في مدينة القطار يعيد السكان اختراع الديموقراطية المباشرة



عندما تصل إلى مدينة مثل القطار أو الرديف أو تالة، يبهرك في البداية جمال المناظر الطبيعية الجبلية أو الصحراوية أو الخضراء حسب قربها من البادية. بعد ذلك تشعر وأنت تدخل إلى هذه المدن في الجنوب التونسي بالغياب الفاضح للبنى التحتية وللطرق المعبدة ولوسائل النقل. بالكاد فيها عيادة طبية ومدرسة ابتدائية وبعض المحال التجارية. كيف يعيش السكان في حياتهم اليومية في غياب الخدمات العامة والإدارة؟

عندما تسير في الطريق الذي يوصلك من قفصة إلى قابس، تجد القطار، وهي ناحية يسكنها 18000 نسمة تقع في أسفل سلسلة جبلية. ولقد عرفت المدينة مثلها في ذلك مثل المدن الأخرى في المنطقة سلسلة من الاحتجاجات الهامة مع اندلاع الثورة. وعندما تدخل إلى وسط القطار، تلتقي مع عمار توتة، أحد المدونين النشطاء الذين قاموا بتغطية عدة مظاهرات.
في مدينة القطار يعيد السكان اختراع الديموقراطية المباشرة
مرتان سألنا عن مخفر الشرطة، وفي المرتين كان الجواب أنه قد حُرق، وهو خارج الخدمة. خارج الخدمة هو حال خدمات عديدة عامة في المدينة. غياب الشرطة الوطنية، والمخفر. لا وجود لمكتب السونيد (الشركة العامة لتوزيع المياه). يجب الذهاب إلى قفصة من أجل الوصول إلى الخدمات الإدارية الغائبة.

 

عماد ينتظر أمام المخفر. يأخذنا بعدها إلى مقهى ليس ببعيد حيث نجد صديقه فراس من اتحاد الخريجين العاطلين عن العمل، وهو أيضاً ناشط فعّال في المدينة. فراس لديه ما يشبه الدوام الكامل في المقهى حيث تم تجهيز مكتب. الموقف سريالي بعض الشئ. يعود بنا فراس إلى الأحداث في عام 2013، والمظاهرات العنيفة والمجابهات مع الشرطة.
في قصر هناك مركز شرطة مخصص لسكان القطار. هنا تم حرق المركز ثلاث مرات منذ اندلاع الثورة. عندما تكون هناك مظاهرة وتسوء الأمور مع الشرطة، سرعان ما يكتشفون وجودنا، وعندما نحتاج لأوراق معينة من مركز الشرطة يقومون بتوقيفنا.
الإدارة الذاتية أو تدبير الأمور هي القاعدة في عدد كبير من مدن الجنوب، في غياب بنى إدارية يُفترض أن تستجيب لحاجات السكان. بعض المدن تبدو وكأنها لا مكان No man's land . تستطيع فيها بشكل شرعي التساؤل كيف يستطيع الناس أن يعيشوا هنا على مستوى الحياة اليومية.
"إنهم لا يريدون إعادة تأهيل المخفر. بنوع من العقوبة".
يروي لنا عماد وفراس إحدى المظاهرات الأخيرة. كانت عنيفة. وقد استهدف السكان وقتها المجموعة الكيميائية التونسية، وهي إحدى أهم الشركات في البلاد، ولها وضع شركة عامة تقوم بتحويل وغسيل الفوسفات المستخرج من المناجم.
"المجموعة الكيميائية تضخ إليها كل ماء المدينة. ولذلك فإننا ننظم بشكل منتظم مظاهرات، حيث نجد أنفسنا في بعض الأحيان بدون ماء. وكردة فعل نقوم بقطع الطريق بين قفصة وقابس. إنها وسيلتنا الوحيدة للضغط.

 

على الطاولات الأخرى في شرفة المقهى، هناك أربعة رجال في الستينات من عمرهم يلعبون الورق بالقرب منا. كانوا يسمعون من بعيد حديثنا الذي تتناوب فيه الفرنسية مع العربية. يقترب منا أحدهم بعد أن أنهى لعبة الورق. تكلم معنا بفرنسية جيدة. عمار عمار متقاعد من مصلحة السكك الحديدية. يحدثنا عن ذكرياته كعامل سكة، وعن المحطة التي عمل فيها طيلة سنوات والتي تُركت الآن مهجورة: "ما زال هناك ما يقارب مائة شخص يعملون فيها في بداية عام 2000. كنا ثلاث فرق عمل نتناوب على ساعات العمل الثمانية".
مثل بقية الخدمات العامة، كان لا بد من الذهاب إلى قابس من أجل ركوب القطار. "الخط الحديدي الجديد قفصة - قابس تم تمويله بقرض من البنك الدولي. ولقد اضطرت مصلحة السكك الحديدة التونسية أن تسدد القرض للدولة. منذ ما يقارب أربع أو خمس سنوات توقفت الشركة عن التسديد. ولقد نصح البنك الدولي بتقليص عدد العاملين. اعتباراً من 1995 صار بمقدور أي عامل يصل إلى الخمسين أن يأخذ تقاعداً مبكراً، وفي الوقت نفسه لم تعد هناك تعيينات جديدة. وهكذا تم تقليص عدد العاملين إلى النصف".
وهكذا أغلقت المحطة بسبب نقص اليد العاملة، وصارت اليوم تستخدم لنقل الفوسفات.
وماذا عن دار البلدية، هل هي أيضاً "خارج الخدمة؟"

 

عند وصولنا غلى مقر البلدية كان بإمكاننا أن نلاحظ الأعمال الجارية من أجل توسيع البناء. الاستقبال الحار الذي قُدّم لنا يتناقض مع كآبة المكان. وما بين الهياكل المعدنية التي تربط بين الطوابق، وبعض الغرف التي كانت بلا سقف ومع نقصان الأثاث كان العاملون يقومون بعملهم بنشاط: "يجب أن نتابع مهمة الخدمة العامة بالنسبة للسكان" كما ذكر فتحي هفيد وهو صحفي محلي وتقني في مجال المعلوماتية في دار البلدية. وقد فسر فتحي لنا بأن الدار قد أُحرقت هي الأخرى بعد الثورة "إننا نتقاسم المكاتب بانتظار أن تنتهي الأشغال التي يُفترض أن تُنجز في آذار 2015".
الوضع الاجتماعي صعب للغاية، وقد فهمنا بسرعة أن العمل يتم هنا بالوسائل المتاحة من أجل التجاوب مع القضايا الاجتماعية الملحة. أسرَّ لنا فتحي هفيد أنه هو الآخر قد قام بدعم بعض الجمعيات من جيبه الخاص.

 

كما في عديد من المدن، تم طرد الفريق العامل في البلدية، أو أنه هرب بعد الثورة. وقد حل فريق آخر محله. "لقد انتقى السكان رئيس بلدية جديد وهو نزيه ويعمل بلا كلل. وحتى إن كانت هناك انتخابات جديدة، فإنني أتمنى أن يبقى رئيساً للبلدية كما قال فتحي هفيد.
دخلنا إلى مكتب رئيس البلديةدخلنا إلى مكتب رئيس البلدية. في القطاع الخاص، يشغل مبروك عمار منصب المقاول الرئيسي في المجموعة الكيميائية التونسية. في الواقع هو ليس رئيس بلدية حقيقي، وإنما رئيس المندوبية الخاصة بالقطار منذ نوفمبر تشرين الثاني 2011، أي ما يمكن تعريفه بأنه نوع من المبادرة السياسية التي تولّدت من ممارسات الحوكمة المحلية. في الواقع، في بعض المناطق مثل القطار، اقام السكان مناهج جديدة للإدارة المحلية، هي نوع من الجواب على غياب ممثلين عن الحكومة.

 

رئيس البلدية على اتصال مباشر مع المواطنين. "هناك 160 موظف يعملون فيها والرواتب تشكل 300% من الموازنة. العائدات تأتي من الأعمال الإدارية التي يدفعها السكان وتسمح بتمويل نوع من الرواتب. وإلا فإننا ننتظر التنمية والشغل. مع الموازنة الحالية لا نستطيع القيام بأشياء كثيرة" حسب ما ذكر لنا مبروك عمار.

البلدية هي المكان الرئيسي للحياة الاجتماعية في القطار، وللجمعيات فيها مكان هام. بابتسامة أنارت وجهه شرح لنا رئيس البلدية أنه ترك مكتبه الخاص للموظفين وللمواطنين لكي يستطيعوا الاجتماع فيه من أجل تطوير العمل. وهو يتقاسم المكتب مع رئيس القسم.

 

التقاسم والتضامن هي القاعدة "إننا نعمل مع مندوبيات أخرى من المنطقة لكي نضغط بشكل أفضل. البعد الجغرافي مع العاصمة يجعل مطالبات التنمية لمدن الجنوب صعبة، ولا يتم الاستماع إليها.
"بلديات القصر وقفصة وسنيد تحاول أن تتساعد فيما بينها. يجب أن يذهب السكان إلى قفصة من أجل أن دفع فواتيرهم أو يدفعونها بالبريد. هذه الكلفة الإضافية تؤثر على عائداتهم التي هي بالأصل قليلة.

ولأننا كنا فضوليين نريد أن نفهم كيف يمكن لموظف كبير في المجموعة الكيميائية، تلك الشركة التي تشفط الماء من السكان هو في الوقت نفسه ممثل سياسي محترم، طرحنا السؤال الذي يمكن أن يزعج.
"قبل ثلاث سنوات، لم يكن لدى الناس خيارات. اختاروني لأني كنت الأكثر كفاءة. ومن وقتها تغيرت الأشياء. يجب أن يُترك الخيار للسكان لانتخاب رئيس بلدية جديد".

فيما يتعلق بالتوتر بين جزء من السكان والمجموعة الكيمائية التي تستخدمه كمتعهد شرح لنا:

"أنا ضد فكرة قطع السكة الحديدة التي تنقل الفوسفات لأنه يجب احترام القانون، وإلا لم تعد هناك مصداقية للمطالبات. يجب استخدام الطرق القانونية الموجودة. على سبيل المثال، تنظيم اجتماعات من أجل سماع المشاكل ونقلها للحاكم. قبل الثورة لم يكن بمقدورنا أن نفعل أي شئ أو أن نقول أي شئ. اليوم هناك وسائل تعبير سلمية وقانونية من أجل إيصال الصوت. ونحن نتعمد عقد الحوار بين الإدارة والمواطنين. الجو الاجتماعي قد تغير. في ذهنية التونسيين، هناك تغيير ووعي مواطني يتطور."

 

وبهذه الكلمات الحكيمة، انتهت المقابلة

باولو كان ورفيقة بن درميل
23/01/2015

 بوندي بلوغ تونس

 

مقال نشر في بوندي بلوغ تونس
واستعيد في إطار مشروع ابتكار ميديا

Related Posts

تباين آراء التونسيين بشأن الاتحاد من أجل المتوسط

12/07/2008

في إطار ملف خصصته باب المتوسط للمشروع الفرنسي "الاتحاد المتوسطي" ها هنا مقال يوضح بعض وجهات النظر التونسية تجاه الموضوع.

شارلي هبدوًُ : سخط و استنكار في تونس

08/01/2015

في تونس أثارت العملية الارهابية ضد شارلي هبدو موجة سخط واستنكار وتعاطف مع فرنسا

 

الدورة الحادية والعشرين لمهرجان تطوان الدولي لسينما البحر المتوسط

22/06/2015

أعلن مهرجان الدورة الحادية والعشرين لمهرجان تطوان الدولي لسينما البحر المتوسطتطوان الدولي لسينما البحر المتوسط عن إطلاق دورته الحادية والعشرين التي ستجري في عدة صالات عرض في المدينة المغربية ما بين 28 آذار مارس و 4 نيسان ابريل 2015 .