حرقة الشباب الجزائري نحو الإلدورادو المزعوم، لغز حيّر ويكيليكس

 

إطارات وتجار وحفيد رئيس جمهورية سابق ضمن فرق « الحراقة»  من الشباب الجزائري الفار من بلده... معطيات جعلت من ألمع المختصين يتحاشى تناول ظاهرة «الهجرة السرية»  للشباب الجزائري.

 

شكل تنامي وتيرة الهجرة غير الشرعية، المصطلح على تسميتها بـ«الحرقة» ، للشباب الجزائري نحو القارة العجوز خلال العشرية الأخيرة ظاهرة اجتماعية لم يتمكن من تفسيرها ولم يحلّ لغزها كل المختصين الذين اهتموا بالأمر.

وقد تسبب تضاعف أعداد قوارب الموت التي تحزم الأمتعة كل يوم نحو المجهول في إحراج كبير للسلطات العليا للبلاد التي وجدت نفسها أمام شرين أحلاهما مر.

فمن جهة، كانت السلطة الجزائرية تتغنى بأرقام التنمية الوطنية وانجازات الرئيس وسياسته الحكيمة والرشيدة التي سمحت، حسب رأيها، بتحسين الظروف المعيشية للجزائريين وخلق مواطن شغل للشباب الذي يمثل أكبر شريحة عمرية في الجزائر، في حين كان هذا الشباب، بجميع طوائفه ومن كل الطبقات، يلقي بنفسه في البحر نحو المجهول في نوع من الانتحار غير المقصود هروبا من جحيم « البلاد»  في قوارب تنطلق إما من شواطئ ولاية عنابة شرقا نحو جنوب ايطاليا أو من شواطئ وهران ومستغانم وعين تموشنت غربا نحو موانئ اسبانيا بوتيرة عرفت تسارعا كبيرا خلال العشرية الأخيرة.

ومن جهة أخرى، فالسلطة الجزائرية وجدت نفسها محرجة أمام شركائها من الدول الأوروبية الذين اعتبروا أن الجزائر لا تبذل جهدا أمنيا كافيا في حماية حدودها الجنوبية من نزوح « الحراقة»  كما يسمون ولا تعمل على معالجة الأسباب الداخلية المؤدية إلى تنامي الظاهرة وهو ما دفع بالسلطة الجزائرية إلى انتهاج الأسلوب الردعي بتجريم الهجرة الشرعية والجز بكل من يتم ضبطه عرض البحر محاولا الوصول إلى شواطئ أوروبا السجن، أي وبمعنى آخر، فإن السلطة في الجزائر اختارت معالجة مشكلة اجتماعية اقتصادية بطرق أمنية - وهو أحسن ما تجيد في حقيقة الأمر- وذلك إرضاء لشركائها في بروكسل.

الشباب يرفع شعار « يأكلني الحوت ولا همكم»

وقد سبق لنا وأن حضرنا الترتيبات التي تهيء لعملية « الحرقة»  قبل أشهر، ففي أحد الأحياء الشعبية لولاية وهران الساحلية الواقعة قرابة الشواطئ الاسبانية، لمحنا مجموعة من الشباب وهي بصدد التوجه نحو أحد شواطئ عاصمة الغرب للالتحاق بالأرض «الموعودة» .

كان عددهم ثلاثة شباب لا يتجاوز عمر أكبرهم سنا 22 سنة عاقدين العزم على « تناول فطور الصباح في مدينة أليكنت»  الاسبانية ومسلحين بالقليل من الماء وخلطة غذائية خاصة حضروها بأنفسهم مكونة من تمر وحلوى يطلقون عليها اسم « العجنة»  والكثير من الإرادة والعزيمة لإنجاح « مشروعهم» .

سألنا أحدهم عن الكيفية التي سيتنقلون بها إلى اسبانيا فشرح لنا الأمر: « في الحقيقة، لقد اتفقنا مع مرشد ملم بالملاحة وله القدرة على التنقل ليلا بدون أي جهاز. والليلة ملائمة بفعل اكتمال القمر وهو ما يوفر لنا بعض الضوء عندما نكون في عرض البحر هذا بالإضافة إلى المنارات من الجهتين التي لا يكاد ينقطع ضوؤها بفعل قرب المسافة بين الضفتين» .

أما عن تكاليف الرحلة، فيقول محدثنا: « الأمر بسيط، فقد اشترينا مناصفة قاربا بمحرك قوي - يسمى عند « الحراقة»  « البوطي»  – بسعر يناهز المليون دينار جزائري (حوالي عشرة آلاف يورو) وسيتكلف مرشدنا بنقلنا إلى الشواطئ الاسبانية ومن ثم العودة إلى «وهران»  وسيحتفظ بالقارب كطريقة للدفع» .

بعد حوالي ساعة من تجاذب أطراف الحديث حول الحرقة وأسبابها مع محدثي الثلاثة، قرر هؤلاء المغادرة نحو أحد شواطئ وهران لملاقاة المرشد. بعد يومين من لقائي بهم، وصلني خبر بأن أحدهم هاتف والديه ليعلمهم بأن الجميع وصل بخير إلى إسبانيا وبأنهم التقوا بشباب جزائريين سبقوهم إلى عالم « الحرقة»  ليتعلموا منهم القواعد الأولية للنجاح بأرض المهجر.

كان محدثي « الحراقة»  مدججين بإرادة من حديد من أجل « الهروب من هذا البلد» . أحدهم ذكر لي: « يأكلني الحوت ولا همهم !»  في إشارة منه إلى عدم مبالاته بالأخطار التي سيواجهونها سواء في عرض البحر خلال الرحلة أو عند وصولهم.

تجار وإطارات وحفيد رئيس جمهورية ضمن فرق « الحراقة»

يخطئ من يظن أن أسباب هروب الشباب الجزائري إلى أوروبا اقتصادية محضة فالقضية أكثر تعقيدا مما تبدو. ولعل أحسن دليل على ذلك هو ضبط فرق حراس السواحل الجزائرية لإطارات وعمال وتجار ومثقفين وحاملي شهادات عليا وحتى عائلات بأكملها داخل قوارب الموت وهي بصدد التنقل إلى شواطئ أوروبا.

وقد أثارت قضية « الحراقة»  اهتمام سفارات القوى العظمى في الجزائر كما سبق وأن كشف عن ذلك موقع « ويكيليكس»  قبل أشهر عبر إحدى برقيات السفارة الأمريكية بالجزائر التي تناولت أساسا ظاهرة الهجرة السرية أو ''الحرڤة''.

وكشف حينها القائم بالأعمال في السفارة الأمريكية، عن تأكيد هجرة حفيد رئيس الجمهورية السابق الشاذلي بن جديد على متن قوارب الموت انطلاقا من شواطئ عنابة، قبل أن تنقطع أخباره منذ ذلك الحين وهو ما يطرح عدة تساؤلات عن سبب إقدام حفيد رئيس جزائري سابق على « الحرقة»  إذ من البديهي أنه لم يتوجه إلى إيطاليا بحثا عن فرصة عمل !!

وحسب السفارة الأمريكية في الجزائر فإن ظاهرة الهجرة السرية في تزايد مستمر، وهي لا تقتصر على الفئة الفقيرة من المجتمع والبطالين أو عينة من الشرائح العمرية، على غرار سواها، بدليل أن حتى أبناء العائلات الميسورة وأصحاب الشهادات من أطباء مهندسين ومحامين معنيين بالهجرة السرية، وهو تحليل الأمريكيين أنفسهم الذين أكدوا أن نهاية أزيد من 90 بالمائة من المهاجرين السريين، تكون سواء بتوقيفهم واعتقالهم في السجون التونسية أو الليبية، أو طردهم من قبل حرس السواحل الجزائرية، الفرنسية، أو الإسبانية وحتى الإيطالية في حين تطرق القائم بالأعمال في السفارة الأمريكية في ذات البيان الذي تم تسريبه من قبل موقع ''ويكيليكس''، إلى وجهة نظر السلطات الجزائرية تجاه ظاهرة الحرڤة، والتي اختلفت من حيث الإجراءات المتخذة لمكافحتها بين مجرمة من جهة، باعتبار أنه يتم توقيف المهاجرين غير الشرعيين ومحاكمتهم، و متفهمة من جهة أخرى، على خلفية انتشار أزمة البطالة ومن ثم منح قروض بنكية لتشجيع الشباب على الاستثمار وممارسة نشاطات تجارية مختلفة، حسبما أوردته جريدة « النهار»  الجزائرية.

 

وقد أخذت ظاهرة « الحرقة»  مؤخرا منحى تنازليا بالجزائر وذلك بفعل تشديد الرقابة على الشبكات المكلفة بنقل « الحراقة»  وتعزيز قدرات فرق حراس السواحل وتشديد الدول الأوروبية لإجراءاتها الأمنية.

لكن وحسب العارفين بالأمر فإن الشباب الجزائري لا يزال يجر نفسه، بعيدا عن أعين الإعلام، نحو « المغامرة الانتحارية»  التي يكون وقودها قاربا ومحركا و«عجنة» حلوة طمعا في « الإلدورادو»  الأوروبي الذي لم يبقى منه إلا الاسم.

Related Posts

ألوان أزعجت حراس الجدران

27/04/2012

في حين يشهد العالم العربي انتشارا وابداعا في الفنون، ارتأى المسؤولون في لبنان ألاّ يسهروا إلاّ على جدران الشوارع. يحاكمون الرسامين بجرم استعمال...

ملف: المساواة بين الجنسين

07/12/2016

797 0
هل من الممكن طرح تساؤلات حول العلاقة بين الجنسين، بشكل متقطع، ومن ضفة لأخرى من البحر المتوسط؟ هذا ما يقدمه هذا الملف الذي قامت بصياغة محتواه ثمانية وسائل إعلامية مستقلة (أرابلوغ، باب الماد، فريم، إنكفادا، مدى مصر، ماشالله نيوز، راديو م، وعنب بلدي). موضوع الملف هو العمل مع تحقيقات حول تجربتي إدارة ذاتية حصلتا في تركيا وفي تونس، وكذلك الممارسات المهنية مع تجربتين لامرأتين قامتا بعمل مخصص للرجال، إحداهما لحّامة في الجزائر والأخرى عاملة منجم في سردينيا. هناك أيضاً في الملف العنف الذكوري كثقافة أدنى، وهي تأتي فيه من خلال أربعة ربورتاجات حول قتل النساء في ايطاليا والطلاق في تونس، والإساءة إلى الصحفيات من النساء في وسائل الإعلام المصرية، ومعركة النساء في الرقة. هناك أخيراً في نهاية هذه الفسيفساء المدهشة حكايا عن رجال انخرطوا في النضال ضد هذا العنف.

(ابتكار)

مترو في غزة – كشف الأنفاق

04/03/2012

تضمن الانفاق الرابطة بين قطاع غزة و مصر منذ سنوات استمرارية الحياة في القطاع...