كي لا يتحوّل العالم العربي إلى عراق كبير

 

يقول مثل فرنسي مشهور: الثورات يحلم بها الشعراء، ويحقّقها الشجعان، ويستفيد منها الانتهازيون. لكنّ أبشع أصناف الانتهازية تلك التي تخطط وتدبّر لاستدراج العالم العربي ككلّ في مخطط جهنّمي يهدف إلى تحويله إلى عراق كبير، وتحويل وجهة الربيع العربي من أهدافه الأصلية المتمثلة في الانتقال الديمقراطي والتوزيع العادل للثروة الوطنية وتحقيق الكرامة للمواطن، إلى تفكيك المجتمعات العربية وتركها تتناحر إلى الأبد.

ومع أنّ تونس تقدّم على أنّها التجربة الأفضل لنجاح مرحلة ما بعد الثورة، فإنّ هذا القول فيه الكثير من المبالغة والدعاية. فهي التجربة الأفضل لسبب واحد هو أنّ التجارب الأخرى أكثر رداءة، والميزة الوحيدة لتجربتها هي الطابع السلمي للصراعات بين أطرافها السياسية ... إلى حدّ الآن. فالمجموعات السلفية ما فتئت تنتشر وتنمو وتتنظم وقد تصبح عامل تهديد لهذا الطابع السلمي. ومن يظنّ أنّ أيديولوجيا القاعدة ومشروع الديمقراطية متوافقان فإما أنه بلغ درجة متقدمة من الغباء أو بلغ مرحلة متقدّمة من استغباء الشعب. وإذا كانت هناك أسباب لفهم وجود القاعدة في ليبيا أو في سوريا فما هو سبب وجود أنصارها في تونس التي كانت ثورتها سلمية بحتة؟ وأيّ جرم يرتكبه حكّام تونس الجدد عندما يتركون هذه المجموعات تعمل بكلّ حريّة في البلد؟

الحقيقة أنّنا نشهد في كلّ مكان سيناريوهات التفاف على الثورات العربية، في تونس وفي غيرها، وأنّ هذه الثورات أصبحت مهدّدة تهديدا حقيقيا بما دعوناه بالتحوّل إلى عراق كبير، وإن برز ذلك بطريقة أكثر نعومة وتدرجا. أما عناصر الاشتراك فأهمها ما يلي: أولا، ترسيخ الخلط بين إسقاط النظام الحاكم وإسقاط الدولة، فالنظام الحاكم هو المسؤول عن مآسي الماضي أما الدولة فهي جهاز إداري تشكّل تدريجيا وقام على مجموعة من المبادئ المشتركة والرموز الجمعية، بما سمح بتراكم خبرات في التعايش والتسيير تتوارث بين الأجيال دون أن تكون ملكا لأحد. فإذا انحلّت الدولة استعدنا وضعنا "البدوي" السابق لقيام الدولة والمرتكز على بنى أولية مثل العشيرة، وعلينا أن نتذكّر كلّ ما كتبه ابن خلدون (التونسي) في عسر إقامة الدول لدى العرب. ثانيا، إنشاء مجالس وبرلمانات تصبح مسرحا لخصومات ومعارك مضحكة بين السياسيين، وتنفصل عن الهموم الحقيقية واليومية للمواطنين، بما يدفع الناس إلى الاستخفاف بالديمقراطية ومؤسساتها لأنها لم تحقّق لهم آمالهم في تغيير أوضاعهم نحو الأفضل. ثالثا، الانتقال من نسق الحزب الواحد القديم إلى نسق الحزب الواحد الجديد، الأوّل كان يبرّر سيطرته على الحياة السياسية ووصايته على مقدرات الشعب بكونه قد حرّره من الاستعمار والثاني يمارس نفس أنماط السيطرة والوصاية ولكن بتعلّة أنّه قد حرّر الشعب من الاستبداد. رابعا، التفريط في مدنية الدولة بما يحوّل كلمة ديمقراطية إلى مجرّد لغو وتلاعب بالألفاظ، ويحصل التفريط فيها بجرعات متدرّجة يقبلها الشعب عن مضض مؤمّلا مع كل جرعة أن تكون الأخيرة. خامسا، ضرب الوحدة الوطنية من خلال الاعتداء على مقوّمات هذه الوحدة، سواء منها المقومات الرمزية مثل العلم أو اللغة، أو المقوّمات المادية مثل وجود جذع تعليمي مشترك بين كلّ الشبان، كي يعدّ هؤلاء منذ نعومة أظافرهم على معاداة بعضهم البعض. سادسا، إطلاق الغرائز العدمية والوضيعة للبشر وتشجيع الشعبوية وإغراق البلد بالشعارات الثوروية لتكون مطية يستعملها الفاشلون للتغطية على فشلهم واللؤماء للتبجّح بلؤمهم. سابعا، تحويل طموحات المواطنين من أهداف كبرى مثل الانتقال الديمقراطي إلى لهاث يومي وراء القوت ورعب دائم من الأحداث وخوف مستقرّ من المستقبل، ولا شكّ أنّ من اليسير التلاعب بمجتمعات تنحدر إلى البؤس بسبب انهيار الاقتصاد.

كلّ الأمل هو أن تستفيق الشعوب العربية لتستفيد من الفرصة السانحة التي وفرتها الثورات العربية وتدخل في العصر الديمقراطي، كما كان الشأن قبلها مع إفريقيا الجنوبية وبلدان أمريكا اللاتينية وبلدان أوروبا الشرقية. فالديمقراطية وحقوق الإنسان أصبحت قيما كونية مشتركة بين جميع البشر، مع تنوّع تطبيقاتها وآلياتها بحسب اختلاف الثقافات والخصوصيات المحلية. وإذا ما فوّتت هذه المجتمعات الفرصة الحالية فقد تنتظر غيرها قرونا، وستيأس الأجيال القادمة من محاولات التغيير وتصبح وقودا لمواجهات أهلية وفتن دينية تثخن مجتمعات هي من الأصل مثخنة بآلاف النقائص والعلل.

 

Related Posts

تحجيـــــب مـصــــــــر؟

31/05/2004

حجابلا نعرف متى على وجه التحديد دخل الفن التمثيلي مصر، في صورته الحديثة. لكن ما نعرفه جيداً، ان مثل هذا الفن لم يكن قد عُرف في مصر حتى منتصف القرن التاسع عشر.

الانتخابات المصرية..."المبهرة"

20/06/2012

الثورة المصرية أبهرت العالم" جملة جرى تداولها كثيرا لوصف الثمانية عشر يوما التي بدأت فيهم الإنتفاضة الثورية في مصر منذ الخامس والعشرين من يناير الماضي...

 

الحب في فلطسين لايزال يستحق المجازفة

29/02/2008

في فلسطين يعيش الحب تحت الحصار ما بين ثقافة العيب والدين الذي يفتي بحرمته . ولكن رغم ذلك لايزال الحب يستحق المجازفة .