نشأة مصطلح الإسلام السياسي وتطوره

 

فتح ما يسمى "الربيع العربي للثورات" الباب على مصراعيه لصعود الحركات الإسلامية إلى سدة الحكم مثلما حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن، وربما سوريا لاحقا، ورغم أن هذه الحركات الإسلامية تعتمد ضمن مرجعياتها على مفاهيم سياسية كلاسيكية من التراث السياسي الإسلامي والتي لا تتلاءم مع مصطلحات الدولة الحديثة المبنية على مفهوم المواطنة أساسا، إلا أنها وجدت الأرضية خصبة لتفوز بالمرتبة الأولى لدى "المواطن".

وبالعودة لأصل مصطلح الإسلام السياسي يمكننا أن نقف على الخلط القائم بين الخطاب الدعوي من جهة والخطاب السياسي من جهة ثانية للحركات الإسلامية الصاعدة.

 

نشأة المصطلح

رغم الانتقادات والحملات الأمنية ضدها تمكنت حركات الإسلام السياسي من التحول إلى قوة سياسية معارضة في بعض بلدان غرب آسيا وبعض دول شمال أفريقيا وباتت دول مثل إيران،السعودية ونظام طالبان السابق في أفغانستان والسودان، والصومال  من أهم الأمثلة لمشروع الإسلام السياسي، رغم أن أنظمة هذه الدول ترفض مصطلح إسلام سياسي وتستخدم  عوضا عنه الحكم بالشريعة أو الحاكمية الإلهية.

ومصطلح الإسلام السياسي هو  مصطلح سياسي وإعلامي وأكاديمي استخدم لتوصيف حركات تغيير سياسية تؤمن بالإسلام باعتباره "نظاما سياسيا للحكم". ويمكن تعريفه كمجموعة من الأفكار والأهداف السياسية النابعة من الشريعة الإسلامية التي يستخدمها مجموعة "المسلمين الأصوليين" الذين يؤمنون بأن الإسلام "ليس عبارة عن ديانة فقط وإنما عبارة عن نظام سياسي واجتماعي وقانوني واقتصادي يصلح لبناء مؤسسات دولة".

وهي لذلك تحاول بطريقة أو بأخرى الوصول إلى الحكم والاستفراد به، وبناء دولة دينية ثيوقراطية وتطبيق رؤيتها للشريعة الإسلامية، ويعتبر مصطلح الإسلام الأصولي  Islamic Fundamentalism  من أول المصطلحات التي تم استعمالها لوصف ما يسمى اليوم "إسلام سياسي" حيث عقد في سبتمبر 1994 مؤتمر عالمي في واشنطن  تحت عنوان "خطر الإسلام الأصولي على شمال أفريقيا" وكان المؤتمر عن السودان وما وصفه المؤتمر بمحاولة إيران نشر "الثورة الإسلامية" إلى أفريقيا عن طريق السودان، وفي التسعينيات وفي خضم الأحداث الداخلية في الجزائر تم استبدال هذا المصطلح بمصطلح "الإسلاميون المتطرفون" واستقرت التسمية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 على الإسلام السياسي.

إلغاء الخلافة الإسلامية

بالرغم من وجود دول في التاريخ كانت تستند في إدارتها الداخلية والخارجية وتوجهاتها السياسية إلى الشريعة الإسلامية، فإن حركة الإسلام السياسي بمفهومه الحديث بدأت بعد انهيار الدولة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى وقيام مصطفى كمال أتاتورك بتأسيس جمهورية تركيا على النمط الأوروبي وإلغائه لمفهوم الخلافة الإسلامية يوم 3 مارس من سنة 1924 وعدم الاعتماد على الشريعة الإسلامية من المؤسسة التشريعية كما قام بحملة تصفية ضد كثير من رموز الدين والمحافظين. وبدأت الأفكار التي مفادها "أن تطبيق الشريعة الإسلامية في تراجع وان هناك نكسة في العالم الإسلامي بالانتشار" وخاصة بعد وقوع العديد من الدول الإسلامية تحت انتداب الدول الغربية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى.

الحركات الاشتراكية والإسلام السياسي

يعتقد الكثير من المحللين السياسيين الغربيين أن نشوء ظاهرة الإسلام السياسي يرجع إلى المستوى الاقتصادي المتدني لمعظم الدول في العالم الإسلامي حيث بدأت منذ الأربعينيات بعض الحركات الاشتراكية في بعض الدول الإسلامية تحت تأثير الفكر الشيوعي كمحاولة لرفع المستوى الاقتصادي والاجتماعي للأفراد ولكن انهيار الاتحاد السوفياتي خلف فراغا فكريا في مجال محاولة الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، ويرى المحللون أنه من هنا انطلقت الأفكار التي ادعت بأن تفسير التخلف والتردي في المستوى الاقتصادي والاجتماعي يعود إلى "ابتعاد المسلمين عن التطبيق الصحيح لنصوص الشريعة الإسلامية وتأثر حكوماتهم بالسياسة الغربية، كما كان للقضية الفلسطينية والصراع العربي - الصهيوني واحتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة، في فترة الثورة الإسلامية في إيران وحرب الخليج الثانية، كان أهم الدور الكبير الذي مهدت الساحة لنشوء فكرة أن السياسة الغربية "مجحفة وغير عادلة تجاه المسلمين وتستخدم مفهوم الكيل بمكيالين".

إستراتيجية السعوديين

"النكسة الثانية للإسلام" مثلما يرى البعض تعود في العصر الحديث إلى نشوء حركة القومية العربية على يد القوميون العرب وجمال عبد الناصر وحزب البعث العربي الاشتراكي، غير أن فشل حركات القوميين العرب وقيام الجمهورية الإسلامية في إيران والتدخل السوفيتي في أفغانستان وصعود محمد ضياء الحق إلى السلطة في باكستان وحرب الخليج الثانية، وتوتر علاقة السعودية مع إيران وخاصة بعد فشل مساعي السعودية من الحد من انتشار الفكر الإيراني بعد اعتمادها على صدام حسين وحرب الخليج الأولى، أدى هذا إلى اعتماد السعودية إستراتيجية بديلة في منافستها مع إيران ألا وهي الدعم المالي للمدارس الإسلامية القريبة من تفكير السعودية إضافة إلى الدعم المالي للمجاميع الإسلامية في البوسنة والهرسك وأفغانستان ، مما جعل حركات الإسلام السياسي يشهد "صحوة" من خلال تكثف الأنشطة في فترة الثمانينيات والتسعينيات لتأخذ ما يسمى بحركات الإسلام السياسي طابعا عنيفا في الجزائر، فلسطين، السودان ونيجيريا، وكان الحدث الأكبر هو صعود حركة طالبان إلى الحكم في أفغانستان وتنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن التي فتحت واجهة العنف الممنهج باسم الإسلام، وكانت أحداث 11 سبتمبر 2001 المنعرج الحاسم في علاقة أمريكا بالعالم الإسلامي وتحديدا بتنظيم القاعدة التي استخدمت شعارات محاربة فساد الدولة والاستبداد لتبرر استخدام العنف والإجرام ضد الدولة ومواطنيها.

كما أن حزب "العدالة والتنمية" الذي صعد للحكم في تركيا بقيادة رجب طيب اردوغان كان له التأثير الكبير على "تنظيم" الإسلام السياسي.

الإسلام الليبرالي

هناك العديد من الحركات التي توصف بأنها "حركات الإسلام الاجتهادي" أو "حركات الإسلام التقدمي" التي تعتمد على الاجتهاد أو تفسير جديد أو عصري لنصوص القرآن والحديث النبوي ويرى هذا التيار بأنهم يحاولون الرجوع إلى "المبادئ الأساسية للإسلام" وتنادي هذه الحركات باستقلالية الفرد في تفسير القرآن والحديث والتحليل الأكاديمي للنصوص الإسلامية، والانفتاح أكثر مقارنة بالتيار المحافظ وخاصة في مسائل العادات وطريقة اللباس والهندام، والتساوي الكامل بين الذكر والأنثى في جميع أوجه الحياة. كما تدعو حركات الإسلام الاجتهادي أو الليبرالي اللجوء إلى استعمال الفطرة إضافة إلى الاجتهاد في تحديد الخطأ من الصواب.

ويرى هذا التيار أن التطبيق الحرفي لكل ما ورد من نصوص إسلامية قد يكون صعبا جدا إن لم يكن مستحيلا في ظروف متغيرات العصر الحديث. وهذا التيار لا يؤمن بصلاحية أية جهة بإصدار فتوى، ويؤمن هذا التيار بحق المرأة في تسلم مناصب سياسية وحتى أن تكون خطيبة في مسجد  ومعظم من في هذا التيار يحاولون فصل السياسة عن الدين ويفضلون مبدأ اللاعنف.

السلفية خلف الستار

ربما الحرب على الإرهاب تلك التي وظفتها الإدارة الأمريكية بقيادة جورج بوش في محاولة منها للسيطرة على مقدرات البترول أساسا في المنطقة العربية وفتح سوق كبيرة للسلاح، هي التي ساهمت بقسط كبير في جعل الحركات الإسلامية تتأرجح بين مبدإ العنف ومبدإ اللاعنف، ولكن الأكيد أن الحركات السلفية قد كسرت كل القيود التي ضربتها الحركات الإسلامية التي تدعي المدنية والوسطية، باعتبار أن السلفية تعتبرها حركات برجوازية ونخبوية... قد حادت عن مبدا تطبيق الشريعة الذي يقتضي الجهاد المسلح.

Related Posts

انتصار مدنيّة الدولة

21/04/2012

المطّلعون بدقّة وعمق على تواريخ الديمقراطيات الحديثة يعرفون حقّ المعرفة أنه لا يوجد مجتمع أصبح ديمقراطيا بين عشيّة وضحاها، بمقتضى قرار سياسي أو مرسوم إداري...

 

سلوى لنساء لبنان : لا التحرش

11/03/2012

أحاديث لا تفتح إلا في حلقات ضيّقة بين الأصدقاء. هي معاكسات تتعرض لها النساء...

 

ما نكافأ لقيامنا به سرعان ما نُعاقَب عليه

29/03/2005

بيروتنحتاج دائماً إلى مَنْ يُذكّرنا بميزات بلدنا ، نحن اللبنانيين. منذ فترة قصيرة انقضت كانت ميزة بلدنا في عَظَمته ، بحسب ما راح يقول الروائيون العرب الذين التقوا في القاهرة منذ أسابيع قليلة . ذاك أن شعبه ، بحسبهم ، تمكّن بمعارضته من إسقاط الحكومة التي لا يريدها (وهي الحكومة التي جرى تكليف رئيسها ليعاود ، من جديد ، تشكيلها). في أحيان أخرى يجد آخرون ميزة بلدنا في رحابته إذ فيه يهتدي زائروه العرب إلى ما لن يتوقفوا عن الحلم به .