ميّت

 

كَانَ البحرُ المَيّتُ

يُموِّتُ وِجْدَانِي

ويُحْيِي مِنْ الحرِّ فِقْداني

أَنا الهائمُ في صَحراءِ الوَجْدِ

أبْحثُ عن أرْضٍ يطوفُ بها كياني

قلتُ:

لعلَّ الصّدى يَبْعثُ في الرّوحِ نَفَسًا

كالصخرِ تَحْنو عليْه أصابعُ الغيْث

هلْ مِنْ موج يا بحرُ

يَجمَعُ رذاذَ التّاريخِ الفاني

هلْ مِنْ صَخَبٍ يا بحرُ

يُبعِدُ عنِ الماءِ ركودً النِّسْيان

أمْ أثقلَ المِلْحُ كاهِلَكَ

ينْخَرُ بقايا العِظامِ

بيْنَ حُطام المَقابر الجِسامِ

ها أنتَ جسَدٌ يَزْرَقّ باهتا

شبحا أباحَ السّارقون دمَه

دونَ صلاة أوْ قُرْبان

فتيلٌ أنت تحْترقُ دون زيْت

كالفراشة تدورُ على نفْسِها في الْتِهاب المَصابيح

وللرّيحِ بكاءٌ يعْلو مِن ضَيْمِ الجيران

بحرٌ أنت يا بحرُ

أمْ بُحيْرةٌ جامدةٌ يملأها حرُّ الفِقْدان

لا الخيولُ الأبيّةُ رَكِبتْ صَهيلَ الهيَجَان

ولا الصّخرُ الأشمُّ لاطمَ زبدَ الشواطئ القاني

جُثة هامدةٌ أنتَ

كقلعةٍ قابعةٍ تنوءُ تحْتَ الحُطامِ دونَ بُنْيان

يا بحرُ قلْ

مَنْ ماتَ دونَ أعراسِ النَوْرَس

وجوفهُ لمْ يعرِفْ نُسْغَ الأيّام

لا يلْبَسُ بياضَ اللؤلُؤ في نَسَق الرّخام

حُلمُهُ لا يكتب أناشيدَ الملاحم العِظام

تلك أصْدافٌ فارغةٌ في قعْرِهِ

كَخبايا الزّيْف

مَلأتْها رمالٌ تجُرُّ خيْبَةَ السَّلْوَان

قلْ يا بحرُ

ماذا ينفعُ الأرضَ أنْ تقبعَ ساكنة

عِنْد أسفلِ البرْكان

وكرومُها قد احْترقتْ قبْلَ الأوان

كيْفَ لِلأرض أنْ تحيا عزيزةً

ولِلْأفق غطاءٌ سميكٌ من رماد الطُغيان

فلسطين-باريس,2009-2010

Related Posts

الهجرة وغرائبها أو أتعاب الهجرة

17/07/2012

ثلاث قصائد من الشعر الشعبي التونسي بقلم: عبد الواحد الزاوية...

 

غزة. يوميات الحرب

29/08/2014

جريح اليوم الأول، لا يزال ينتظر الخروج من المعبر. جريح اليوم الأول، العشريني بثلاثة أرباع جسد وكلية معطوبة، لا يزال يجهل ما يجري بالضبط، في إضبارة العقيد وفي دهاليز "الأمن القومي".