سوريا ، الثورة حين تكتشف جيلاً جديداً

ضمن مجموعة الصور المتعددة التي ستحفظها ذاكرة السوريين عن ثورتهم المستمرة منذ ما يزيد عن ثلاثة عشر شهراً، صورة ذاك الطفل الحلبي الذي لم يتجاوز عامه الثاني عشر، عندما سقط جريحاً فاندفع نحو أبيه وكأنه يودعه وقال بلهجةٍ محلية متوسلة "سامحني يوب"، لكن السؤال ما الذي جمع الأب والابن في شارع واحد يواجهان فيهالموت بهذه البطولة؟


هنا يمكن أن تكون الإجابة ببساطة: إذا كان ما جمع الأسد الأب والأسد الابن على كرسي واحد هو الاستبداد والفساد، فإن ما جمع الأب والابن في شارع  واحد ليواجها الموت هو التوق للحرية.
امتازت الثورة السورية مع طول مدتها الزمنية مقارنةً بغيرها من ثورات الربيع العربي باتساع المشاركة الشعبية فيها، واختلاف الشرائح المندفعة للعمل ضمن نطاقها، فكرياً وثقافياً وسياسياً وحتى عمرياً، ولو خصصنا الحديث عن النقطة الأخيرة لهذا الاختلاف، لوجدنا أن الجيل الشاب دفع الفاتورة الأعلى من حيث عدد المعتقلين أو الضحايا من الشهداء، لكن هذا لا يعني أن الثورة السورية هي "ثورة شباب" فقط بل أيضاً امتازت بتفاعل بين مختلف الأجيال في تفاصيلها ويومياتها، فالأحداث الأولى بدأت من مدينة درعا على يد أطفالٍ كتبوا شعاراتٍ تنادي بإسقاط النظام، وامتدت لتشمل خارطة البلاد من أقصاها إلى أقصاها، قبلها كانت هناك تحركات أولية في العاصمة دمشق قادها الشباب السوريون أمام سفارات الدول التي بدأت فيها رياح الربيع العربي من تونس ومصر ثم ليبيا، هذه التحركات التي دعا إليها ونظمها شباب لاقت تجاوباً وتفاعلاً عالياً من جيلٍ أكبر من المثقفين والنشطاء والمهتمين بالشأن العام.


وضمن هذه الروح التفاعلية انكشف المجتمع السوري عن روحٍ نشطة قادرة على التجديد والإبداع، وظهر إلى الملأ وكأنه يريد التمرد على الصورة النمطية الجامدة والقاسية التي طبع النظام البلاد فيها منذ خمسة عقود.
هكذا أتت الثورة السورية لا لتكون ثورة سياسية فحسب أو تكتفي بمنجزها السياسي المتمثل في إسقاط النظام، إنما تعدت هذا لتغدو ثورة على البنية المتهالكة والصورة النمطية الراسخة عن المجتمع السوري، فكانت بالفعل ثورةً على التنميط بمختلف أشكاله وقوالبه، ومنها بالمجمل ثورة على تركيبة العائلة وشكل الأسرة البطريركي السائد.
فالعائلة ذات البنيان المقدس في المجتمعات الشرقية، بات يتعرض هيكلها لتغيير في الثورة، فانتقلت المسؤوليات وتبادل الآباء والأبناء أدواراً كثيرة، وأذكر تماماً على سبيل المثال  خلال فترة اعتقال قضيتها في سجون النظام السوري أن أحد السجناء وهو رجل خمسيني من أهالي درعا، كيف عاد يوماً إلى السجن بعد حضوره لجلسة استجواب أمام القضاء وهو يبكي ومظاهر الفرح بادية على وجهه، فظن غالبيتنا أن القاضي قرر إطلاق سراحه، لكن سبب بكائه وفرحه كان مختلفاً تماماً بل هو فقط يبكي لأنه التقى ابنه الهارب من الخدمة العسكرية والملتحق بالجيش السوري الحر، هذا الفتى الذي لم يكمل العشرين من عمره وعده في لحظة بطولةٍ أسطورية أو مشتهاة ربما، أنه سيعمل لا على إطلاق سراحه إنما على مهاجمة السجن وتحريره من أيدي سجانيه!؟ ولم ينس قبل مغادرته متخفياً أن يضع بعض المال في جيب والده.


صورةٌ أخرى من صور الثورة، تلك المرأة التي خرجت لتشييع جنازة ابنها في مدينة حمص، فقتلها الأمن السوري وهي تسير مع موكب المشيعين...  في تلك اللحظة تحولت الجنازة إلى حدث أو مفارقة لا تحصل ربما إلا في سوريا وثورتها، حيث يسير آباء وأمهات مع أبنائهم إلى الموت، ليس طلباً للموت بحد ذاته أو رغبةً به، إنما طلباً للمستقبل الذي يرغبونه أوفر حريةً وكرامة.
ضمن هذا السياق تتفاعل أجيال مختلفة مع الثورة السورية، ورغم أن الشباب يحجزون موقع الصدارة فيها، سواء من حيث حجم المشاركة أو توجيه وقيادة الحراك على الأرض، لكن هذا لا ينفي أن دوراً هاماً لعبه ويلعبه الجيل الأكبر سناً ليس فقط على مستوى المناطق والأحياء والعائلات في محيطها الضيق، إنما أيضاً على مستوى نشطاء ومثقفين وكتاب ومعارضين بارزين يساندون ويدعمون نشاط الشباب وتحركاتهم وعملهم ضمن هذه الثورة.
فعلى صعيد التكتلات السياسية التي أفرزتها الثورة السورية، نستطيع أن نذكر أكثر من تجمع وحركة خرجت للنور خلال الفترة الأخيرة، يشكل الشباب الغالبية العظمى في تركيبها، ولكننا لو عدنا وبحثنا على ماذا تستند هذه التجمعات والحركات لوجدنا أن صلاتها لم تنقطع مع جيل سابق من المعارضين السوريين، وهم لا يستطيعون ممارسة دور الرقابة أو الوصاية عليها إنما هم بالفعل استشاريون وداعمون لها، ومن بين أهم ما قدمته الثورة السورية من أشكال تنظيمية كان التنسيقيات، هذه التنسيقيات أتت كإبداع شبابي خالص لم يسبق أن عرف أي بلد آخر غير سوريا مثيلاً له، ولو درسنا بنية هذه التنسيقيات لوجدناها شبابية بالمطلق وتعتمد على قدرات تحتاج إلى الجيل الشاب وإمكانياته، وهي بدورها وكما يبدو لم تقطع علاقتها بالمطلق مع الجيل السابق من المعارضين الذين يتواصلون اليوم مع كثير منها على الأرض، لكنها أتت لتعبر عن تغيير في بنية التفكير والرغبة في العمل السياسي، وأتت لتؤكد على تراجع العامل الأيديولوجي الحاضر لدى جيل سابق من الناشطين والمعارضين والمثقفين السوريين، وحلول العامل السياسي أو الرغبة في السياسة من دون تصلبات الأيديولوجيا.

تفاعلات عميقة داخل المجتمع السوري يبدو أنها تحصل خلال أكثر من عام على بداية الأحداث التي كلفت السوريين الكثير، لكنها أيضاً قدمت لهم الكثير، من خلال ما أعادت اكتشافه من حياة لا زالت تجري في عروق الشعب السوري، فعلى امتداد الخارطة أفرز هذا الحراك عشرات النشطاء يومياً وعشرات الناطقين الإعلاميين وعشرات المواطنين الصحفيين والعاملين في المجال الحقوقي، وهو بالجملة أيضاً وبنفس الوتيرة يلغي عشرات الرموز القديمة ويصنع مكانها رموزاً مختلفة سواء بالشكل أو بالمضمون، فإذا كانت أجيالٌ سوريّة سابقة قد عرفت رموزاً تاريخيين أو حتى استلهمت رموزاً من الخارج امتازوا بكاريزما شخصية معينة، وكانوا مصدر إلهام لأجيال كثيرة  بالتحديد على الصعيد السياسي في فترة المد القومي واليساري، فهي اليوم تصحح علاقتها مع هؤلاء الرموز إن لم نقل تقطعها في كثير من الأماكن والأحيان، لتعيد ترتيب عقليتها مع جيل أكثر حيوية وشباب ويرغب بمرونة أكبر، ولا يرغب بالرموز الأبوية والسلطوية إنما يحتاج قيادات تشبهه من لحم ودم وأخطاء أيضاً، وهذا بحد ذاته يحمل دلالةً كبيرة عن المضمون الديمقراطي الذي يرغب به السوريون اليوم في ثورتهم، ويدل على الرغبة لقطع العلاقة مع الأبوية بمعناها التسلطي الفوقي، وجعلها علاقة أكثر تفاعلية وتتبادل فيها الأجيال العمل والنصائح والقيادة والمهام.
بعد أكثر من عام على الثورة ونزيف الدم في البلاد، يحق للسوريين اليوم بالفعل أن يتحدثوا لا عن ثورة سياسية ضد نظام تسلطي فحسب، بل عن ثورة اجتماعية وثقافية وفكرية أيضاً ربما تعمل دينامياتها في الظل اليوم، لكنها تؤسس إلى أشكال جديدة من العلاقات في المجتمع السوري، أكثر انفتاحاً وحرية، وهذا بحد ذاته انتصار يحمل طابعاً حضارياً تحققه الثورة، قبل أن تحقق نصرها السياسي بالمطلق والمتمثل في إسقاط النظام.
 

Related Posts

الخطاب الدّيني والممارسات العلمانيّة

04/03/2012

 

في الوقت الذي تحتل فيه الحركات الإسلاميّة الصدارة في الانتخابات بتونس ومصر والمغرب يذهب يوسف بلال إلى أنّ المثال...

 

فرنسا- الجزائر : اتفاق ضد الذاكرة

04/03/2012

 

إنها لحظة لا تبث انشراحا خاصا عند الجزائريين و خاصة عند الشباب. بالنسبة إلى هؤلاء فهي تبقى مسألة عجائز...

 

دكتاتوريات لبنان.. ودكتاتوريات العرب: الطائفية هي الحكم!

02/01/2012

حين قرّر البوعزيزي إشعال نفسه، لم يكن يعرف يومها أن رماده سينثر في الدول المجاورة فيزهر ربيعا.  مشوار الألف ميل بدأه البوعزيزي بخطوته. كسر حاجز الخوف، فانتقلت العدوى...