أن تبني في فلسطين، حساب شخصي

 

أن تبني في فلسطين، حساب شخصي
فلسطين في الهواء، تشعر بها حارة في البداية ثم مخيفة في الليل. يأتيك النقيق والنباح من المدن الصغيرة والكبيرة. هناك طاقة تحوم بشكل دائم على التلال اللامتناهية.
البنايات المعلبة ذات النوافذ المربعة تتكدّس في كل مكان وتبدو حوافها الطابقية وكأنها مكبّرة عمداً. بعضها بدأ تشييده للتو، وبعضها ما زال قيد الإنجاز، وبعضها مُنجز. هناك أعمدة نُصبت عالياً وكأنها تنتظر بصبر طابقاً آخر. وكل البنايات لها سقف مسطح تزدحم فيه خزانات الماء ولوحات الطاقة الشمسية.
المتحف الفلسطيني هو جار جديد حلّ في هذا المشهد. حجري وشاحب،  يوحي بالإلفة،  لكن من الواضح أنه قد أقلع لتوّه، وما زال منخفضاً وغير مستو مثل كتلة أحادية مشوهة تنبثق من دائرة محيطة من الحدائق المنحدرة. يتألف المتحف عموماً من طابق واحد، لكنه يستطيل ضيقاً على قمة الهضبة، و يمتد طولياً من الجنوب إلى الشمال ليطل على قرية أبو شخيدم  تحته من جهة الغرب، ثم على البحر المتوسط  فيما وراء قمة الهضبة.

تم حف الموقع وتنظيمه بشكل مستقيم على طول المستويات الموجودة التي تمت تسويتها لتتناسب مع المواصفات جديدة.
خلال شهور مضت، كان البناؤون يجمعون الصخور من الموقع. قطعوها وكدّسوها الواحدة فوق الأخرى وهم يشقون طريقهم المتلوّي نحو الشرق وباتجاه الأعلى انطلاقاً من أسفل الهضبة. تم تحديد الخطوط الجديدة للأرض بجدران استنادية وطيئة تخللتها أكوام من التربة الطينية التي تم سكبها وتوزيعها وتمشيطها، فإذا بالأرض القديمة تتحول ببطء إلى حدائق مثلثة الشكل؛ هي جديدة، ومع ذلك يسهل التعرف عليها.
العمال في الخارج يلبسون قبعات خفيفة ويأخذون استراحاتهم منتشرين تحت النتوءات الصخرية.  أكياس بلاستيكية زرقاء وسوداء؛ ربطات من الخبز المستدير؛ وعلب من اللحم والزيتون والجبنة البيضاء المالحة وعلب الكولا محمولة من أعناقها.

كانوا قد زرعوا من قبل بساتين من اللوز والمشمش والرمان والتوت وأشجار السرو. كما قامت مجموعات من اثنين أو ثلاثة بجرّ أشجار الزيتون الثقيلة من قلقيلية إلى الحفر المجهزة حديثاً. سيلي ذلك شجر الجوز والخروب والتين والذادي والبطم والبرتقال الحامض والليمون، لينتهي العمل برصف حافة ضبابية من الصنوبر والبلوط عند حدود الموقع.
تحت هذه الأشجار نجد مسكبة سميكة من القمح والحمّص والنعناع والزعتر والميرمية التي بدأت تزهر. بعدها ستكون هناك رقعة من النباتات الدغلية المالحة والزعرور وزهور الصخر والبابونج والقبار والوزان والياسمين والخزامى والآس والمردكوش والخبيزة والكمثرى البرية ومكنسة الجزار واكليل الجبل والعنب. وقبل نهاية السنة ستكون هناك أيضاً مسكبة من الأعشاب الدائمة كالثوم المعمر العملاق وزنبق النيل وقزحية الملتحي وبصل الليلك البحري والملوخية.
كذلك تم رصف حصى مستديرة بشكل أملس على المنحدرات والممرات والمصاطب لتتشكل بذلك شبكة بطيئة ومقطّعة.

على طول كتلة الطريق تم تجهيز أقنية من البيتون وأنابيب  من النحاس معلقة على المنحدرات العميقة بعد أن رمتها بإهمال مجموعات من الرجال. وسيقوم هؤلاء معاً بجر الكهرباء والغاز والماء إلى الموقع، وتصريف  ماء المطر غير المستخدم بحيث يعود منحدراً  إلى أسفل الوديان.
خارج الموقع، في ورشات من محيط الخليل ونابلس، تم إنهاء التفاصيل الدقيقة مثل ثني وتلميع وتغليف الأوراق المعدنية بمسحوق؛ وقطع صفائح الفولاذ وضمها  لتلتصق ببعضها. ولدى حملها إلى الموقع فيما بعد سيتم  فك أغلفتها لتوضع برفق في مكانها.


البراميل التي أعيد تدويرها، والعوارض من الستيل المدعم وكل ما يأخذ شكل خشب البناء.
هلال طبيلة &أبو خليل، موقع المتحف الفلسطيني/ نيسان ابريل 2015
أن تبني في فلسطين، حساب شخصي
في قمة الهضبة، سٌكب ما تبقى من الخرسانة وتُرك ليتصلّب. عبر المسلك القصير تم رمي الألواح الصلبة أولاً ثم الأطر الثقيلة. رُفعت عالياً ثم ألقي بها إلى أسفل المسار البعيد. كانوا يمسكون بفتحتين كبيرتين مثلثتين يطلون منها على الأسفل حيث يقع الموقع جهة الغرب.  تسعة عشر إطاراً كل واحد منها مجمد في وضعية فريدة من نوعها، وكلها مربوطة ببعضها من أسفلها بطبقة رقيقة من الخرسانة . كانوا يتركون الأضلاع معروضة في الأعلى ليحملوا طبقة من الحجارة. حجارة ضخمة محفورة من بيت لحم وضعتها في مواقع غير مألوفة رؤوس وأيد نابلسية. وهكذا طبقة فوق أخرى إلى أن اكتمل لفّ المبنى بأكمله.
ومع ذلك كانت هناك أجزاء عريضة من المبنى تنتظر دورها، فقد تم رفعها إلى مكانها ثم تم تعليبها أو ترتيبها. بعد ذلك يأتي دور الزجاج الذي يتراقص بطريقته الخاصة داخلاً إلى المبنى أو خارجاً منه من طرف لآخر على شكل مثلثات مقابل الجهة الغربية. في النهاية هناك مجموعة متدرجة من الستائر الدقيقة من الصلب الأسود ستنزلق لتأخذ مكانها بحيث تخفف من شمس المساء الحارة.
حبال مشدودة من طرف البناء، بالكاد مرئية تُستخدم كدليل. وعدد إضافي من الحجارة المقصوصة، رمادية ورخامية، أنزلها في مكانها على الاسمنت المبلل رجال يجلسون على ركبهم فوق وسائد. ها هي تشق طريقها عبر شرفة البناء.
في الأبنية الخارجية، يقوم عمال اللِحام الملثمون بوصل أنابيب الصلب السميك ومضخات الإغلاق والحفارات بقواعد من البيتون.  
في الداخل، على الأرض أطوال من الكابلات السوداء السميكة مجدولة أو مكوّمة فوق بعضها تحيط بالبناء. في الغرف هنا وهناك، نجد حبالاً مضفورة ملونة تم سحبها خارجاً مع وضع علامات تميزها؛ وهي تربط اللوحات بقواطع ومآخذ  لها أزرار. بعد فترة قليلة سوف تُدفن بدورها تحت طبقة سميكة من الحجارة الرطبة التي سرعان ما ستتصلب لتبطن الحجارة أو البلاطات أو الموكيت. هذه التيارات اللامتناهية والتدفقات والإشارات سوف تتسابق ذهاباً وإياباً مدفونة تحت الأقدام عندما ينتهي البناء.
فوق في الأعلى، سيكون على العمال المكلفين بوضع الطينة أن يحفّوا قشرة طبقة البيتون المليئة بالحبيبات، وفي الأسفل هناك آخرون يقومون بصمت بوضع طبقات أخرى رقيقة من الجبس الطباشيري التي تنزلق على الجدران الداخلية.
في المراحيض، يدك رجل بلاطات الرخام السميكة في مكانها ويربط بين الواحدة والأخرى بإحكام. وسرعان ما ستجد الصنابير والأحواض اللامعة وكراسي المرحاض مكانها هناك.
خارج الموقع، في ورشات تشكلت في محيط الخليل ونابلس، يتم تشطيب التفاصيل الأكثر دقة. الأوراق المعدنية تم ثنيها وشطفها وتغطيتها بالبودرة. صفائح الستانلس ستيل السميكة تم قطعها ورصّها. سوف تؤخذ إلى الموقع فيما بعد حيث سيتم فك الأوراق التي تغلفها لكي توضع برفق في مكانها.
كم من الأحاديث والحجج الجازمة صارت ليّنة بفعل الهال والميرمية والنعناع والزنجبيل أو البابونج، وتم الدفاع عنها بصبر ومزاح.
تذهب الشمس للمغيب، ترمي نفسها برفق في البحر من جديد. هو الفصل الأخير. تسابق لشغل موقع الصدارة أمام المتحف الذي يراقبه الجميع من الأسطح والأروقة والحدائق.
هناك موقد تم صنعه من برميل فارغ وبعض قطع الغيار المخصصة للكسوة. وقوده هو الخشب المستخدم في العمل. أخرجت الكؤوس البلاستيكية الشفافة من مكانها. مُسحت الملاعق وغُسلت الأيدي.  الرز المعطر بالكركم تم تحريكه وسكبه دفعة واحدة في صحن معدني مضروب فُرش بالخبز. المنسف بدأ يغلي. لقد صار جاهزاً تقريباً وبعد قليل سوف يُسكب فوق الخبز. بضعة كؤوس من مرقه الحليبي سوف تنهال على الكومة لتتغلغل بعمق داخل الرز. بعدها سوف يؤكل بشكل جماع.  من ثم، في العتمة، ستكون هناك فناجين من القهوة التركية وسجائر وأحاديث. الاكتفاء هو بحد ذاته عيد.
التشييد هو تبادل بين المفاهيم الأجنبية والقيم الفلسطينية. نوع من الأمل طويل الأمد والمخاطر المتبادلة.

ظهر المقال للمرة الأولى على النت في AAU Anastas website
الصورتان التقطهما كونور سرينام نفسه.
 

Related Posts

محمد بكري: «أهم شيء عندي هو الصدق»

06/02/2009

محمد بكري: «أهم شيء عندي هو الصدق»أرغب أن يحل السلام والامان في بلدي ولا نشعر أننا مهددون بخطر الاجلاء وأرغب ان تتحرر كل الأمم فلا يبقى ظالم ولا مظلوم وأن يتساوى البشر ويتمتعون بالحرية

"مسرح الهامش" و "غسل الروح" و"مرة أخرى قصة حب"

11/12/2008

"مسرح الهامش" و "غسل الروح" و"مرة أخرى قصة حب"مسرح "الفرينج" وسام فخر واعتزاز على صدور أهل الناصرة حيث تعاون هذا المسرح مع أكبر المخرجين المسرحيين العالميين. باب متوسط حاورت مدير المسرح الفنان هشام سليمان.

سناء موسى: «الموسيقى قوة جبارة تجعلني أبكي وأغضب وأفرح»

14/11/2008

سناء موسى: «الموسيقى قوة جبارة  تجعلني أبكي وأغضب وأفرح»تتميز المطربة الفلسطينية سناء موسى بشخصية متواضعة وحساسة وتتمتع بذوق فني مرهف، ينساب صوتها الرخيم بشفافية ليلامس الفؤاد، تتشابك أنغامه مع نبض الأرض بتناسق جميل، يعيدنا للماضي ويذكرنا بالوطن المفقود.