حريّة بيروت بدأت من الجدران

بعد الصمت الطويل الذي لازم مدينة بيروت، كان من البديهي أن تنتفض وتتكلم. ليل الواحد من أيار انتفضت بيروت، تمرّدت على قيود القمع وكسرت الصمت. لم يكن كلاما عاديا ولم تترو في عباراتها. لم يكن هناك فواصل بين الكلمات، ومن الواضح أنه لن تكون نقاط. الأول من أيار لم يكن كلاما بل صرخات متتالية أطلقتها بيروت عبر جدرانها وناشطيها.

الدعوة كانت مفتوحة. عنوانها "يوم حريّة التعبير في لبنان". بدأ التجمع مساء امس الأول من أيار، في الساعة السادسة ، أمام مسرح المدينة في شارع الحمرا. الساعة السابعة كانت إعلانا لبدء "لقاء اليافطة" وهو لقاء شعري. وقف شاب على منصة حجريّة، تحلّق الجمهور حوله، فبدأ بإلقاء شعره باللغة المحكيّة. تبعه بذلك شاب وصبيّة، ألقوا أشعارهم باللغة الإنكليزيّة.

انتهاؤهم كان إعلانا لبدء حفلة الغرافيتي. عشرات الناشطين والناشطات، باختلافاتهم السياسيّة، ساروا معا دفاعا عن حق كل فرد منهم بأن يقول رأيه بحريّة. محطاتهم كانت متنوعة. بدءا من الصنايع، انتقالا إلى برج المر وبرج الغزال.

مشهد جميل. مسيرة جمعت اختلافا في الألوان والتوجهات. لعل إختلافهم بدا واضحا في بعض الحوادث، خصوصا في ما يخص الرسومات المتعلقة بالثورة السوريّة. ففي حين قامت مجموعة بكتابة عبارة يسقط بشار الأسد، أضاف أحد الأشخاص كلمة "لن". وفي مشهد آخر قام البعض بالرسم والكتابة فوق رسمة "سوريا الثورة مستمرة". اختلاف آراء وتمرين على حوار حضاري إلاّ أنه ليس بمنفر طالما أنه يمارس بأساليب سلميّة وديمقراطيّة.

في حين كان الناشطون يحملون ألوانهم ورسوماتهم من مكان لآخر، كان هناك مواكبة أمنيّة لهم تتضارب في مواقفها. الموقف سبّب بلبلة في أجهزة الدولة. ففي حين ارتأت قوات الأمن إعتقال الناشطين، كانت لأجهزة الدرك والمعلومات أوامر مخالفة سمعها الناشطون "ما حدا يدق فيهن واكبوهن بس ".

الرسومات لم تقتصر على موضوع واحد. فانطلقت من الداخل اللبناني لتحاكي هموم المواطنين اليوميّة وتتطرق إلى الفساد المتفشي في أجهزة الدولة والعساكر مرورا بقضيّة السوليدير والعمالة، وصولا إلى الخارج تضامنا مع كل الثورات العربيّة. ما فعلوه كان علنا تحديا لسلطات القمع والرقابات التي تخطّت كل ممكن.

الأول من أيار، إضافة إلى إعلانه كيوم لحرية التعبير، هو عيد العمال، المناسبة التي جعلت مجموعة من الناشطين تتسلل بعيدا عن الأنظار متوجهة إلى مقر الاتحاد العمالي العام طلبا لعيد مسلوب "نقابات عماليّة وليست عميلة"، "غسان غصن ارحل".

هو تحرّكهم الجماعي الأول للدفاع عن حرياتهم. تمرين بسيط بدأوا به من الجدران وسيكملونه إلى آفاق أوسع. الرسم على الجدران، هو الجرم الذي اعتقل من أجله علي فخري وخضر سلامة. والجرم نفسه الذي جعل من سمعان خوام حتى اليوم يتنقل من محكمة إلى أخرى. رغم ارتكابهم لنفس الجرم وأمام أعين السلطات إلاّ أنه لم يتمكّن أحد من التجرأ على توقيفهم. هل هو

العدد هو الذي يجعل هذا "الجرم" مغتفرا أم لأسباب أخرى غير معلنة؟؟

Related Posts

الكاريكاتور كوسيلة فنية ساخرة

13/05/2008

تعانق رسومات فنان الكاريكاتور الفلسطيني "محمد سباعنة" بشغب ساخر جدران مسرح البلد في عمان.

الممثل والمخرج السينمائي الفاضل الجزيري

05/07/2012

السلفيون خطر على الإبداع... لا أرغب أن أكون وزيرا... والترجي فريقي المفضل...

 

تدوينة عن التربية والتعلم بالصدفة: فرصة ثانية للحياة

08/05/2016

تدوينة عن التربية والتعلم بالصدفة: فرصة ثانية للحياة
في الشهر القادم يتخرج ابني الأكبر زياد من الجامعة، ويلحقه أخوه مازن بعده بعام، وبين لحظة ميلادهما وتخرجهما، كانت فرصة ثانية للحياة لي.

(ابتكار/ مدى مصر)