الثورات العربية وأسئلة الأغنية السياسية

 

يقال إن زوجة الشيخ شامل قائد المقاومة الشيشانية ضد الروس في القرن التاسع عشر قالت له:"الدم يسيل حولنا أيها الإمام، والناس يقتلون، فكيف تستطيع الاستماع إلى أغاني زوجتك الجديدة الأرمنية وكأنها صلاة بعدما حرمت الغناء" فأجابها:" إنها تغني الأغاني التي يرددها أعداؤنا عنا، ولو أني سمحت للأغاني الباكية أن تنتشر لبلغت أعداءنا ولتغيرت فكرتهم عنا، وسأشعر بالخجل آنذاك من النظر في عيون الأمهات اللواتي استشهد أبناؤهن في حملاتهم معي، أما الأعداء فليغنوا فينا أغانيهم".

أما نحن فلن نسأل عن الأغاني التي غناها أعداؤنا فينا لأنها لم توجد أصلاً، ولكن لنا أن نسأل أين الأغاني التي غناها بنو جلدتنا، أين هو مارسيل خليفة وجوليا بطرس وزياد الرحباني، وهل فاقت موهبتهم الغنائية ثوريتهم، أم أن ثوريتهم كانت وصفة مثل وصفات بعض المشايخ لكنها أقل دينية، وكيف ينظر إليهم اليوم من كانوا يستمعون إليهم بالأمس، ولماذا لم نسمع بالقاشوش وخاطر ضوا إلا الآن، هل فاقت ثوريتهم موهبتهم الغنائية،  أم أن لعبة التسويق بعيدة عنهم؟

ولماذا غابت عن القنوات الفضائية خصوصاً المصرية منها الأغاني الثورية التي غناها منذ زمن علي الحجار وإيمان البحر درويش ومحمد منير، هل انتهت صلاحيتها أم انتهت صلاحية من استمعوا لها، أم أن الثورة شملت كل شيء له علاقة بالسياسة حتى أغنيتها!

ربما أدى انحسار اليسار السياسي راعي الأغنية السياسية إلى انكفاء أبرز رموزها، وإذا كان بعض هؤلاء لبسوا طرابيشاً -مثل قعبور- يزينون بها رؤوسهم على شاشة قناة المستقبل الفضائية، فإن آخرين اختفوا عن الساحة، وغابت أغانيهم عن الوطن مع غياب الحزب وإلا ما معنى ألا نسمع صوت أكثرهم إلا عرضاً، مثل قعبور الذي خلع طربوشه التراثي مؤقتاً في الدوحة المحافظة ليعاود لبسه لاحقاً في بيروت الليبرالية!؟

أود أن أعرف لما يهزأ يساريون يدعون امتلاك الأغنية السياسية من مطرب غنى "فلسطيني" و"ياطالع الشجرة" و "ياللي بتلعب بالبولتيكا" و "يا مصري" فقط لأنه غنى "صلينا الفجر فين صلينا في الحسين".

ألم تثبت الأحداث أن من ينظر إليهم المثقفون بتعال كانوا متقدمين ثورياً وأخلاقياً على الأدونيسيين.

وهل يمكن التعامل مع أفكار عالم الأغنية السياسية كما يفترض بالصحفي التعامل مع الأخبار أي بحيادية!؟ أم أننا يجب أن نكون فيها ثوريين حتى الثمالة كما أحلام من سمعوا هذه الأغاني تحت قصف القنابل، وصبغوا بها أيامهم الحمراء لا الليالي.

وما معنى أن تختفي اللواتي سألننا "وين الملايين" - ورفعن صوتهن بالسؤال حتى خجلنا من أنفسنا- هل كن يزاودن علينا، ومن نلوم، أنلوم أنفسنا على سذاجتنا أم نلومهن على نفاقهن، وأين تختفي عن ساحات الصحافة الأسئلة المحرجة لأولئك الذين يختبئون خلف أغانيهم القديمة كيلا يروا دماء الأطفال.

وهل تشفع لمارسيل خليفة أغان بثتها إذاعة القدس في دمشق ليلاً نهاراً معطرة كلمات محمود درويش، أم أن دمشق نفسها تذكر رفض صاحب تلك الأغاني إحياء حفل لحزبه الشيوعي ما لم يقبض آلاف الأوراق الخضراء، أم تذكر  دمشق تناسيه لها اليوم في محنتها.

وهل بقيت إذاعة القدس من دمشق ثورية، أم أن الثورات هي خلف الحدود فقط، وهل ذهبت دماء عز الدين القسام الذي حمل الثورة من سوريا إلى فلسطين هباء، وانتظرت سوريا رد الجميل عبثاً.

أود أن أعرف هل يجوز لمن وهب نفسه للأغنية الملتزمة أن يفك ارتباطه بها أم أنه زواج كاثوليكي.

وهل يجوز لمن راقص الغواني وداعبهن أن يكرس نفسه في أوقات الأزمات بطلاً وطنياً بصوته حتى إشعار آخر يعود فيه إلى سابق فحولته.

كنت أود أن أعرف فيما إذا كانت الأغنية السياسية حلماً جميلا عشناه، أم أنها ذبذبات وترددات انتقلت إلينا ثم نسيناها قبل أو بعد أصحابها.

وهل حرمنا الأغاني التي غناها أعداؤنا فينا واكتفينا ببكائيات أغانينا. أسئلة كثيرة ما كنت أود طرحها لولا أن أجوبة كثيرة لما أسمعها.

 

وائل يوسف

Related Posts

"في البحث عن الآخر على أرصفة السماء": التشكيل و الشعر في تجربة ألفة اليزيدي

24/06/2008

يشهد مسرح الفنون الحمراء بتونس فعاليات المعرض التشكيلي للرسامة والشاعرة التونسية ألفة اليزيدي.

حصاد الموسم الرمضاني الدرامي بين التجديد والجرأة

21/10/2008

حصاد الموسم الرمضاني الدرامي بين التجديد والجرأةحصيلة هذا العام أن معركة الانتاج الدرامي حسمت لصالح الانتاج السوري، الذي أثبت تفوقه في الجودة الفنية والأهمية الدرامية عززتها الحرفية الفنية للممثلين والرؤية الإبداعية للمخرجين.

فيلم "حسن ومرقص" صك براءة للأمن من الفتنة في مصر

06/10/2008

فيلم "حسن ومرقص" صك براءة للأمن من الفتنة في مصرهل نحج الفيلم المصري "حسن ومرقص" المثير للجدل في توضيح الأسباب الحقيقية وراء الواقع الطائفي في مصر اليوم؟ أم أنه فيلم كل هدفه مجاملة طبقات معينة من النظام؟