حسين بيضون : يحكي عن واقع المصورين

 

فرح، غضب، حزن، انكسار، انتصار... وحدها عدسة المصور تستطيع تخليد هذه اللحظات وأرشفتها في صور لا يمكن محوها من الذاكرة. يحملون كاميراتهم ويتنقلون من مكان إلى آخر. يتسابقون مع الوقت كي لا يفوتوهم أي حدث. ورغم ما يتعرضون له من أخطار إلا أن حبهم للمهنة هو ما يدفع بهم للإستمرار وليس الأجر الزهيد الذي يأخذونه.

في لبنان لا يوجد قانون يمنع التصوير. اذن هو أمر متاح للجميع في أي مكان وقلة هي الأماكن التي يحظّر فيها التصوير لأسباب أمنية وعسكرية منطقيّة. إلا أن ما لوحظ في الفترة الأخيرة من تضييق على عمل المصورين دلالة على أن واقع لبنان لم يعد مغايرا لواقع الدول العربيّة الأخرى حيث أن هامش حرية المصور شبه معدوم.

الفترة الأخيرة شهد لبنان تحولا غريبا. المصور الذي يقتضي عمله أن ينقل الخبر بعدسته، أصبح في كثير من الأحيان هو الخبر. حسين بيضون أحدهم تعرّض لأكثر من مرّة لمضايقات واعتداءات. والمؤسف أن من يتولى القيام بهذه المهمة هي قوات الأمن نفسها. أما الجهات الرسمية المعنيّة، فكل ما تفعله لاحقا هو اصدار بيان تستنكر فيه هذه الإعتداءات وينتهي الأمر دون ان تحاول ايجاد قانون يحمي المصورين ويدين من يتعرض لهم.

"ليس هناك احترام للمصور في لبنان، نحن مكسر عصا للجميع. نتعرض للإعتداءات من قبل الجيش والدرك وحتى المواطنين" هذا ما يقوله حسين شارحا أنه لا يوجد ثقافة المصور والصحافة مخنوقة، ولبنان تملأه المربعات الأمنيّة من الشمال إلا الجنوب. هم يخافون الكاميرا أكثر من خشيتهم الإرهابيين. الادعاء بأن لبنان بلد الصحافة الحرة باطل.

لا شيء يعوّض على المصور خيباته. لا دخل جيّد ولا ضمانات حقيقية ولا حتى تسهيلات. هو "فشة خلق" للجميع و"حقوقه مهدورة" بحسب قول حسين. المرة الأولى التي تعرض فيها حسين للضرب كان يقوم بالتصوير في منطقة بشارة الخوري لشباب يقومون بإشعال الإطارات. أول ما قام به الجيش حين وصوله هو كسر كاميرته. لم يستفزهم مشهد الإطارات المشتعلة بقدر ما أغضبتهم تلك العدسة. لاحقا لم يكن من إدارة الجيش إلا تقديم اعتذار. والاعتذار هنا لا يشمل محاسبة المعتدين ولا تعويض مادي لإصلاح الكاميرا. ولا حتى محاولة البحث عن مشروع  قانون لحماية المصورين.

المرة الثانية التي تعرض الدرك لحسين وكسروا كاميرته، ليست منذ زمن بعيد. منذ شهرين، أثناء إعتصام من أجل حريّة التعبير. إلا ان هذه المرة مختلفة. فموقع النشرة، حيث يعمل حسين قرروا رفع دعوة لوضع حد للتجاوزات التي ترتكب بحق المصورين.

"ما نعمل عليه الآن كمصورين هو أرشفة جميع ما نتعرض له، التصعيد سيأتي لاحقا كي نجبر المعنيين بإقرار قانون يمنع التعرض للمصورين من أي كائن" هذا ما يؤكده حسين رافضا بيانات الاستنكار التي لا يعرفون القيام بغيرها. برأي حسين أن كل ما يفعله المصور هو نقل الحقيقة عبر صورة حيادية لا يمكن التلاعب بها لذلك على القضاء أن يتحرك لحمايتهم الآن للحد من التجاوزات بحقهم وليس بعد عشرين سنة.

يرى حسين أن مقتل المصور علي شعبان تتحمل مسؤوليته الدولة اللبنانية. سكوتها على التجاوزات التي تحصل منذ سنين هو الذي أدى لاستشهاد علي. لو أنها وضعت قانوناً يحمي المصورين لما كان يعاد الشيئ ذاته دائما. المصورون معرضون دائما للموت إمّا على الجبهة أثناء تغطية العدوان الاسرائيلي أو بمشاكل داخلية.

رغم صغر سنه، نسبة لزملائه في المهنة، إلا ان حسين استطاع وبوقت قصير أن يثبت موهبته. فلم تعد صوره تستخدم فقط في الأماكن التي يعمل بها، بل باتت تستخدم من قبل عدة وكالات كما انها تتصدر في الكثير من الأحيان الصفحات الأولى لعدة صحف.

نادرة هي المرات التي لا تصادف حسين فيها في التحركات الشبابيّة. كاميرته دائما بحوزته استعدادا لاقتناص أي لقطة. يحب حسين استعمال عدسته لتصوير لقطات تظهر التناقضات الموجودة في المشهد ذاته. هذا ما فعله في إحدى مظاهرات للسلفيين حين التقط صورة لفتاة شقراء موجودة في التظاهرة. ورغم تواجد أكثر من خمسين مصور صحفي إلا أن أحدا لم يخطر بباله أن يصور هذا التناقض. هذه الصورة التي احتلت الصفحات الأولى في الصحف اللبنانية، وأدّت إلى جدل في الأوساط اللبنانية. حتى ان البعض أصر أنها ليست حقيقية بل نتيجة تلاعب "بالفوتوشوب".

"أحب تصوير مظاهر الفقر والفقراء  في كل العالم لكني قررت البدء من بلدي" هذا ما يقوله حسين، مؤكدا أن هناك عدد لا يحصى لأولاد مشردين وعائلات فقيرة ورغم ذلك ليس هناك اضاءة كثيفة على هذا الموضوع. منذ ستة أشهر وحسين يقوم بتجميع صور من أجل معرضه الذي سيقوم به عن الفقر في لبنان في أواخر الصيف. فكرة المعرض بدأت من مشاهدات حسين في حياته اليوميّة. "السياسيون وكثر من اللبنانيين يصرفون أموالهم على أشياء لا معنى لها في الوقت الذي هناك شريحة في لبنان يعيشون دون مأوى".

بالرغم من طبيعة عمله في أن يقوم بتصوير كل ما يطلب منه. إلا أن حسين يصرّح بأنه يقوم مرغما بتصوير المناسبات السياسيّة. يجد متعته في تصوير الحراكات الشعبية. فهناك فقط اللقطات الصادقة. وجوه غاضبة مقهورة يجمعها الشارع وتوحدها مطالب واحدة.

 


 

نضال أيوب

Related Posts

"لا تلمس جداري"، شعار اللجوء الافتراضي للجزائريين

12/12/2011

"لا تلمس جداري"، شعار اللجوء الافتراضي للجزائريينغابت الجزائر عن الثورات الشعبية وغابت فنيا عن التيار المرافق للربيع العربي لكن هل غاب الجزائريون فعلا عن فضاءات التعبير الشعبية في زمن انقلاب الموازين ؟ إذا كانت الجزائر قد رسمت نهائيا غيابها سياسيا

 

مع الثلاثي جبران يصبح العود رحالا مسافرا

30/03/2008

سمير، وسام وعدنان ثلاثة إخوة كوّنوا "الثلاثي جبران"، أول فرقه ثلاثية تعزف على العود.

مهرجان الأردن يبدأ فعالياته الاثنين وسط انتقادات لاذعة

06/07/2008

بعد إلغاء مهرجان جرش وبدء فعاليات مهرجان الأردن، طالبت ثمان هيئات ثقافية أردنية موقفهم الرافض للتطبيع.