تجربة سويسرية ترصد ملامح محلات القاهرة العين الغريبة

 

عندما تعتاد العين على الأشياء تفقد الأشياء بريقها، أو ربما تفقد العين نشاطها، ولكن في الحالتين تفقد الأشياء تفاصيلها، لذا تستطيع العين الغريبة أن تشعر بالدهشة، وأن تلتفت إلى التفاصيل ويمكنها أيضا أن تعقد المقارنة أو المجاورة بين أشياء رأتها من قبل، سواء في بلادها أو فيما تعرفه عن ماضي تلك المدينة الجديدة.

تجربة سويسرية ترصد ملامح محلات القاهرة  العين الغريبة

والقاهرة مدينة ضخمة، من أضخم مدن العالم، ولضخامتها نظام غريب، يعجز الكثير عن استيعابه إذ تنمو المدينة يوما بعد يوم، وتتدخل فيها عوامل كثيرة سياسية واقتصادية ذات مطالب عولمية، لتعيد تشكيلها يوما بعد يومم، وحقبة اثر حقبة.

تنمو المدينة إذن باستمرار، وتطفو فوقها سحابات غبار ودخان، وتزدحم بسكانها، تختنق بهم وتخنقهم في رحلة يومية لا تتوقف، ربما من أجل ذلك يصعب على سكان المدينة النظر إلى مستوى أعلى من مستوى رؤوسهم، من الصعب أن تتذكر السماء وأنت في المدينة، وأيضا من الصعب أن ترى واجهات المباني، الزحام، والضغط، يدفع الجميع لسرعة الهروب.

تجربة سويسرية ترصد ملامح محلات القاهرة  العين الغريبة

لذا تأتي التجربة الفنية التي مرّ بها الفنان السويسري "جويدو ريشن" وزوجته الفنانة "كارين والشي" في إطار برنامج التبادل الفني الذي ترعاه المؤسسة الثقافية السويسرية حيث أقاما لفترة في القاهرة وجذبتهما واجهات المحلات في المدينة، محاولة مدهشة تفتح العين على تفاصيل جمالية تمرّ عليها بلا ملاحظة، هنا يلعب أيضا اختلاف مفهوم "الجمالية" بين الحديث الدائر دائما عن "التلوث السمعي والبصري" و"انعدام الذوق" وانهيار " قاهرة الزمن الجميل"، وبين محاولة اكتشاف المنطق الخاص للتفاصيل الجديدة، والبحث عما يربطها بماضيها، كي تصبح أيضا لها تاريخ.

هذه المفارقة بين العين المعتادة، والعين الجديدة، هي ما تصنع الكثير من الاسئلة بالنسبة للمتلقي المصري، إذ تعتمد التجربة الفنية التي قام بها الفنانان على التقاط صور لعدد من واجهات المحلات في شوارع

 

القاهرة، بالنسبة لهم كانت هذه "البوابات" عملا فنيا مستقلا يحمل تأثيرات اسلامية واضحة، وأيضا يحمل ذوقه الخاص في اختيار الألوان، والانحناءات، ودرجة النور، والظل التي تخرج من أي واجهة.

تجربة سويسرية ترصد ملامح محلات القاهرة  العين الغريبة

ليقوما بالتقاط مجموعة من الصور تظهر فيها والشي أمام الواجهة، بنفس الملابس تقريبا أمام باب المحل، وفوقها تنتصب الواجهة، ربما في البداية لا تفطن العين إلى تفاصيل الصورة، ولكن مع تكرار المشهد تلتفت العين إلى "الواجهة"، التي تمتلك شيئا يخصها، وسط الزحام.

الجزء الثاني من المشروع كان يعتمد على صنع نماذج شبيهة بالواجهات ولكن مع استخدام مواد بديلة وعرضها منفردة، وهنا يتحول الأمر إلى انك تشاهد قطعة فنية بالفعل، ربما تكون فجة لبعض الأذواق ولكنها تحمل جمالا خاصا وأيضا قديما إذ تبدو تفاصيل المقرنصات وأعمدة المساجد في تلك الواجهات.

تجربة سويسرية ترصد ملامح محلات القاهرة  العين الغريبةكيف يمكن إذن للمتلقي الأوروبي أن يتلقى مثل هذا العمل، سؤال آخر يطرحه عمل جويدو وزوجته، فالمتلقي الأوروبي الذي اعتادت عينه على نمط آخر في التعامل مع المسطحات، وواجهات المباني، وطريقة تشكيل الشوارع، هل سيرى فيها هذا الامتداد بين الزخارف الاسلامية القديمة وبين واقع هذه البلاد الآن هل سيبدو فن اسلامي ما بعد حداثي، يستوعب تفاصيل السوق وما يفرضه من شكل معين في العرض وكيفية استعراض سلعته بحسب متطلبات هذا السوق. السؤال هنا ليس سؤالا استشراقيا، ربما لأن الفنانين اجتهدا في تكريس علاقة مع المساحة القاهرية.

تجربة جويدو وأشلي في اختيار مساحات بصرية مدينية مختلفة  للعمل عليها والتقاط تفاصيل خاصة بعلاقتهما مع تلك المدينة، لم تكن بدايتها في القاهرة وأنا في دلهي بالهند حيث ارتكز المشروع على التقاط صور للمارة في الشارع، مارة عاديون يفاجئهم التصوير أحيانا فيبتسمون أو يعبسون أو يبدو غير مبالين، وبعد ذلك يفرغ الفنان مساحة بيضاء في الصورة بشكل أحد الرموز المنتشرة على حوائط المدينة، المساحة البيضاء التي تخترق صورة المواطنين تصنع أيضا مفارقة بين علاقة هؤلاء المارة بهذه الرموز. مفارقة أخرى تضع سؤالا حول العلاقة بالعادي واليومي.

يطرح العمل أيضا سؤالا حول علاقتنا نحن بما حولنا وكيفية تنشيط عيوننا لالتقاط "الجمالي" فيما يصنعه الناس، وربط هذا "الجمالي" بما سبقه من أشكال فنية تخص المدينة ذاتها. هل نحتاج إلى أعين جديدة طوال الوقت من أجل تنشيط عيوننا "المعتادة" على ما حولها؟

 

Related Posts

مهرجان قرطاج يبحث عن بريقه الضائع

24/07/2008

مهرجان قرطاج الدولي، اسم التظاهرة الموسيقية الأكبر في الوطن العربي.

الحاقد يدفع ثمن جرأته سجنا..

23/12/2011

يقبع "الرابر" المغربي الحاقد في السجن. اعتقاله طال لأشهر، وحركة عشرين فبراير المعارضة بالمغرب تؤكد أن مغنيها معتقل لأسباب سياسية. حملة  واسعة تساند المغني الشاب (24 سنة) وتطالب بالإفراج عنه. بينما هو يتابع في ملف ضرب وجرح، حسب السلطات الأمنية...

 

"في البحث عن الآخر على أرصفة السماء": التشكيل و الشعر في تجربة ألفة اليزيدي

24/06/2008

يشهد مسرح الفنون الحمراء بتونس فعاليات المعرض التشكيلي للرسامة والشاعرة التونسية ألفة اليزيدي.