه أبدى ارتياحه لما تشهده الشعوب من تحركات هامة ستنعكس إيجابا على الأمة العربيّة. لذلك فقد استغلّ كل فرصة سانحة، فكرّس منابره لدعم المحتجّين وحثّهم على الاستمرار. مواقفه المشرّفة هذه كانت متوافقة مع ما يمثله هذا الحزب من مقاومة رفع شعارها وعرف نفسه بدلالتها.


يومها لم يكن لدى حزب الله أي تخوف وقلق من إمكانيّة انتقال الاحتجاجات إلى سوريا نظرا لمواقف نظامها الداعمة لقوى المقاومة في لبنان وفلسطين. عندما بدأت التحركات الشعبيّة في المناطق السوريّة، تغيّرت المصطلحات لدى حزب الله فلم تعد كلمات "ثورة" هي الصفة التي توصف بها احتجاجات الشعب، بل تحولت إلى مصطلح "مؤامرة". ولم يكتف بتجاهل ما يحدث ونسبه إلى أجندات خارجيّة فقط، بل جيّش إعلامه لدعم النظام السوري بكل طريقة ممكنة. حتى أن مطالب السوريين بالحرية والكرامة الديمقراطيّة أصبحت بنظره مخطط خطير يهدف إلى تقسيم المنطقة وضرب محور الممانعة.


لا شك أن هذا التمايز في مواقف حزب الله من بلد إلى بلد وانتقاله من دعم الشعوب المظلومة إلى دعم النظام الظالم جعلته يفقد جزء كبير من شعبيته ومن مصداقيته أمام مناصريه خصوصا لما كان له من مواقف داعمة لباقي الثورات. كما كانت سببا في تشويه صورته كحزب مقاوم في عيون كثيرين. خصوصا انه لم يستنكر ولو بكلمة، العنف المفرط في التعاطي مع الشعب السوري. ذلك ما دفع بالعديد إلى وصف موقفه بال" المتخاذل"  كونه أيّد جميع الثورات العربية وأشاد بها، وتعامى فقط عن الثورة السورية.


هذه ليست الصدمة الأولى التي يتسبب بها ، فقد سبق أن خسر مصداقيته في 7 أيار حين وجّه سلاح المقاومة إلى الداخل اللبناني ضد أبناء شعبه من الرأي الآخر.  وخسر أكثر حين أعلن لاحقا هذا اليوم يوما مجيدا. ولعل موقفه من الثورة السورية كان متوقعا من بعض المتابعين له، إلا انه لا يمكن القول انه لم يخيّب آمال الشعوب العربيّة وخاصة الشعب السوري الذي طالما أيّد هذا الحزب تأييد كاملا وكان ينتظر منه بالمقابل الوقوف لجانبه إلا أن حزب الله فضّل المصلحة السياسيّة والطائفية على مبدأ مساندة ودعم الشعب المطالب بحقوقه وحريّته.
حزب الله اعتبر أي تحرك سلمي أو غير سلمي ضد النظام السوري هو جزء من المؤامرة التي تحاك ضد المحور الممانع بغض النظر عن طبيعة هذا النظام الدكتاتوري الذي يتشابه بكل الأنظمة القمعية والامنية في العالم العربي. وموقفه هذا يعود إلى خلفية العلاقات والمصالح الذي تربطه مع النظام السوري ولعل حزب الله بموقفه هذا يحاول إعادة الإعتبار وعدم التنكر للنظام الذي وقف إلى جانب حزب الله في صراعاته السياسيّة وفي صراعه مع إسرائيل. وهكذا طبّق الحزب مقولة "ناصر اخاك ظالما أو مظلوما"  متجاهلا بذلك كل الجرائم التي ارتكبها هذا "الأخ" بحق شعبه.
تشدّق حزب الله بهذا الحليف الممانع والمقاوم، جعلته يتجاهل في خطاباته عن ممانعة النظام السوري تصريحات رامي مخلوف "ابن خال الرئيس السوري" إلى صحيفة أميركيّة بأن "أمن إسرائيل مرهون بأمن وبقاء النظام السوري". كما أنه لم يلق بالا للتخوفات الصريحة للإسرائيليين الذين أعربوا عن قلقهم في حال سقوط النظام السوري اعتماداً على أنه "عدو عاقل".


أما عن آخر ورقة تحمل شعارات المقاومة والممانعة فقد سقطت عن حزب الله منذ عدّة أيّام حين قبل إطلاق سراح العميل فايز كرم "عميد متقاعد، وقيادي في التيار الوطني الحر" الذي اكتشفت الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة صلاته مع الأجهزة الإسرائيليّة التي بدأت منذ عام 1982. لم يعترض حزب الله الذي يطالب بإعدام العملاء بإطلاق سراح العميل. فالتحالف "المقدّس" الموجود بينه وبين التيار الوطني الحر يقتضي غض النظر عن الموضوع.
ومن هنا يبدو واضحا أن هذا الحزب الذي حظي سابقا باحترام وحب الجميع لما كان له من مواقف وأفعال مقاومة. توّغل في لعبة السياسة التي تفرض عليه استغلال تاريخه المقاوم كورقة يستعملها بحسب ما يتانسب مع مصالحه الضيقة التي تحفظ وجوده، حتى لو كانت مواقفه تتنافى مع مبادئه. فمصلحته الآن فيما يخص فايز كرم تقتضي بأن تكون العمالة وجهة نظر.
وهنا تجرّد حزب الله من كونه حزبا مبدئيا عقيدته الإسلام  ليصبح حزبا سياسيا بإمتياز تحركه المصالح السياسيّة ويستعمل المقاومة كغطاء له. واذ كان لا عجب لو هذا الحزب اتخذ موقفا واحدا من جميع الثورات "مع الإستبداد او ضدّه"، ولكن ما أفقده مصداقيته هو إزدواجيّة مواقفه والتي تجلّت في تحليل ثورة وتحريم اخرى. ودعم الإستبداد في مكان والتحريض عليه في مكان آخر.


ما يميّز ثورة سوريا عن غيرها، تأثيرها المباشر على لبنان. إضافة إلى تحطيمها التماثيل التي كانت تبدو براقة لدى الكثير من الناس. حزب الله فشل في امتحان الثورات. كما فقد مصداقيته لدى الشعوب العربيّة. وخسر فضاءه الواسع في العالم العربي، وحصر نفسه في بيئة شيعيّة بحتة. هذه المتغيرات كلها سيكون لها تأثير لاحقا على أداء حزب الله وموقعه ان كان في لبنان او في العالم العربي، وذلك حين يلفظ النظام السوري، الذي راهن حزب الله على بقائه، انفاسه الأخيرة.

Related Posts

المشروع الإسلامي يعود إلى الجزائر من بوابة الربيع العربي

16/04/2012

 

من العشرية السوداء إلى الربيع العربي، يحاول المشروع الإسلامي أن يجد معالمه في الساحة السياسية الجزائرية. هذه المرة بالتحالفات وتقمص دور المعارضة...

 

هستيريا الحريات في مصر

29/07/2014

أغلبية مقهورة ومطحونة تنفس عن غضبها حيال هدف محدد متفق عليه

ومصور كما لو كان الشيطان نفسه. أي صوت مغاير يغرد خارج هذه المنظومة

قد يجعل البعض يتساءل، والتساؤل في هذه المرحلة مرفوض من وجهة

نظر النظام، بل ويعتبر خيانة.

الكاريكاتور كوسيلة فنية ساخرة

13/05/2008

تعانق رسومات فنان الكاريكاتور الفلسطيني "محمد سباعنة" بشغب ساخر جدران مسرح البلد في عمان.