سوريا في زمن الثورة شباب يصنعون إعلامهم

 

لا شيء يعبر عن حال السوريين إعلامياً سوى تلك الطرفة الدارجة منذ أيام الرئيس حافظ الأسد والتي تقول أن:" في سوريا محطتا تلفزيون الأولى تبث خطابات القائد، وإذا هرب المواطن منها إلى الثانية وجد شرطياً يهدده بالعصا كي يعود إلى المحطة الأولى ويتابع الخطاب."

تختصر الطرفة السابقة حال الإعلام السوري، وعلاقة السوريين معه، في بلد حكمه حزب البعث بقانون الطوارئ مدة قاربت نصف قرن، وورثه الأسد الابن عن الأسد الأب بدقائق معدودة "دستورياً"!، وبكثيرٍ من التهليل والبهجة على صفحات الجرائد وقنوات التلفزيون السورية.

لم يملك السوريون صحافةً  مكتوبةً أو إعلاماً بشكل عام يشبه إعلام الآخرين في دول العالم أو الجوار، فعلى صعيد الأسماء ترتبط الصحف السورية الثلاث الأشهر "تشرين والبعث والثورة" برابط الأيديولوجيا وتخليد نظام الحكم، فالأولى تتبع تسميتها لشهر تشرين/ أكتوبر تمجيداً للحرب التي خاضتها سوريا مع إسرائيل واختصرها النظام بلحظة رفع حافظ الأسد العلم السوري في إحدى ساحات مدينة القنيطرة، أما الثانية فهي ناطقة باسم حزب البعث "وهي بحسب قانون المطبوعات السوري تعتبر من الصحافة الخاصة لأنه لا يوجد وضع قانوني للأحزاب يسمح لها بتحديد ميزانياتها وميزانيات صحفها"، والثالثة فاسمها يمجد وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، والذي أطلق عليه يومها اسم "ثورة العمال والفلاحين".

ومن الناحية القانونية بقي قانون المطبوعات رقم 49 الذي أصدره الرئيس السوري السابق حسني الزعيم عام 1949 يحكم الصحافة السورية حتى عام 2001 بعد وصول الأسد الابن إلى السلطة، وهذا بدوره أصدر قانون مطبوعات "لا فرق بينه وبين السابق سوى التاريخ فقط" بحسب ما أشار إليه صحفيون وكتاب سوريون، وبلغ عدد المطبوعات السورية الحكومية والخاصة منذ عام 2001 حتى الآن  232 مطبوعة منها 160 خاصة و72 حكومية، وتتوزع المطبوعات المرخصة بين 90 مجلة و70 صحيفة، ومن أهم شروط الترخيص هو اشتراك المطبوعة في وكالة سانا الرسمية للأنباء وهي الوكالة الوحيدة للأنباء في البلاد وتتبع بدورها إلى وزارة الإعلام السورية، ما يترك المطبوعات مرهونة بمصدر الأنباء الرسمي ووجهة نظره عن الأحداث.

ومن يراقب حركة التراخيص التي كانت موجودة في سوريا خلال السنوات الماضية، يرى أنها كانت تمنح بغالبيتها إلى رجال مال وأعمال مقربين من النظام أو منحدرين من صلبه "أبناء مسؤولين أو ضباط"، فيما قمعت كل التجارب التي حاولت أن تشذ عن هذه القاعدة وأكبر الأمثلة جريدة الدومري التي أصدرها رسام الكاريكاتور السوري علي فرزات وأغلقتها السلطات السورية دون أي سبب توضيحي يذكر، كذلك مجلة "شبابلك" التي يرأس تحريرها الصحفي السوري إياد شربجي الذي عوقب وعوقبت مجلته نتيجة مواقفه المعارضة للنظام السوري خلال الثورة.

ضمن هذا الإطار عاش الإعلام السوري ما يقارب خمسين سنة، حتى بداية الثورة السورية متأثرةً برياح الربيع العربي، وفي جملة ما قدمته الثورة من كشوفات عن المجتمع السوري هي ظهور تجارب إعلامية وصحفية جديدة خرجت من قلب الثورة التي تعيشها البلاد منذ آذار 2011، فبدأت تظهر إلى الملأ تجارب إعلامية جديدة، تعبر عن روح الحراك ومطالب الشارع السوري وتغطي أحداث الثورة الدامية في البلاد والتي تتجاهلها وسائل إعلام النظام أو المقربة منه.

كانت البداية من الشباب السوريين المقيمين في الخارج مع جريدة "البديل" والتي تعرف نفسها "بأول مطبوعة سياسية تعنى بشؤون الثورة السورية صادرة من الخارج". ويقوم على أغلب التجارب الإعلامية نشطاء وشباب سوريون قرروا أن يكون لهم صوت في ظل التعتيم الإعلامي الذي يمارسه النظام على الأحداث القائمة، ثم أطلقت من الخارج أيضاً إذاعة واحد زائد واحد، وهنا تشير "الناشطة شام" من فريق عمل الإذاعة: "بدأت فكرة راديو 1+1 منذ الشهر الثالث من الحراك الشعبي في سوريا، وبدأ البث الفعلي أوائل شهر تموز 2011." وتضيف:" الراديو اليوم ما يزال في طور البث التجريبي ونعمل يوميا على تحسين الأداء وتجاوز مشكلات البث التقنية والتقيد بالمواعيد، كما نقوم بعمل منتظم لتطوير هوية الراديو وإنتاج ما يعبر عن أهدافه وطموحات من يتحدث باسمهم أي الشعب السوري بمختلف فئاته."

من خارج سوريا إلى داخلها انتقل الحراك الإعلامي المساند للثورة السورية، ليصدر مجموعة من الشباب في مدينة داريا جريدة "عنب بلدي" والتي يشير شعارها إلى أنها "من كرم الثورة" وهي أسبوعية تقع في 12 صفحة تعنى بالحراك في مدينة داريا أولاً ومن ثم الحراك في سوريا بشكل عام، وصدر عددها رقم صفر في كانون الثاني 2012، وكما يشير القائمون على الجريدة أنهم "مجموعة من الشباب والشابات في مدينة داريا ويصدرون هذه الجريدة بجهدهم الذاتي."

مع شدة القبضة الأمنية يواجه النشطاء الذين يعملون على إصدار المجلات والجرائد كثيراً من الصعوبات، خاصة فيما يتعلق بالتوزيع والطباعة والنشر، ولذلك نشرت جريدة "أخبار المندس" على موقعها الالكتروني شريطاً تعليمياً يتضمن الخطوات الكفيلة بطباعة عدد كامل من الجريدة، ويستطيع المتصفح للموقع أن يطبع الجريدة ويوزعها في أي مكان كان، ولا يترتب عليه سوى الإبلاغ عن عدد الأعداد التي طبعها فقط.

بالتوازي مع نشاطها السياسي كعضو في المجلس الوطني، ونشاطها الحقوقي والإغاثي أصدرت لجان التنسيق المحلية كذلك مجلتها تحت اسم "طلعنا ع الحرية" في إشارة منها إلى الحرية التي يحلم بها الشعب السوري، وتعنى المجلة برصد الحراك في سوريا وتطورات الوضع الميداني والسياسي أيضاً، كما تنشر مقالات لكتاب وصحفيين سوريين من داخل سوريا وخارجها.

بينما تعمل مجموعة أخرى من الشباب السوري تعرف نفسها "مجموعة من شباب حر، يعمل للتأسيس لصحافة حرة، تحمل قيمة الإنسان الحقيقية..." على إصدار مجلة "سوريتنا"، والتي لا زالت تحلم "بطابعة أكبر من أجل زيادة أعدادها"، بحسب أحد القائمين عليها.

يضاف إلى هذه التجارب المسموعة والمكتوبة في الإعلام السوري الجديد تجربة إذاعة "بداية جديدة"، وهي واحدة من الإذاعات التي بدأت البث بالتزامن مع أحداث الثورة السورية، ويقوم عليها مجموعة من الشباب السوريين كغيرها أيضاً، وهو المشترك الأكبر بين كل هذه التجارب سابقة الذكر، ولذلك يبدو غياب الإعلام المرئي واضحاً عن هذه التجارب نظراً لتكاليفه الباهظة، بينما يكفي مبلغ يقارب "50 دولار" في الشهر لحجز مساحة بث إذاعي عبر الانترنت، وتكفي طابعة وجهاز كمبيوتر وبعض الأوراق للبدء بإصدار جريدة "تعنى بالشأن السوري في زمن الثورة" كما يشير أحد النشطاء الصحفيين، ويضيف:" يكفينا الحلم بالحرية لنتابع من أجل التأسيس لمرحلة جديدة في الصحافة السورية."

كذلك عرف السوريون تجربة مؤسسة الشارع للإعلام والتنمية، وهي تجربة جديدة كشفتها الثورة أيضاً، يقوم عليها مجموعة من الصحفيين والسينمائيين السوريين الشباب، الذين ساهموا في تغطية الأحداث الجارية في سوريا، وأنتجوا عنها مجموعة من الأفلام الوثائقية التي سعت لتقديم صورة عن الأوضاع في البلاد، كما قدمت الشارع مؤخراً احتفالية "الشارع السوري بمناسبة عام على الثورة" والتي تضمنت أعمالاً سينمائية، ومعارض تشكيلية، وإنتاج أسطوانة موسيقية تحمل أغاني الثورة السورية، وتعددت فعالياتها داخل وخارج سوريا.

هذا ما قدمه شباب سوريون خلال عام من الثورة، حلم بإعلام جديد يشبههم ويعبر عن صوتهم ورؤيتهم، بعيداً عن الارتهان لوجهة نظر النظام التي بقيت سائدة في الإعلام السوري لما يقارب نصف قرن من حكم البعث لسوريا، ولا يمكن اليوم تقديم إحصاءات دقيقة عن هذه التجارب التي ظهرت خاصة وأنها توزع بشكل سري وبعضها لم يظهر ويرى النور لبقاء التخوف الأمني كواحد من أهم معوقات العمل الصحفي في سوريا.

Related Posts

حوار مع النقابي والناشط الحقوقي المصري عادل البكري:

04/07/2012

الحركة النقابية المستقلة كانت أهم معول لهدم النظام المصري القديم

حزبا "العدالة والحرية" و"النور" حلما بتركة النظام القديم في ميدان التحرير