غزة. يوميات الحرب

 

 

خارج الإيقاع

تتصل بفتاك الصغير، وتشجّعه ألا يخاف. "أنت رجل، ولا يهمّك". فيجيبك أنه كان يخاف في البداية، لكنه اليوم (الخامس والعشرين) زهِقَ ولم يعد يخاف. تخرج من الأستوديو في الثانية صباحاً، وتمرّ عن الرمبلا وأنت تفكر في جوابه العفوي. معه حق، فالحرب إذا طالت أَسأَمت. وكل تكرار هو سأم إضافي. تعود في الرابعة وقد جُلت شوارع قلب المدينة، لتنام.

تتأهب، وقبل أن تنام، تمرّ على مواقع الأخبار في الشبكة. وتكون المفاجأة اللامفاجأة: تلك الفتاة التي علّمتها مكرهاً الوزن والبحور، قبل سنوات، استشهدت مع كامل أفراد عائلتها. يا له من إيقاع ختامي لهذا اليوم.

الفتاة بعينيها اللوزيتين، ذهبت خارج كل إيقاع. ذهبت بسبب اللا إيقاع. فما من شيء مثل الحرب يودي بجميع الإيقاعات. وتقول إن الحرب هي كاسرة الإيقاع الأولى.

الحرب هي خلل الإيقاع الأكبر.

وتكون أُنهكت، فتتوسل إلى إيقاع يومك الأخير: النوم.

وتكتشف أنه هو أيضاً أُصيب بخلل بُنيوي مثل باقي الإيقاعات.

هييه .. أيتها البراءة المغدورة: علّمتك ما لا طائل من ورائه.

ما لا جدوى فيه، لأنه غير موجود.

وها إني مثلك الآن: أنام خارج كل إيقاع.

رحيل

لم تقطف القبلة الأولى من بنت الجيران. ولا انضممت إلى تنظيمك الأول، من خلف ظهر أبيك. باكراً يا كاسر ظهره، باكراً مضيت .. أبكر من صياح الديك وأبكر من وضوء أمك .

 

كهرباء

طفل الثامنة، فقد عائلته كلها، ومعها نصفَ وجهه. بالعين المفقوءة يتساءل، وهو ممدد على سرير الدم،  في مشفى الشفاء: لماذا أطفأوا الكهرباء؟ لماذا تأخرت كل هذا الوقت؟ متى ستجيء؟

هو يسأل، وشعب بكامله يكزّ على الأسنان: أبداً لن ننسى. أبداً لن نغفر.

تاريخ

أبوس الأرض تحت نعالكم ـ كشاعرٍ هذه المرة. فأنتم المتروكون لمصيركم، خلف الأزرق المحتل، وحدكم من تعيدون المعاني إلى مساقط رؤوسها: إلى بكارتها. آه يا من أناديكم من وراء بحر بطولِه.. أيها الجارفون بمعاولكم خراء عشرين سنة من "الوهْم". أيها الناهضون من تحت الرماد، المتماهون بالجمر الهاتفون : "كلنا مع المقاومة". سادة تل أبيب وساديّو الكوكب، لم يكونوا ليتوقعون. ولا حتى أنتم. لأنكم مَن تفاجئون أنفسكم وتتفوقون على جرحها كل مرة. تلك عادتكم، وهذا تاريخكم القادم.

.. وسأظلّ أبوس.

رثاثة

جريح اليوم الأول، لا يزال ينتظر الخروج من المعبر. جريح اليوم الأول، العشريني بثلاثة أرباع جسد وكلية معطوبة، لا يزال يجهل ما يجري بالضبط، في إضبارة العقيد وفي دهاليز "الأمن القومي".

ولأنه بريء، فضلاً عن أنه جريح ومدمن انتظار، مايزال يأمل في رفح والعريش وأخواتها. ولأنه نظيف مخْلقاً ومنْطقاً (ويحبّ أشياء كثيرة، ليس من بينها تسيبي لفني بالتأكيد) لن يكون بوسعه أن يرى جبل العفن والرثاثة الذي على سلك الحدود: هنا، وعلى شاطىء النيل: هناك.

جريح اليوم الأول، لأسباب تتعلّق بظروفه، لا يعرف ماذا تعني "دكتاتورية الجغرافيا".

هزَل

كلما سمِعت الطائرة، أغمضتْ عينيها بقوة، فتكرمَشَ ما حول العينين. أمها ترسل لي الصورة، وأنا أضحك مما يبدو تمثيلاً، ثم أخجل حين أنتبه أنه الواقع، وأن الحفيدة بسنواتها الثلاث، تستعمل ما وُهب لها، من ميكانزمات دفاع البقاء، بلغة الجسد لا الوعي. مع ذلك، ثمة شيء هازِل لا يبرح ولو كان مجرد تفصيلة من عموم المشهد. هازِل حتى لو اغرورقت عينان متأمّلتان في ما وراء الصورة.

هازِل لأنّ هذا الما وراء بلغَ حدّه القاصي، فانقلب.

المعذرة على هَوَامات الجَدّ، أيتها الزهرة.

خصوصية

تلد في مركز الإيواء: الحدّ الأدنى لمولودها، والحدّ ما تحت الأدنى لخصوصيّتها. تشتكي لجارتها، فتقول هذه: "نحن في إيش وأنتِ في إيش". تعبر الشكوى من فم إلى فم حتى تصل أُذن الشاعر، فيضحك، ويزفر، وينقهر ولا ينبس. يقول في عقله: "عن أيّ ترف تتحدّث الصبيّة؟". ثم يفكّر مليّاً ويتراجع. ثم يعود ويفكّر فيقول إنّ مراكز الإيواء العشوائية هذه، لهي مثل ثكنات الجيش، والسجون، أمكنة عمومية بلا خصوصية. باردة مثل قصيدة عامّة، وسوداء مثل شاش أبيض.

اغتراب

وماذا تفعل حين تعود لبيتك في الشجاعية أو الشوكة أو شرق البريج، فتشعر بالاغتراب عنه؟ كلما نظرت إلى خرائهم فوق سرير النوم، رسوماتهم فوق الجدران، لصوصيّتهم التي لم توفّر حتى حصّالات الأطفال، يجيئك الاغترابُ غثياناً من باطن القدمين. بيتك؟ كلا، ليس هذا ببيتي.

فالبيت بعد أن يمرّ عليه الجنود "الأكثر أخلاقية في العالم"، ليس هو البيت قبل أن يمرّوا. أكتب هذا بعد اتصال من أخت مكلومة، وتخطر ببالي فوراً مقولة "المومسات أكثر النساء حديثاً عن الشرف"، لكنني أنتفض على سفاهة التشبيه وأعتذر توّاً لجميع المومسات في القارات الست.

عُجالة

عاشوا على عجالة وماتوا على عجالة. ما بين العجالتين، سيظل بعيدَ المنال والنوال على الكتابة العاجلة والآجلة. حقاً، على "الكتابة" أن تطامن رأسها، مثل كلب مذنب، يتمسّح بالحيطان. فالحرب آكلة بشر وآكلة كتابات أيضاً وأيضاً.

باسم النبريص غزة

أوت-أغسطس 2014

Related Posts

الهجرة وغرائبها أو أتعاب الهجرة

17/07/2012

ثلاث قصائد من الشعر الشعبي التونسي بقلم: عبد الواحد الزاوية...

 

ميّت

24/04/2012

 

كَانَ البحرُ المَيّتُ

يُموِّتُ وِجْدَانِي...