إفريقيا اليوم في عيون فنانيها بدار الفنون في الرباط

 

معرض :

إفريقيا اليوم  في عيون فنانيها بدار الفنون في الرباط

من 12  جويلية يونيو إلى  4 أوت- غشت

الرباط- جلال الحكماوي

 

 

تستضيف " دار الفنون"  بالعاصمة الرباط  حاليا  تحت عنوان " إفريقيا اليوم في عيون فنانيها ".مجموعة من الأعمال الفنية والتجهيزات Installation لفنانين تشكيلين بارزين من إفريقيا. ويشارك في هذا المعرض الفنانون عمر أجبور، عبدالله بولوراق، محمد الحايم، أمين بنيس، محمد بنيعيش، عبد الحي الديوري، أحمد الحياني، ريم اللعبي، من المغرب، بيير بودو، شيري شيرين، غاستينو ماسامبا، من الكونغو، باكينادو بوكوم، سولي سيسي، فيي ديبا، خاليدو كاس، من السينغال، ديزي تانتفا، نيجيريا، نجوغو توراي، غامبيا.

وجاء في دليل المعرض  الذي كتبت فيه السيدة ديلفين كالميت  أن المعرض يقدّم :" فنّا تشكيليا إفريقيا معاصرا يتمتّع الآن بحيوية غير مسبوقة. فكل الأنظار "من خارج إفريقيا" تلتقي الآن في هذه القارة التي نعرف  ثراءها المادي والبشري. ومع ذلك، وإلى حدود اليوم، مازال هذا الفن لا يجلب سوى قلة قليلة من الهواة المتنوّرين و المنقّبين عن المواهب الذين يرغبون في  اكتشاف فنون "الأهالي"،... ".

وأضاف الفنان المغربي عبد الحي الديوري  في نفس الدليل أنّ :" المعرض الحالي احتفاء  فني بالقارة الإفريقية التي تعيش الآن قمّة شبابها في مجال التشكيل المعاصر." وبالفعل فقد تميز المعرض بأعمال متنوعة وقوية تكشف عن  نظرة  جديدة إلى الواقع الإفريقي. وهي نظرة تعتمد النقد المزدوج للهوية الإفريقية وللآخر، مما جعلنا نقف كمشاهدين  في قلب عولمة حقيقية تتقدم  بخطى ثابتة نحو المغايرة.

ابتكر المشاركون الأفارقة  في لوحاتهم وتجهيزاتهم عوالم  متعدّدة  تتشابك فيها جزيئات العالم المعاصر بإكراهاته وتحدياته. فتحت عنوان " تعليق"، قدم  الفنان السينغالي فيي ديبا، من مواليد كارنتابا سنة 1954، تجهيزا لجسد مصبوغ  بالبرتقالي ذي يد مقيدة برسالة – أنبوب. وهو يوحي فيه إلى وضعية الإنسان الإفريقي المعلق بين  سماء الغرب وأرض قوارب الموت التي تضيع فيها "رسائل" الأمل والتغيير. وساهم خاليدو كاس، من مواليد 1957 بديوربل السينغالية، بلوحة دون عنوان. هذه اللوحة ترسم   بالفحم صورة دون كيشوطية لإنسان يرفع يديه ليتخلص من عبودية العالم وقيوده. فخليدو كاس، الناشط السياسي ضد العبودية، يدين فنيا تاريخ الرقّ في إفريقيا في أعماله، مماّ  بوّأه مكانة أساسية في التظاهرات الفنية الكبرى  في أمريكا، وأوربا، وإفريقيا. وفي لوحة بدون عنوان، رسم  الفنان سولي سيسي، من مواليد داكار سنة 1969، لوحة تتعارك فيها أشكال بشرية وحيوانية صفراء وحمراء، وسوداء للخروج من  مسلّمات اليومي  وشرنقته. وهي معركة  يخوضها سولي سيسي  بالتوازي مع معركته لتأسيس فن إفريقي حديث لا ينسى جذوره التقليدية. وفي لوحة  "نداء"، يأخذنا السينغالي باكينادو بوكوم، من مواليد 1978 بكاولاك، إلى أدغال النضال الزنجي والإفريقي   بوجوه ( نيلسون مانديلا، ليوبولد سيدار سانغور، إيمي سيزير، باتريس لومومبا، شيخ أنتا ديوب، أنجيلا دايفيس، ماركوس غارفي،...). حيث يجمع الفنان  تقنيا بين أشكال هندسية متناهية الصغر، وسّبحات الصلاة، وخلفيةّ البساط ووجوه هذه الشخصيات المناضلة ليبدع لغة مشتركة بين تاريخ العالم، فالجرح الشخصي لإفريقيا، ثم  الخطاب المعاصر لحداثة إفريقية حقيقية.

ومن جهته، عرض الكونغولي شيري شيرين، من مواليد كينشاسا سنة 1955، "تحديات العولمة" التي لاقت نجاحا كبيرا لدى الزوار. وتكشف لنا هذه اللوحة مسار فنان له باع كبير في الفن التشكيلي الشعبي الكونغولي، فمن لافتات الإشهار التجاري و ريادة حركة "الشخصيات الأنيقة" التي كان لها دور حيوي في  مجال الموضة واللباس،  انتقل إلى فن "حكائي" ملتزم بقضايا المجتمع المحلي. فالأسلوب الممتع الساخر واللاذع، نلمسه في لوحة "تحديات العولمة"  بجموع الحيوانات المؤنسنة من أسود تركب السيارات الرياضية، وقردة فوق الدراجات، وكنغز ينقل أطوار سباق عجيب على طريق العولمة...

ورسم غاستينو ماسامبا، من مواليد برازافيل سنة 1973، لوحة بدون عنوان، هي ثمرة إقامة فنية بمدينة الصويرة المغربيّة، نرى عليها محاربين بدون وجه يحملان أسلحة ويقفان قرب مربعات وحروف مقلوبة على خلفية بيضاء  كتبت عليها  جمل ملغزة من قبيل : البحث عن مكان هادئ للموت. تحيل هذه الجملة-المفتاح على  إفريقيا- القطة التي تأكل أبناءها في حروب ونزاعات قبليّة لا معنى لها. واعتمد بيير بودو، وهو من مواليد ماندو الكونغولية سنة 1953، على لمسة سحرية عجائبية، وهو قسّ مسيحي منذ أكثر من عشرين سنة، ليدخلنا إلى عالم مأهول بالسّحرة والجن والقوى اللامرئية. ورغم أنه الآن ينوّع  رسومه، فإنّ شخوصه مازالت غرائبية : نساء بمناقير الطيور ولباس الشجر، ورجال متأنقون على الطريقة الكونغولية يسوقون دراجات برؤوس فيلة.  ومازال  القسّ الرسام يناضل من أجل تحسين حياة الشباب المدرسية  في أحد الأحياء الشعبية ببلاده. كما نجح النيجيري  ديزي تانتوا  - مولود في 1974 - نجم "البوب آرت الإفريقي" في الإنصات إلى نبض المجتمع النيجري المتسارع، كما هو الحال في اللوحة المعروضة التي يغلب عليها اللون البني ونشاهد في طرفيها  شاحنتين للنقل العمومي من الأمام والخلف بركابهما وسائقيهما بشعارات ساخرة  مثل : لا وقت للحب. ثم  برع  نجوغو توراي، من مواليد 1960، الغامبي  في تذويب صبغ الطبيعة ورمل البحر والقواقع في نسيج لوحته المميزة، حيث انسجمت الأشكال الهندسية المستطيلة والبيضوية ولونها الرملي البراق، والأصفر الفاقع، والأسود الليلي بالعالم التكنولوجي المتطور( إقلاع صاروخ، آلة فضائية غريبة، عود قصب وآلة تحكم عن بعد..) الذي قد تحيل عليه ذهنيا هذه الأشكال...

حاول الفنانون التشكيليون المغاربة، من جهتهم،  تقديم أعمال مفتوحة تضعهم في سيرورة الدينامية الإفريقية والعالمية. حيث قام عبد الحق بلوراق ومحمد بلحايم، وهما معا من مواليد الدارالبيضاء سنتي 1966 و 1969،  بابتكار تجهيز مميّز يحمل عنوان بامبارا التي تؤشر على الثقافة الزنجية في المغرب. واستند هذا التجهيز على جملة بيكاسو الشهيرة : أنا لا أبحث، بل أجد. فالفنان الإسباني حسب دليل المعرض :" اكتشف بصورة مباغتة الإبدال الحقيقي للفن الزنجي والمتمثّل في الأشكال الهندسية الخام". لذلك فالتجهيز يزاوج بين الوجوه التكعيبية لبيكاسو، والأقنعة الإفريقية الموضوعة في أسطوانات خشبية ومطروحة على الأرض، وشريط فيديو علاوة على لوحات تشكيلة لشخوص يعزفون على الطام طام. وبعيدا، عن المكوّن الإفريقي المغربي لبامبارا، استعادت الرّسامة ريم اللعبي  في لوحتها " أحب إفريقيا" عوالم طفولتها في فاس وأثينا بتحويل هذه الذكريات إلى كرنفال من الألوان الصاخبة، والتشعبات الصفراء الخضراء والسوداء، فأدخلت مشاهدها إلى شعريّة الجذمور  Rhizome  ( الفنانة تبني تجربتها على هذا المفهوم الدولوزي) التي تعجّ بطيور الجنة الملوّنة. بينما سحر عبد الحي ديوري  و أحمد الحياني  المشاهد بعالمين مختلفين. فالأول استحضر طفولته بفاس وفاجئنا بلوحة "Inscape  " التي تحتفي بالأبواب العتيقة، والأقواس، ورائحة أزقة فاس العتيقة بنفس تجريدي بنّي وأبيض خالص. والثاني، فجّر الخط  والأشكال الهندسية، التي يبرع فيها، في لوحة بدون عنوان ليخلص إلى موجات متلاطمة من الكتل المتراصة الصفراء والخضراء والغامقة. هذه الموجات، التي تأخذ المتأمّل إلى سفر صوفي  هدفه كسر الثنائيات ومعانقة المطلق.

أمين بنيس، ومحمد بنيعيش، وعمر أبجور، وهم من جيل آخر،  مشوا في اتجاهات مختلفة للوصول إلى هويّة تشكيلية مغربيّة متعدّدة. فأمين بنيس يطوّع الأشكال الهندسية اللامعالجة  وينطلق من بنية محورية في أعماله هي العين. هذه العين، تولّد في لوحته "إفريقيا" العيون الكابية، والوجوه المرعبة، والخطوط المتكسرة، والأبجديات المستعصية على الإنسان كالأرض، والكرامة، وإفريقيا حرة، إلخ. لتصرع جنّ عالم تمزّقه الحروب والأمراض الفتّاكة، والجهل بطلاسم فنيّة ناجعة. في حين، استطاع محمد بنيعيش أن يرسم ملامح شخصيات عادية ذات أجساد ممتلئة، ووجوه دميمة  ترتدي  بدلات رسمية وربطات عنق بالنسبة للرجال، وملابس السهرات للنساء تعاني من الوحدة كمرأة اللوحة المعروضة التي تدير ظهرها للمشاهد دون أن تنظر إلى الرجل الباهت الواقف  أمامها. أما عمر أجبور، فيحتفي بالبياض الخالص في لوحته "تركيب". هذا التركيب يمزج بين الأشكال المثلثة والخطوط اللامرئية، واللطخات الزرقاء الغامقة، ثم الشرائط الرمادية لكي ينير لنا متاهات الإنسان الحديث، لاسيّما في بعده النفسي والعقلي المبهم...

استطاعت إذن لحمة إفريقيا أن تعطي  لمعرض " إفريقيا اليوم في عيون فنّانيها" بدار الفنون بعدا محليا وعالميا هامّا.  فعلاوة على علوّ كعب الفنانين الأفارقة المشاركين في المعرض، وفرادة تجاربهم الفنية، أثبت المعرض عمليا أن جذور المغرب، من خلال المرجعية الزنجية في الثقافة المغربية، راسخة في إفريقيا والعالم، وأن الفن الإفريقي صار منتوجا لامحيد عنه للسوق المحلية والدولية. كما أن الرهان الآن، بعد نجاح المعرض، يتجلى في ضرورة تفعيل الحوار جنوب- جنوب للنهوض بقطاع تزداد أهميته يوما عن يوم  في السوق الثقافية القارية والعالمية. ف" المعطيات تغيرت كثيرا في السنوات الأخيرة...ورغم أن التشريعات وسوق الفن يجدون صعوبة  كبيرة في بنينة شروط حياة الفنانين الأفارقة وتحسينها ( باستثناء المغرب وإفريقيا الجنوبية حيث نجد العديد من الأروقة  وجمّاعي اللوحات الفنية)، فإن المبادرات العمومية والخاصة تتزايد بشكل ملموس مؤسسة بذلك شبكة نشيطة جدا على مستوى القارة الإفريقية."، كتبت دلفين كالميت في دليل المعرض ملخصة بدقة الوضع الحالي للفن التشكيلي بالقارة السمراء.

New lay..

Related Posts

أمل مرقص صوت أيقظ الأمل وأشعل الشوق كالنسيم العابث بأوراق النعناع

23/06/2008

مطربة وممثلة ومنتجة ومقدمة برامج إذاعية وتلفزيونية ابنة بلدة كفر ياسيف الجليلية، امتزجت أغانيها بدفء لفحته شمس الشرق.

مسابقة مونت كارلو الدولية للموسيقى 2008

22/05/2008

مسابقة مونت كارلو الدولية للموسيقى 2008 مفتوحة للشباب العرب.

الدورة 15 لأيام قرطاج المسرحية:الثورة لم تعرف طريقها إلى الركح لولا بيان السوريين

24/01/2012

الدورة 15 لأيام قرطاج المسرحية:الثورة لم تعرف طريقها إلى الركح لولا بيان السوريين

 يظل المسرح النشاط الإبداعي الأكثر تحررا والأكثر قدرة على تفكيك الواقع الاجتماعي والسياسي في مختلف العصور والأزمنة من جهة، ومحاولة إعادة بناء نمط عيش إنساني  مختلف من جهة ثانية...