حرية الإبداع في مرمى التشدد الديني

 

في الوقت الذي تتسيد المشهد المصري التيارات الإسلامية المتشددة، يجد فيها المثقفون والفنانون تهديدا ملحا لحرية الفكر والإبداع. ننقل السجال هنا بين الكاتبة مي التلمساني والمخرج داود عبد السيد من جهة وبين نادر بكار المتحدث باسم حزب النور السلفي من جهة أخرى.

تخلت مي التلمساني منذ أشهر طويلة عن صورتها الشخصية على "الفيس بوك" ،واستبدلتها بصورة تحمل كلمة واحدة وهي "مدنية"، كلمة تلخص موقفا تبنته الأديبة المصرية إبان الثورة المصرية التي صاحبها صعود لافت للتيار الإسلامي،وما واكبه من سجالات اعتبرها المثقفون تهديدا لحرية الفكر والإبداع.

دشنت التلمساني ،أستاذ الدراسات العربية بجامعة أوتاوا بكندا،موقع"دولة مدنية" على الانترنت دفاعا عن القيم المدنية التي تؤمن بها ،ونظمت عدة فعاليات ثقافية في مكتبات القاهرة مثل " الكتب خان" لنفس الهدف الذي تبنته وعدد من المثقفين المصريين " الدافع الأول وراء هذه الدعوات هو الرغبة في مقاومة أحادية الصوت السياسي التي نعاني منها منذ عقود في ظل الحزب الوطني الساقط، فعلى الرغم من قيام ثورة 25 يناير وهي ثورة مدنية، فإن أحادية الصوت اليوم تتمثل في سيطرة الإسلام السياسي على مقاليد السلطة التشريعية بدعم وتشجيع من المجلس العسكري ومن القوى العربية والغربية المتحالفة مثل قطر والسعودية والولايات المتحدة" وتعتبر أن الدافع الثاني وراء مبادرة دولة مدنية ،التي انطلقت منذ فبراير 2011 ، هو الدفاع عن مفهوم المدنية وهو المفهوم الذي طاله التشويه في البداية، ولكن عندما قابله الجمهور بالترحاب، تبنته بعض تيارات الإسلام السياسي باعتباره ورقة رابحة تضمن لها تأييد شباب المتأسلمين وجمهور الوسطية الاسلامية ولكنها لوت عنق المبادئ المدنية بادعاء المرجعية الاسلامية لتخدم مصالحها وصولا للسلطة التشريعية،على حد تعبيرها.

تخوف مشروع

أشكال التهديد التي يحملها الجناح المتشدد داخل التيار الإسلامي بشكل خاص كما تراه مي التلمساني تشمل "كل قضايا الحسبة ضد الفنانين والكتاب والأكاديميين التي هي نتاج هذا التيار الذي مارس أيضا القتل والإجرام ضد الكتاب (فرج فودة ونجيب محفوظ مثلا) وآخر أشكال التهافت قضية وضيعة رفعت ضد الفنان عادل إمام بأثر رجعي على مجمل أعماله" ، واعتبرت أن التهديد ليس على مستوى الفكر فقط، ولكن على مستوى الانتاج والنشر والرقابة التي تضرب بأبسط قواعد حرية التعبير عرض الحائط ، "ثم يخرج علينا شيوخ الإسلام السياسي وسياسيوه ويتحدثون بلا خجل عن دعمهم للديمقراطية،هؤلاء تجار دين، ومنتفعون وينتشر فكرهم الرجعي بسبب الفقر وتردي حال التعليم، ويهمهم أن يستمر الفقر الذي يعالجونه بالصدقة الجارية والزكاة، وأن يستمر حال التعليم في التردي لتسهل عليهم مهمة السيطرة على العقول. الفن والإبداع بصفة عامة مصدر تنوير واستنارة يحاول هؤلاء الرجعيون أن يخرسوا أهله حتى تتسع لهم ساحة الجهل يعربدون فيها كما يشاؤون".

الثوابت الإسلامية

المتحدث الرسمي باسم حزب النور السلفي نادر بكار ،أحد أبرز "المهوّنين" من تخوف المثقفين من صعود التيار الإسلامي قال لـ"باب الماد" في حديث خاص" نحن نحترم الإبداع والفن طالما لم ينل من الثوابت الإسلامية والمجتمعية"، وردا على عدد من التصريحات "العدائية" التي خرجت عن بعض القيادات السلفية منها تحريم الفن وما تواكب معها من رفع لدعاوى قضائية ضد الفنان الكبير عادل إمام على سبيل المثال، أجاب بكار قائلا: "القضاء أمر مختلف، رفع دعاوى قضائية هو أمر خارج سياق هذا الحديث تماما، فنحن نريد أن نعلّي من دولة القانون بعد الثورة"

المقاومة هي الحل

سألت المخرج السينمائي داوود عبد السيد عما إذا كان يقلقه كمبدع كبير هذا الصعود الكبير للتيار الإسلامي،أم أنه يحمل قدرا من المبالغة كما يرى المتحدث باسم حزب النور السلفي، فأجابني " التخوف مشروع، وليس به مبالغة، فتهديد حرية الفكر والابداع له مقدمات بناء على آراء معلنة من داخل التيار المتشدد ولم يأت من فراغ". ويضرب عبد السيد مثلا على ذلك بالدعاوى القضائية التي رفعت على الفنان عادل إمام بتهمة إزدراء الدين الإسلامي في أعماله الفنية، وقرار منع التصوير داخل المساجد الذي خرج أخيرا عن وزراة الأوقاف، وقال إن الخيار الأوحد أمام الفنانين والمثقفين هو استمرار الدفاع عن ثوابتهم وحرياتهم بمواصلة العمل "يجب ان يدافع المجتمع المدني بكافة طوائفه عن نفسه، فالحريات لا تتجزأ"، وعاد وقال" المقاومة هي الحل" ، مؤكدا على أهمية الاحتكام إلى "ضمير" المبدع في تقييم العمل الفنى ،فيما رفض نادر بكار في الوقت نفسه ما يطلق عليه الاحتكام إلى ضمير المبدع وعدم مصادرته "لا يمكن الاعتماد على الضمير فقط في أي دولة في العالم، ففي فرنسا على سبيل المثال إذا انتقد حاخمات يهود في رواية أو فيلم فإن هذا العمل يتعرض للمحاكمة بتهمة معاداة السامية"، واعتبر المتحدث الرسمي الشاب أنه يمكن الاحتكام إلى مجمع البحوث الإسلامية لتقييم العمل الأدبي والفني والاحتكام لرأيه عما إذا كان يجرح الثوابت الإسلامية أم لا.

وبسؤاله عن موقف حزبه من تصريحات القيادي عبد المنعم الشحات فيما يتعلق بأديب نوبل نجيب محفوظ قال "هذا رأيه الشخصي، ونحن نرفض محاكم التفتيش على آرائنا" واستطرد بقوله انه قرأ الكثير في الأدب العالمي الذي يجد أنه، رغم عدم انتمائه للثقافة العربية، لا يخدش الثوابت الإسلامية فالأدب عنده هو "الذي يسمو بالنفس البشرية ولا يخدش الثوابت الاجتماعية والدينية".

جبهة واحدة لا تكفي

عبرت الكاتبة والقاصة الشابة بسمة عبد العزيز عن المعنى الذي قصده صاحب رائعة "رسائل البحر" ،حول المقاومة كسبيل للدفاع عن حرية الإبداع، في مقالها الذي نشرته جريدة "الشروق" أخيرا بعنوان "حرية الابداع وأولويات المرحلة" وقالت فيه " لا أظن ان الأزمة تكمن في خطورة التيارات الدينية المتشددة ولا في قوتها وقدرتها على تنظيم نفسها، بقدر ما تظهر في غياب دفاعات قوية تصد أي هجوم محتمل، دفاعات يشكلها المبدعون أنفسهم، دون الخضوع لضغوط ودون الاستسلام لقوة التيار".

بالحديث عن "الدفاعات" التي طرحتها بسمة عبد العزيز في مقالها يمكن التوقف عند محطة تزامنت مع الذكرى الأولى لثورة يناير ،حيث دشن عدد من المثقفين والفنانين جبهة أطلق عليها اسم "جبهة حرية الإبداع" التي أعلنت عن نفسها من خلال مسيرة اتجهت إلى مجلس الشعب في بداية دورته هذا العام، وهو البرلمان الذي شكل أغلبيته التيار الإسلامي ممثلا في جماعة الإخوان المسلمين وحزب النور السلفي، هذه الجبهة كانت محددة الهدف، اجتمع حولها الفنانين بمختلف أطيافهم وأعمارهم رافضين أي تدخل سافر في حرية التعبير الفني، حاملين على ظهورهم إرث من التصريحات "العدائية" التي خرجت عن عدد من القيادات السلفية منهم عبد المنعم الشحات الذي نعت أدب نجيب محفوظ ب"الدعارة"، وذلك في تصريح تلفزيوني قال في نصه أن أدب محفوظ "يحرض على الرذيلة ويدور حول الدعارة وأوكار المخدرات، وأن بعض رواياته تحمل فلسفة إلحادية" وبعدها نعت الحضارة المصرية القديمة بـ"العفنة " علاوة على تكفير بعض الأصوات السلفية للفنانين .

تعلق مي التلمساني من جديد على أهمية مثل تلك الجهود "التكتلية" من وجهة نظرها " جبهة واحدة لا تكفي وعشرات الجبهات للدفاع عن حقوق الانسان وخاصة حقوق التعبير والتفكير والعقيدة لا تكفي، الإرادة السياسية والتشريعية هي التي ستسمح بحرية حقيقية في مصر، ونهضة علمية وتعليمية وفنية لا غنى عنها جنبا إلى جنب مع الاصلاح الاقتصادي. وطالما الإرادة السياسية في يد المجلس العسكري والإرادة التشريعية في يد برلمان مسلوب وخائن للثورة، فلا أمل سوى أن تستمر الثورة وأن تتكاتف الجبهات المدنية جميعا ضد أعدائها، العسكر والتيار الديني الرجعي".

يبدو أن مناخ القلق العام الذي يعتري الذهنية الثقافية في مصر ما زال يبحث له عن صيغة خطابية للدفاع عن كيانها، في الوقت الذي يتخبط فيه الخطاب الإسلامي فيما يتعلق بملف حرية التعبير الفني والثقافي الجدلي، ما بين تيارات متشعبة بداخله تتراوح ما بين المستنيرة والمتشددة، وهو الأمر الذي سيخضع لاختبارات شتى خلال الفترات المقبلة حتى الاستقرارعلى معادلة جديدة ربما تكون أكثر استماتة في الدفاع عن حقوق التعبير والإبداع.

Related Posts

اختتام الأيام السينمائية الثانية عشر بمدينة بجاية

17/09/2014

اختتمت الأيام السينمائية الثانية عشر بمدينة بجاية يوم 13 سبتمبر-أيلول وككل مهرجان حضيت هذه الأيام بمقالات تقييمية في الصحافة المحلية. هل كان هذا المهرجان ككل المهرجانات ؟