أحتاج مكنسة لهذا البلد...

 

تروي الذاكرة الشعبية أنه إذا أصيب عزيز على شخص ما بمرض خطير يُطلب منه أن يأتي له بأًنفًس شيء يمكن أن يُشفيه من مرضه، وكان "حليب الغولة" أنفس شيء في المخيال الجمعي.

ويُحيل تركيب "حليب الغولة" في المخيال الجمعي على توفر كل ما تشتهيه العين وما لا يطاله الخيال في مكان ما، فنقول مثلا في هذه الأرض يتوفر كل شيء حتى "حليب الغولة"، وربما هذه الإحالة الثانية تنطبق على الشارع التونسي، هذا الشارع الذي ينزع إلى بلوغ الكمال في توفير كل ما تشتهيه العين وما لا يطاله الخيال، فقد أصبح يشبه منمنمة متناهية الرسم والتلوين... منمنمة تجمع كل صنوف القذارة والوسخ والعفن والنتونة... حتى يخيل لك أنك تتجول داخل حاوية فضلات كبيرة بحجم وطن...

وطن بحجم حاوية فضلات...

سيول صباحية ومسائية من البصاق والمخاط تتناثر من الأفواه يمنة ويسرة...

أكوام من أعقاب السجائر وعلبها تتطاير أمام المقاهي والمحال العمومية...

أكداس من تذاكر الحافلات والميترو تتلقفها الأرجل في المحطات...

نتوءات وحفر في قلب الطريق تكاد لفرط تناسلها أن تبحث عن الإسفلت المخصص للعجلات...

حاويات تفيض بالأوراق والعلب وبقايا الأكل، وما تخطئه حركة الأيادي المدربة على الوسخ...

أكداس من التذاكر الالكترونية أمام المركبات التجارية والموزعات الالكترونية المثبتة بالبنوك...

بركٌ راكدة من المياه الوسخة في كل ركن ومنعرج فرعي...

جُمل اعتراضية مرسومة بأياد مرتعشة على الجدران تحذر من مغبة إلقاء الفواضل والتبول... وأخرى تعلن بيع الخمر خلسة...

بقايا ملصقات اشهارية اهترأت وتآكلت لفرط نسيانها...

علامات مرورية محجوبة وأخرى مفقودة من على أعمدتها...

أكياس القمامة تنتصب أمام العمارات كأنها الجبال الشاهقات...

وأنا أحصي بعضا مما تلتقطه عيناي كل يوم أتذكر اليابان واليابانيين، ذاك الشعب المعروف  باستهلاكه العالي للمنتجات المغلفة والمعلبة وقصيرة العمر، مما يجعل النظافة العامة والمحافظة على البيئة أمرا عسيرا وربما مستحيلا، غير أن المستحيل ليس يابانيا، فقد أوجدوا قانونا صارما للمحافظة على نظافة شوارعهم، فأبسط "حركة وسخ" تعرض المواطن لغرامات مالية باهضة وعقوبات جزائية قد تحرمه الإقامة في مسكنه، والحكم عليه بالسجن، وقد أحدث اليابانيون هيكلا نشطا يُسمى "الرقابة البلدية" وفي كل حي يوجد مركز صغير للشرطة يسمى ''كيساتسو'' يعمل على ضبط السلوكيات العامة.

تعبرني كذلك ذكريات تسكعي ذات يوم في شوارع واشنطن عندما راقبت مواطنا أمام إحدى المغازات يتحرك بثبات نحو عقب سيجارة ألقاه أحد العابرين يوجه إليه مكنسته الصغيرة ويرفعها من الرصيف، سألت أحدهم إن كان ذلك الرجل عون بلدي، فأجابني بكل بساطة أن في واشنطن يتفق كل خمس أو ست أصحاب متاجر على انتداب شخص ويوكلون إليه أمر جمع أي مهملات قد تُلقى أمام محلاتهم ثم يدفعون أجرته الشهرية سويا.

أتذكر أيضا شعوبا أخرى سعت إلى تغيير النظرة الجامدة للناس إلى النفايات التي يتلفونها بشكل فوضوي أمام البنايات والمنازل وفي الشوارع والساحات العامة... شعوب آمنت بشعار "خلق شيء من لاشيء" لأجل تقليص الفجوة والمسافة بين البشر ونفاياتهم من خلال إعادة تكريرها وخلقها في أشكال جمالية وفنية لتُستخدم مرة أخرى...

أتذكر الشعوب التي تحتفي بالحدائق والبساتين والغابات والمساحات الخضراء، تلك الشعوب التي تعلن دوما حالة الحب والسعادة وهي تُخرج الحي من الحي والإنساني من الإنساني لتدجج مستقبلها ومستقبل أجيالها القادمة بالأمل...

أتذكر تلك الشعوب هناك، وأرى شعبي هنا بين أروقة باب الخضراء أو في ساحة برشلونة أو مرورا بالمدينة العتيقة وصولا إلى الشارع الرئيسي اليتيم... وما تفرع عنه من أزقة وشوارع صارت كلها مدججة بكل صنوف القمامة... أما الأحياء المتاخمة للعاصمة فقد باتت أسيرة لدخان الحرائق الليلية التي يشعلها السكان على أمل أن تحول أكوام القمامة إلى رماد تذروها الرياح... تحت جنح الليل... وفي "مزابل" بعض الزوايا تتعانق الأيادي المرتعشة بحثا عن قطعة خبز أو بعض من بقايا أكل للبطون الخاوية المحمولة على الأقدام الحافية من دهاليز الفقر والجوع والبطالة والحرمان...

أرى هنا شعبا من الغبار والنفايات تنحدر قيمه لتسيل مع جداول السوائل المتعفرة

أفكر في الارتماء على احد المقاعد المنثورة هنا وهناك لكتابة صفحة ضد السواد المعمم. أجلس إلى طاولتي.

تطوقني سحابات ثاني أوكسيد الكربون من جهات القلب المليون.

ألاعب مناديل ورقية تحت قدمي فأزوجها لأعقاب السجائر.

تهوي عليّ النادلة بكل ثقة تسألني عمّا أشرب.

أفكّر قليلا وأجيبها: مكنسة.

لا أحتاج أكثر من مكنسة في هذا البلد الذي احترف ثقافة القذارة...

 

Related Posts

أمضى هناك عشر سنوات..وأمضت هنا عشرين عاما

14/09/2010

تجربة الثنائي عادل السيوي وستفانيا أنجرانو في العبور من وإلى ضفتي المتوسط شمالا وجنوبا حملت الرغبة في معرفة الذات واكتشاف الآخر، وانتهت رحلة الفنان التشكيلي وصاحبة قاعة مشربية للفن المعاصر بالاستقرار في مصر ومواصلة الحوار. 
عادل السيوي وستفانيا أنجرانو...رحلة إكتشاف لا تتوقف

 

اعتصام ثوار التحرير : الشعب خط أحمر

30/11/2011

استعاد التحرير مليونيات إعتصام 25 يناير من جديد. وكانت مليونية "الفرصة الأخيرة"، الجمعة الماضية، منفذا أخيرا أتاحه الثوار للمجلس العسكري للتخلي عن السلطة لصالح سلطة مدنية بعد بحور الدماء الذي شهدها ميدان التحرير منذ 19 نوفمبر...

هويَّات مختلفة، هموم متشابهة

01/03/2010

يشكو الشباب في تركيا من الظلم والقمع ونظام التعليم. يريدون أن يُؤخذ رأيهم بجدية بدلاً من عقابهم على ردود أفعالهم.