ثورات العرب: حروب في لبنان

 

رغم أن لبنان صغير بمساحته إلا انه كعادته لا يتردد للحظة في أن يكون ساحة لصراعات المنطقة والعالم. فلبنان الصغير لايتمتع بأية مناعة أوخصوصية لمشاكله، فتعبر المشاكل حدود هذا البلد بسلاسة. ومن الواضح في الآونة الأخيرة زيادة الانقسام في الشارع اللبناني حيال ما يحصل في سوريا، البلد الذي يشكل أغلب حدود لبنان.

رسميا، ونظرا لحساسية الموضوع السوري وانعكاساته على مستقبل لبنان، اتبعت الحكومة اللبنانيّة في ما يخص سوريا سياسة "النأي بالنفس" تاركة بذلك الشارع اللبناني يتخبط فيما بينه بين مؤيّد ومعارض. وطبعا سياسة الحكومة هذه لم يتقيد بها الناطقون باسم الأحزاب اللبنانيّة لا بخطاباتهم السياسيّة ولا بممارساتهم الفعليّة على أرض الواقع.

الخلافات في المشهد السياسي التي شهدها لبنان، تصاعدت في مدينة طرابلس شمال لبنان. وأصبحت مواجهات دامية من حين لآخر بين سكان باب التبانة، المؤيدين للثورة السوريّة وبين سكان جبل محسن المؤيدين لنظام الأسد. إلا ان الانفجار الحقيقي حصل عندما قامت قوى الأمن اللبنانيّة باعتقال شادي المولوي، الاسم الذي كان حتى الأمس القريب ليس معروفا في الأوساط اللبنانيّة. لكنه وبعد حادثة الإعتقال بات أشهر من أن يعرّف.

الإعتقال لم يجر بطريقة عاديّة، فالمولوي استدرج إلى مكتب الصفدي، وزير المالية في لبنان، وقيل له أنه سيحصل على مساعدة اجتماعية من أجل إبنته المريضة، وهناك لم يكن ثمة أي مساعدات بل تم اعتقاله على أيدي عناصر الدوريّة داخل المكتب.

فور انتشار الخبر، خرج مئات الشبان الطرابلسيين إلى الشوراع وقطعوا الطرقات بالإطارات المشتعلة واعتصموا في احدى ساحات المدينة استنكاراً للطريقة التي اعتقل بها والتي اعتبرها البعض استفزازيّة وقريبة إلى الخطف أكثر من قربها لاعتقال تقوم به جهة رسمية. التصريحات حول سبب اعتقال المولوي كانت متناقضة، فأهالي طرابلس يسرّون أن اعتقاله أتى على خلفيّة مساعدته لللاجئين السوريين فيما أعلن البيان الذي صدر عن المديرية العامة للامن العام انه تم اعتقال المولولي بعد متابعة دقيقة قام بها مكتب شؤون المعلومات في المديرية، وبإشراف القضاء المختص، بتهمة تواصله مع تنظيم إرهابي مسلح.

هذه التهمة لم تردع الطرابلسيين من المضي في احتجاجاتهم وتهديداتهم بالتصعيد إن لم يتم الافراج عن المولوي. هكذا نفذ الطرابلسيون تهديداتهم وأصبحت طرابلس معزولة عن أي مدينة أخرى. ولم تشهد طرابلس فقط قطع طرقاتها بل تجددت الاشتباكات والمواجهات بين باب التبانة وجبل محسن مرورا بالملولة والمنكوبين لجهة البداوي وحي البقار والريفة في القبة، حتى أن الأمر تصاعد ليبدأ القنص والقصف. هذه الأحداث التي رافقها انتشار مسلح أدت في الكثير من الأحيان إلى اشتباكات مع الجيش.

في الوقت الذي كانت تشهد فيه طرابلس اضطرابات بدت وكأنّها لن تنتهي، انتقل الحدث الأمني إلى عكار حيث سقط أحد رجال الدين البارزين في قوى 14 آذار قتيلا برصاص حاجز الجيش. إثر شيوع الخبر بدأت حملة جديدة من قطع الطرقات ولكنها هذه المرة امتدت لتشمل عكار وصولا إلى بيروت.

البعض اعتبر أن هذه الحادثة مفتعلة واطلاق النار كان مقصودا في اشارة منهم إلى ان الضابط الذي أهان الشيخ عبد الواحد وأطلق النار عليه تابع لقوى 8 آذار. أما قيادة الجيش فقد عبرت عن أسفها الشديد لسقوط الضحية، وبادرت إلى بدء التحقيق باشراف القضاء المختص لتحاسب الفاعل.

وبما أن شعب لبنان يتوزع مناطقيا بحسب طوائفه، كان لا بد من أن تتحرك المناطق التى تقطنها في الغالب الطائفة السنيّة لنجدة "إخوانهم" في الشمال واستنكارا لمقتل شيخ الطائفة. هكذا انتقلت ساحة الصراع إلى بيروت. وبدأت أصوات اطلاق النار في طريق الجديدة تعلو بين طرفين من الطائفة نفسها إلا أنهما يختلفان في خطهما السياسي بين 8 و14 آذار.

ليس من المهم معرفة تفاصيل الحادثة ومن كان البادئ، فلكل طرف قصته المختلفة التي تتناقض مع قصة الآخر. ولكن الجدير بالملاحظة أن سياسة "النأي بالنفس" التي اتبعتها الحكومة، فشلت. فالنظام السوري يحاول زج لبنان في معركته داخلا إليه من البوابة الشمالية.

بعد الشلل الكامل الذي شهدته طرابلس وبعد الاشتباكات والدماء التي نتجت عنها، والتي امتدت إلى بيروت، أطلق سراح المولوي بعد توقيف دام تسعة أيام وكأن شيئا لم يكن. المسؤولون المعنيون صرحوا بأن التهم الموجهة إليه حول انتمائه إلى تنظيم "القاعدة" وقيامه بأعمال ارهابية في لبنان والخارج لم تثبت صحتها. خرج المولوي، أسئلة عديدة طرحت، "هل اطلق سراحه نتيجة ضغط الشارع، أو نتيجة ضغوط خارجية؟ هل ادّعى القضاء عليه باطلا ورجع عن ادعائه؟ أم أن لرئيس الحكومة مصلحة في كسب رضا "الشارع السني"؟

إطلاق سراح المولوي في كل حال دليل على انهيار مفهوم "الدولة" في لبنان أو عدم وجوده أصلاً. فإن كان المولوي بريء واعتقل فقط لمساعدته للاجئين السوريين كما أشيع فهذه مصيبة، وإن كان حقا يرتبط بتنظيمات إرهابية وأفرج عنه فتلك مصيبة أخرى.

لا شك أن الأحداث التي حصلت مؤخرا خدمت كثيرين، داخل لبنان وخارجه. أما ساحة العراك فقد هدأت إلا أنها لم تنته. فلكل منطقة أسلحتها ونفوذها وجهات خارجية محرّضة وداعمة. ولكل حزب أو تيار دولة يرسم هو حدودها ويحدد مفهومها. كل ذلك والدولة اللبنانية تتخذ قراراتها بالتراضي بين جميع الأطراف خوفا من غضب أحدهم. قائمة على توازن الخائف من النار. كل ذلك والدولة في نوم سريري يخال الناظر أنه مؤبّد!

 


تصوير حسين بيضون

 

Related Posts

ملف: المساواة بين الجنسين

07/12/2016

797 0
هل من الممكن طرح تساؤلات حول العلاقة بين الجنسين، بشكل متقطع، ومن ضفة لأخرى من البحر المتوسط؟ هذا ما يقدمه هذا الملف الذي قامت بصياغة محتواه ثمانية وسائل إعلامية مستقلة (أرابلوغ، باب الماد، فريم، إنكفادا، مدى مصر، ماشالله نيوز، راديو م، وعنب بلدي). موضوع الملف هو العمل مع تحقيقات حول تجربتي إدارة ذاتية حصلتا في تركيا وفي تونس، وكذلك الممارسات المهنية مع تجربتين لامرأتين قامتا بعمل مخصص للرجال، إحداهما لحّامة في الجزائر والأخرى عاملة منجم في سردينيا. هناك أيضاً في الملف العنف الذكوري كثقافة أدنى، وهي تأتي فيه من خلال أربعة ربورتاجات حول قتل النساء في ايطاليا والطلاق في تونس، والإساءة إلى الصحفيات من النساء في وسائل الإعلام المصرية، ومعركة النساء في الرقة. هناك أخيراً في نهاية هذه الفسيفساء المدهشة حكايا عن رجال انخرطوا في النضال ضد هذا العنف.

(ابتكار)

حين يصبح العدالة والتنمية محامي الشيطان

12/06/2012

 

 

 

بعد أشهر من فوزه الكاسح  في الانتخابات التشريعية  الأخيرة بالمغرب، وتكوينه لحكومة  تضم أطيافا سياسية أخرى، تغير الخطاب الرسمي لحزب العدالة والتنمية الإسلامي...

 

حوار مع نصر حامد أبو زيد

22/01/2010

بالنسبة لخبير الدراسات الإسلامية، نصر حامد أبو زيد،
لا يصح تفسير القرآن إلا في ضوء الأحداث التي واكبت انتشار الإسلام في فترة حياة النبي.
و يؤكد أن الإسلام  كعقيدة دينية يحمل آثار الحقبة التي تأسس فيها و شهدت عمل الفقهاء.