هستيريا الحريات في مصر

هستيريا الحريات في مصر :

فساد الحياة القضائية وتقويض الإعلام، هما العنصرين الأساسيين للقضاء الناجز على تباشير الديمقراطية التي لاحت مع ثورة الخامس والعشرين من جانفي- يناير 2011 والتي سرعان ما تبددت مع نجاح الثورة المضادة.

لم يكد الرأي العام المصري والعالمي يفيق من خبر حكم الإعدام لعدد 183 من مؤيدي جماعة الإخوان المسلمين في يونيو الفائت حتى كان الحكم بالسجن 7سنوات على ثلاثة صحفيين من مراسلي قناة الجزيرة بتهمة مساعدة منظمة إرهابية فيما عرف إعلاميا بقضية "خلية ماريوت". وبين الواقعتين، وما سبقهما وما تلاهما، توالت الاعتقالات فيما يعرف بالحبس الاحتياطي لأي معارض بتهمة خرق قانون التظاهر، وتعددت المحاكمات التي تشيع فيها المخالفات الإجرائية وتنتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان، ما جعل إحدى المسئولات في الأمم المتحدة، المفوضة الدولية لحقوق الإنسان، تصف مشهد المحاكمات الجماعية في مصر بأنه يعطي "صورة زائفة للعدالة".

"لم تعد المسألة فقط هي استقلال القضاء الذي طالما طالبنا به منذ 2006، ولكن صار الهدف اليوم هو حماية السلطة، وصارت للسلطة رجالها في كل مؤسسات الدولة النيابية والقضائية والإعلامية الذين يعملون لإرضائها" كما يقول مختار منير المحامي والحقوقي بمؤسسة حرية الفكر والتعبير.[1]

 

الثأر من المعارضة :

فإذا كان هناك ثأرا بين السلطة وجماعة الإخوان المسلمين، فستسعى السلطة القضائية للأخذ بهذا الثأر وخاصة بعد إعلان الحرب على الجماعة بصفتها منظمة إرهابية وشيطنتها تماما لدى الرأي العام. فيؤكد مختار منير أن المسألة تجاوزت مجرد تلقي التعليمات والأوامر، بل صار القاضي نفسه يريد الانتقام من المعارضة ويقر بأحكام قد تورط النظام الحاكم مثلما حدث في قضية "خلية الماريوت".

ردا على التعليقات والوساطات الدولية في هذه القضية، قال الرئيس عبد الفتاح السيسي في تصريحات صحفية أنه كان يرغب في ترحيل صحفيي الجزيرة خارج مصر قبل خضوعهم للمحاكمة، ورغم تأكيده على عدم تدخله في أحكام القضاء إلا أنه أكد أن "القضية أضرت كثيرا وأثرت بالسلب على سمعة مصر".

وكانت القضية التي اتهم فيها كل من الاسترالي بيتر جراست، والكندي المصري محمد فهمي (7 سنوات) و المصري باهر محمد (10 سنوات) والتي أثارت انتقادات واسعة في إحدى جلسات الأمم المتحدة، أسندت إليهم قائمة من الاتهامات على رأسها نشر أخبار وشرائط فيديو كاذبة والانضمام لجماعة أسست على خلاف أحكام القانون.

أما الأحكام المغلظة وما يحيط بها من مخالفات إجرائية، فلا وازع لها طالما تحول الأمر إلى "ثأر" بحسب مختار منير أو إلى تنفيذ التعليمات السياسية بحسب عايدة سيف الدولة الطبيبة والحقوقية بمركز النديم لعلاج ضحايا التعذيب. إذ تدلل سيف الدولة على ذلك بما جاء في حيثيات أحكام قضية "خلية ماريوت" التي صرح القاضي أنه أقرها بناء على وجدانه وليس تطبيقا للقانون، وذلك بتجاهله مرافعات الدفاع في القضية، أي أن القاضي قرر حذف أحد المكونات الأساسية في أي محاكمة حتى يصل إلى النتيجة المرجوة من المنظور السياسي.

وماذا عن الفضيحة الدولية التي كان النظام يضعها في الحسبان في سنوات ما قبل الثورة، في أوج نظام مبارك الاستبدادي ؟ يجيب مختار منير، بعد متابعته الحثيثة لكم الانتهاكات ضد حرية الرأي وحرية التعبير والحرية الأكاديمية المتمثلة في آلاف الطلبة المعتقلين بشكل عشوائي أو لانتمائهم لأي فصيل معارض وعلى رأسه الإخوان المسلمين، أن النظام يعلم تمام المعرفة أن انتهاكات حقوق الإنسان والأحكام المجحفة قد نالت انتقادات عالمية وفضيحة دولية، لكنه يستمر فيها بإصرار تحت غطاء محاربة الإرهاب منذ أن أعلن النظام جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية وتم شيطنتها في وسائل الإعلام حتى صارت هناك مباركة شعبية لسياسات النظام الحاكم، مباركة تلهيه ولو بشكل جزئي عن تقديم أي إصلاحات اقتصادية واجتماعية.

 

موسم الانتهاكات ضد الصحفيين :

أما على صعيد حرية التعبير والمتمثلة تحديدا في الإعلام والصحافة، والانتهاكات العامة من أجل تكميم الأفواه وإحباط وصول المعلومات للرأي العام، فقد وصل عدد الصحفيين المحتجزين منذ الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي إلى 67، فضلا عن الاستهانة بالحالات الصحية المتردية للمعتقلين من الصحفيين مثلما كان الحال في قضية الصحفيان الآخران من قناة الجزيرة محمد سلطان وعبد الله الشامي، حيث أطلق سراح الثاني بعد إضرابه عن الطعام وتردي حالته الصحية تماما، ولا يزال سلطان لا يتلق أي مساندة طبية بعد بلوغه في إضرابه عن الطعام أكثر من 300 يوم لضلوعه في قضية سياسية جنائية واتهامه بالعمل في غرفة عمليات رابعة العدوية إبان إخلاء مقر اعتصام الإخوان المسلمين.

رصدت مؤسسة حرية الفكر والتعبير في تقريرها في شهر مايو-أيار الفائت أن العام 2013 هو الأسوأ على مستوى الانتهاكات الواسعة لحرية التعبير خلال السنوات الخمسة الأخيرة، واستمرت في التصاعد في تقاريرها لشهرجوان- يونيو أيضا. وفي تقريره عن استقلال الإعلام رصد مركز دعم لتنمية المعلومات نسبة الانتهاكات والتعديات على الإعلاميين أنه الأكبر عددا منذ 2011، حيث وصلت حالات الاحتجاز والقبض على الإعلاميين إلى 150 حالة في نفس العام. كما تركز العدد الأكبر من التعديات والملاحقات القضائية للإعلاميين في شهرأوت- أغسطس الذي شهد فض اعتصامي رابعة العدوية بالقاهرة والنهضة بالجيزة وبلغت فيه الانتهاكات 102 حالة، ما بين ضرب واحتجاز ومنع من التغطية وتحطيم المعدات ومصادرة البيانات أو إحالة إلى محاكمات عسكرية. إلا أن التطور النوعي الذي طرأ على ملاحقة الصحفيين هو التعامل معهم كمواطنين عاديين يخضعوا لقانون التظاهر (الذي تم سنه في نوفمبر- تشرين الثاني 2013 ويجرم التجمهر والاحتجاج السلمي بدون الحصول على تصريح مسبق) وليس بصفتهم مهنيين يؤدون عملهم في نقل الخبر من موقع الأحداث. وهو ما حدث مع محمود أبو زيد المعروف باسم شوكان على سبيل المثال  في 14أوت- أغسطس الماضي بتهمة خرق قانون التظاهر ولم يؤخذ في الاعتبار تواجده في منطقة الحدث للتغطية الإخبارية، وقضى شوكان في الحبس اليوم أكثر من عشرة أشهر.  وتشهد حادثة قنص أحد المصورين الصحفيين برصاص قوات الأمن، طبقا لمنير، وهو خالد حسين بجريدة المصري اليوم، الذي تعاملت معه قوات الأمن بصفته "منتمي" لجماعة الإخوان لمجرد تصادف تواجده في معسكرهم المقابل من أجل تغطية الحدث. كما تزخر التقارير الحقوقية بعشرات الأمثلة لصحفيين يتم احتجازهم أو عرقلتهم عن أداء عملهم  بسبب محاولتهم تصوير اللجان الانتخابية الخاوية أثناء الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

وتدل هذه الشواهد البسيطة على ضرب الديمقراطية في مقتل منذ 30 جوان- يونيو وما تلاها إذا ما اعتبرنا أن حرية واستقلال الإعلام هي أحد أهم الحقوق والركائز الأساسية التي تبنى عليها الدولة الديمقراطية الحديثة.

أما الدافع وراء ملاحقة الإعلاميين، أو كل من تجرأ على طرح السؤال وكشف النقاب عن الحقيقة، فترجعه عايدة سيف الدولة إلى سعي النظام لإزاحة أي صوت إعلامي يبث على الرأي العام ما لا يريده، حيث توجز المشهد قائلة    : "منذ 30 جوان- يونيو وحتى اليوم، يعتمد النظام على حالة من الهستيريا الجماعية التي تصور أولا الإخوان المسلمين ويليهم الثوار كخطر وتهديد للاستقرار، وذلك ليثبت شعبيته التي تكشف زيفها منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة". أما خصائص هذه الحالة كما تفسرها الطبيبة النفسية، "فتنشأ مع وجود أغلبية مقهورة ومطحونة تنفس عن غضبها حيال هدف محدد متفق عليه ومصور كما لو كان الشيطان نفسه. أي صوت مغاير يغرد خارج هذه المنظومة قد يجعل البعض يتساءل، والتساؤل في هذه المرحلة مرفوض من وجهة نظر النظام، بل ويعتبر خيانة!"

 


[1] (AFTE. Association for Freedom of Thought and Expression)

Related Posts

حركة (ماك) من أجل الحكم الذاتي لمنطقة القبائل

14/12/2009

في عام 2002 ، بينما كانت تتواصل داخل القبائل أعمال الشغب العنيفة لـ "الربيع الأسود" بسبب وفاة طالب شاب في مقر الدرك ، دخل عنصر جديد إلى الساحة السياسية القبلية .

الجزائر، بلد الشباب الذي يحكمه الشيوخ

15/02/2012

الجزائر: 2012، نصف قرن يمر على الإستقلال في بلد أغلبه شباب... يحكمه شيوخ...

 

فن "الربيع العربي" يزهر خجولا في لبنان

29/12/2011

في حين بدأت الدول العربية تنتفض لترسم ملامحها الجديدة، خلع لبنان قناعا كان يختبئ خلفه طوال عقود مضت. لبنان الذي كان قبلة للفنانين العرب، بات اليوم مجرد مشاهد مكتوف الأيدي يراقب بأسى، يعارض حينا، ويصفق حينا آخر لإنجازات غيره...