ألعاب السياسة والسلطة في سوبر ماركت فني بامتياز

 

قبل يومين من إعلان نتيجة جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية، كانت أعمال تسعة عشر فنان وفنانة تصرخ معبرة عما يجري في الواقع المصري هنا والآن في هذه اللحظة المصيرية، صرخة نابعة من امتلاك الأدوات الفنية والتمكن منها والتعبير عنها بصدق دون الاستسلام للخطاب السياسي على حساب المهارة الفنية.  فتنوعت الأعمال المعاصرة ما بين فيديو ونحت وأعمال مركبة، كانت الحياة تدب في أرجاء المكان عبر أعمال تستفز الزائر على المشاركة والتفاعل لتصل إلينا رسالة الشباب واضحة "لو بطلنا نبدع نموت".
قد تبدأ جولتك بشريط فيديو في إحدى القاعات الأربع يحمل الدلالات الأولية لمعرض سوبر ماركت، حيث تتقدم عربة البضائع شاشة العرض، وقد تثبتت فوقها الكاميرا وجعلت تطوف بالمشاهد في أرجاء فضاء السوبر ماركت مترامي الأطراف، أما البضائع التي تحملها فهي معلبات العصير والمنتجات الاستهلاكية جنبا إلى جنب مع ملصقات الدعاية لمرشحي الإعادة أحمد شفيق ومحمد مرسي. ستتذكر مقولة يوسف وهبي "وما الدنيا إلا مسرح كبير" لتستبدلها بمقولة أحدث تتماشى مع أحد أهداف المعرض في رصد وإدانة تفاقم القيم الاستهلاكية في مجتمعنا المعاصر على حساب القيم الانسانية، وتصبح المقولة المناسبة هي "وما الدنيا إلا سوبر ماركت كبير". حيث كل شيء يتجمل عن طريق ماكينة الدعاية الضخمة من أجل تمريره وتفريغه من مضمونه ليحظى برضا المستهلك النهم، وحيث تتساوى الدعاية الانتخابية لرأس الدولة مع الدعاية للصابون أوحتى أكياس الزيت والسكرالتي كانت إلى وقت قريب إحدى مفاتيح استمالة أصوات الفقراء.

بوب آرت بمفهوم جديد

فكرة "سوبر ماركت" ليست بجديدة، فهي كما قدمها إبراهيم سعد قوميسير عام المعرض قائمة على سيطرة القيم الاستهلاكية على المجتمع وهوس الشراء وكيف صارت الفلسفة الاستهلاكية نمط حياة، فقد كانت إدانة المجتمع الاستهلاكي منذ زمن إحدى ملامح "البوب الآرت" (وهو اختصار بالانجليزية لمصطلح الفن الجماهيري الذي يبتعد عن النخبوية) والذي أطلق شراراته الأولى في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين في انجلترا ثم أمريكا -وأحد أعلامه ريتشارد هاميلتون وآندي وارول- وهو الفن الجماهيري الذي استقى عناصره الفنية من مواد الإعلام والدعاية التي تلاحق الفرد في حياته اليومية، حيث ظهر في اللوحات الفنية آنذاك رمز الكوكاكولا ونموذج الرجل الخارق بطل كمال الأجسام كما يظهر في الملصقات الدعائية ضمن سلسلة من الرموز التي تشير إلى تسليع الانسان ووطأة الاستهلاك.
وفي معرض سوبر ماركت ستفاجئك الأعمال الفنية العالية المستوى التي تندرج تحت مسمى الفن الصادم ولكنه مع ذلك لا يسير وراء صيحات فنية تعتمد على الفكرة الغرائبية وتتناسى الجودة الفنية كما يحدث في الغرب، بل ينبع من رفض وإدانة عنيفة لتبديد القيم الانسانية في مقابل تسييد القيمة الاستهلاكية، وهو ما يتجلى في عمل النحات أحمد عبد الفتاح الذي يقدم من خلال عمل مركب لمائدة طعام كاملة مكونة من رأس انسان كطبق رئيسي و بعض أعضائه في أطباق جانبية، كما استغل عبد الفتاح مهارته النحتية العالية في عمل الشكل الانساني كما لو كان حيا نابضا، بينما وصل في تحديه واستفزازه للمشاهد إلى منتهاه حين وضع بعض الحلوى على شكل الأجزاء بشرية مثل الأصابع المكونة من مادة جيلاتينية  ووضع ملصقا عليها داعيا الناس للمشاركة في الوليمة  المجازية كٌتب عليه : "صالح للأكل". أما المصور محمد عز، الذي يقدم عملا نحتيا يحاكي المنتجات الاستهلاكية اليومية وكأنها صورة طبق الأصل لعروض السوبر ماركت (مثل قالب اللانشون وقطعة الجبن وشنطة الفاكهة) فيذهب بعيدا بأسئلته حول النمط الاستهلاكي المتوحش ليضع المنتج الفني نفسه في موضع المسائلة والتقييم بمقارنته بأي منتج استهلاكي آخر، أي حول علاقة الحاجة بالقيمة، وبجرأة تحسب لمن يحترف مهنة الفن يتسائل عز حول الارتفاع المادي للسلعة الفنية في بعض الأحيان مما لا يتناسب مع قيمتها الفنية.

حين يكون التفاعل مع العمل الفني فعل تحرر

أما الجديد فيما يطرحه الفنانين الشباب الذين يشكلون جماعة فنية متجانسة فكريا –رغم اختلاف شخصياتهم الفنية- فهو التعبير الفني عن الواقع السياسي وإعادة بلورته بالنقد تارة وبالسخرية تارة، الجديد في "سوبر ماركت" مجموعة الشباب الطموحة هو إيجاد هذا القالب الفلسفي لثقافة الاستهلاك وربطه بالأحداث اليومية ذات الطابع السياسي، فضلا عن إشراك المتفرج والزائر في العمل الفني. فبعد المعرض التفاعلي الذي قدمونه في مركز سعد زغلول الثقافي في يناير الماضي تحت عنوان "شيفت ديليت 30 عاما" في إشارة واضحة بلغة الحاسوب إلى أمر المحو لبدء صفحة جديدة بعد 30 عام من القهر والقمع وغياب الديمقراطية، لا يدخر الفنانين وسعا في التعبير الصريح عن كل ما يرفضونه بداية من غياب الشفافية، حيث يقدم الفنان لوحة جرافيك تتصدرها الدبابة وبعض الأرقام التي تمثل لوغاريتمات ويصاحب العمل نص مكتوب شديد الدلالة، يدين فيه سرية المعلومات الاقتصادية عن المؤسسة العسكرية  والتي لا نعرف عنها سوى بعض المنتجات الاستهلاكية التي تلهي الناس عن الأسئلة الأهم ويضع الفنان عنوانا لنصه "فتش عن المكرونة" (في إشارة ساخرة لمصانع المكرونة التي تمتلكها القوات المسلحة). بينما يطرح فنان آخر من خلال مساحة ثلاثية الأبعاد أسطورة المواطن البسيط، من خلال رسم يعمد إلى الطفولة يصور فيه خروج المواطن الصالح "من القمقم"، يسير في شوارع المدينة يقفز ويتقافز يركض ويقاوم ويثور ويحتج ويحتفي بانتصاراته الصغيرة يملأ مربعات صغيرة على جدران زاوية من القاعة، وفي المحطة الأخيرة ينتظره كائن عسكري ضخم الجثة فاتحا فمه عن آخره ويلتهمه دون تردد. وكما يحدث في لعبة الاستهلاك الكبيرة، وفي المحال التجارية الضخمة، يسعى كل فنان أن يستدرج المتلقي أن يجعله متواطئا بشكل من الأشكال، أو شريكا في كثير من الأحيان مثل العمل المركب الذي يقدمه الفنانان محمد عبدالله وعمر عامر و الذي يعيد انتاج العلامات والرموز التي تشكل مساراتنا اليومية : علامة ممنوع المرور التي تستدعي كل المنع والقمع الذي ذاقه المواطن طويلا - علامة الذكر أوالأنثى بما تحيل إليه من تمييز جنسي أو انغلاق فكري – علامة الميزان حيث العدل الغائب و أزمات القضاء التي تضعه كثيرا في المحك،  أو شعار "الجيش والشعب يد واحدة"، وأمام العلامات المختلفة  يظل الفنان محايدا ويدعو الزائر أن يختار هو ما يرفضه من الرموز وأن يمسك بالختم الأحمر يمهر به اللوحة  بكلمتين اثنتين : منتهي الصلاحية.
هي قيمة التواصل التي يسعى إليها الفنانين الشباب والتي من أجلها كونوا جماعة فنية تحرص على إقامة معارض فنية جماعية كل ستة شهور تطرح إبداعاتهم للمتلقي العادي و تقدم المواهب الجديدة أيضا من خلالها.


دينا قابيل

 

Related Posts

تجربة سويسرية ترصد ملامح محلات القاهرة العين الغريبة

16/04/2012

تجربة سويسرية ترصد ملامح محلات القاهرة  العين الغريبةعندما تعتاد العين على الأشياء تفقد الأشياء بريقها، أو ربما تفقد العين نشاطها، ولكن في الحالتين تفقد الأشياء تفاصيلها، لذا تستطيع العين الغريبة أن تشعر بالدهشة...

 

فيلم “الزين لي فيك” يتخذ منحا مقلقا بسبب الهاجس الأمني وتدخل أطراف متباينة

15/10/2015

فيلم “الزين لي فيك” يتخذ منحا مقلقا بسبب الهاجس الأمني وتدخل أطراف متباينةفيلم “الزين لي فيك”، لمخرجه نبيل عيوش، ليس هو الفيلم الوحيد الذي سبق وأثار ضجة في المغرب، تحت مسمى “القيم...

(ابتكار / مدونات عربية)

 

ألم

05/06/2008

كانوا يحملون على ظهورهم / ألم العالم / فجأةً اهتدوا الى نور بعيد.