العبور الصعب



الاسكندرية

منذ السنة الماضية، شهدت الشوارع الفرعية المؤدية إلى شارع جمال عبد الناصر، وهو الشارع الرئيسي في ضاحية المندرة شرق الاسكندرية، مئات اللاجئين والباحثين عن ملجأ  وهم يُنقلون ذهاباً وإياباً في ميكروباصات وعربات سوداء. كان المهربون يضعونهم على الأغلب في شقق تُستأجر لليلة واحدة قبل استعجالهم ليذهبوا تحت جنح الظلام إلى الريف باتجاه المراكب.

عشرات اللاجئين الذين أجرت معهم مدى مصر مقابلات ذكروا شارع جمال عبد الناصر كأحد المحطات في رحلاتهم من حمص إلى ميونيخ، ومن الخرطوم إلى أوسلو، ومن أسمرة إلى استوكهولم.

العبور الصعب

ريم دمشقية الأصل تعمل في منظمة شعبية سورية في هذه الضاحية الاسكندرانية التي صارت موئلاً  للسوريين ولشبكات التهريب خلال السنوات الأخيرة القليلة.

سوريانا، المنظمة التي شاركت ريم في تأسيسها تقدم بشكل أساسي الطعام للنساء السوريات وللأطفال. في كل أسبوع، يمر الطلاب بها لكي يتلقوا دروساً خصوصية بسعر مخفض. ومرة في الأسبوع، تساهم النساء السوريات في "ست الشام" حيث تقمن بطبخ الطعام السوري، وتلتقين بالنساء المصريات المحليات، مما يعزز العلاقات المتبادلة  بين المُجتَمعين.

ما زالت الجدران مزينة منذ حفلة العيد التي حضرها الأطفال هنا. وما زالت كلمات "بيت سوريانا" تغطي أحد الجدران بأحرفها المقصوصة من الورق البراق.

“نحن نفهم حاجات الناس الذين يحيطون بنا، ونعرف كم عانوا حتى الآن" كما تشرح لنا ريم. ذلك أنه يوجد عدد كبير من السوريين الذين يعيشون السنة الثالثة أو الرابعة من حياتهم في الشتات، وهم يواجهون عوامل ضغط متزايدة هي التي تغذي تدفق الهجرة: التعليم، الصحة، العمل وكل المخاوف المتعلقة بالمستقبل.

لقد تناقص الدعم الدولي بعد أن ابتلى بأزمات التمويل الذي جعلت عمليات مفوضية الأمم المتحدة العليا للاجئين في سورية لا تموّل سوى 40 بالمائة هذه السنة، في حين ما تزال التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة.

"مع ذلك ما زلنا نحاول"، تقول ريم رافعة كتفيها بعدم اكتراث، وهي تبتسم.

لم يعد بالإمكان اجتياز البحر المتوسط بشكل مباشر

يمكن ألا يتبدى أن ريم تخطط لترك مصر بالطريقة التي يفعلها كثير من السوريين منذ 2013؛ إذ يبدو عليها أنها مستقرة نسبياً، أو أنها على الأقل مشغولة بشكل غير معقول. لكنها تحدثنا ببراءة عن مخططها فيما تقوم بتحضير الشاي في المطبخ.
"أنا أيضاً أخطط للرحيل" تقول وهي تبتسم. “نحن عالقون هنا- دون أن نرغب في ذلك. أنا أريد فقط أن أذهب إلى تركيا وألتقي بعائلتي ثم أذهب لأوروبا".

في السنوات الأخيرة، كان على ريم أن تبدأ بالتطلع إلى البحر المتوسط -وهو يقع على بعد خطوات منها- لتصل منه إلى أوروبا.

لسنوات طويلة، كان هذا الطريق مستخدماً من قبل المهاجرين المصريين لأسباب اقتصادية، وغالبيتهم من  قرى الشمال والجنوب، للذهاب باتجاه اليونان وإيطاليا، وعلى الأخص بعد أن تم تشديد أليات مراقبة الحدود في ليبيا، التي حوّلت مسار عبورهم من هناك. وتغيير المسار من ليبيا إلى مصر كان يعني غالباً إبحاراً أطول وأكثر كلفة ومحفوفاً بالمخاطر.

لكن ريم تريد الآن أن تذهب إلى تركيا، وقد التقت بمهربين لتدرس الخيارات التي أمامها.

"لقد بدأنا نتكلم مع المهربين منذ ما يقارب شهرين أو ثلاثة" تقول ريم: "أرادوا أن يقنعونا بكل قواهم أن كل شئ آمن، تستطيع أن تترك المال مع شخص تثق به ولا تدفع المبلغ إلا بعدما تصل. لن يحصل لكم أي شئ إلى ما هنالك".

ومثل ريم، هناك سوريون آخرون يتزايد توجههم نحو تركيا واليونان بحثاً عن طرقات أكثر أمناً - وفي هذا الصيف، صار شرق المتوسط (تركيا واليونان) يتفوق على مصر وليبيا كأهم طريق يسلكه اللاجئون، وطالبو اللجوء والمهاجرين نحو أوروبا.
"من الأسهل الذهاب عبر تركيا لأن... الصعوبات ليست مثل هنا"، كما تشرح لنا ريم، على الأقل لأن المواطنين السوريين ما زالوا يستطيعون السفر إلى تركيا دون فيزة مسبقة "تسافر ساعة أو ساعتين بالبحر ليس أكثر. هنا، عليك أن تبقى في البحر لأكثر من 10 أيام وأحيانا 15.. وعدد كبير من الناس تم توقيفهم. الحكومة المصريةتقوم بإغلاق الحدود أكثر من ذي قبل بكثير".
وتضيف ريم: “معظم الناس يحاولون الوصول إلى أوروبا بأسرع ما يمكن، لأنهم يخشون أن تغلق الحدود بعد ذلك، وعندها لن يكون بمقدور أحد أن يصل إلى أوروبا من جديد".

في مصر، الرحيل محفوف بمخاطر التوقيف

استناداً إلى أخر أرقام المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، فإن العدد الإجمالي للأفراد الذين تم توقيفهم لمحاولتهم عبور المتوسط دون ختم خروج منذ بداية 2015  قد وصل حالياً إلى 2,320.  ويشكل السودانيون العدد الأكبر من بين اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين الذين تم توقيفهم على الشاطئ الشمالي. يبلغ العدد الإجمالي للسودانيين 935، يليهم السوريون (507)، و الصوماليون (475)، والاريتريون (178).
يقول الباحثون في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في الاسكندرية، وفي حركة التضامن مع اللاجئين في المدينة نفسها أن العدد الإجمالي قد وصل حالياً إلى أكثر من  3,000  في هذه السنة وحدها – وهو تقريباً نفس الرقم الإجمالي الذي تم توثيقه في سنة 2014 كلها. والأرجح أن العدد معرض للازدياد.
محمد كاشف الذي يوثق الهجرة غير المنتظمة ومعتقلي الهجرة في الشاطئ الشرقي لصالح جمعية EIPR في الاسكندرية قال لمدى مصر: “إن المهاجرين المعتقلين السودانيين يأتون في المقدمة هذه السنة، ليس لأنهم يريدون الذهاب إلى أوروبا أكثر من السوريين، وإنما لأن الشبكة صارت لديها تجربة جديدة في الشاطئ الشمالي. كانوا معتادين على الذهاب من ليبيا وسيناء، لكن في هذا الموسم، بدأوا يذهبون إلى أوروبا من الدلتا".
ويضيف أن الشاطئ الشمالي يمثل تحولاً في الطريق بالنسبة لهذه الشبكات بعد أن تزايدت مخاطر عبور الترانزيت عبر ليبيا، والإغلاق القريب للحدود المصرية الإسرائيلية، وتزايد العنف في شمال سيناء.  
ولقد وثقت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين ومصادر أخرى كيف أن أكبر تدفق لهجرة اللاجئين السودانيين والباحثين عن مأوى والمهاجرين كان من مصر في 2015 مقابل السوريين والاريتريين، وهما الجنسيتان الأساسيتان اللتان عبرتا البحر المتوسط في 2014.
وتحليل المفوضية العليا لشؤون اللاجئين يتأسس على تشكيلة المهاجرين غير النظاميين التي تظهر في سجلات مراكز اعتقال المهاجرين في الساحل المصري، والتي اعتُبرت العينة التي تمثل تدفقات المهاجرين بشكل عام، لكن هذه العينة  ليست بالضرورة دقيقة، استناداً إلى أحد المسؤولين في المفوضية.  
"في إحصائياتنا لدينا جنسيات، لكننا لا نفرق بينها استناداً إلى مكان الرحيل" كما تفسر بربارة موليناريو، وهي المسؤولة عن المعلومات العامة في مكتب المفوضية في روما. “وهكذا فإن المعطيات التي لدينا هي عن من أتى إلى إيطاليا، وليس من أين أتى".

موليناريو أخبرت مدى مصر أنه لم يكن من الممكن تحديد جنسيات الـ 5,000  شخص تقريباً، و(الذين) وصلوا عبر البحر إلى إيطاليا بعد أن أقلعوا من مصر" منذ بداية 2015. وهم يشكلون تقريباً 5 بالمائة من مجمل عابري المتوسط لهذه السنة.

لكن ما هو واضح هو أنه يوجد تناقص في حالات الانطلاق من مصر كما كان يقدر سابقاً استناداً إلى التقرير الذي كلفت المنظمة الدولية للهجرة (IOM) صياغته، والذي يبيّن أن مصر قد أنتجت في السنة الماضية تسعة بالمائة من التدفق الإجمالي للهجرة. وكانت التقديرات قد وضعت قبل ذلك رقماً يزيد عن 10 أو 20  بالمائة.

“عندما صارت الرقابة على الحدود أقوى، غيروا الطريق بكل بساطة"، يقول كاشف. “الآن لم يعد السوريون يذهبون عبر الشاطئ الشمالي لمصر كما كان الأمر من قبل. كثير منهم يأخذون الطائرة إلى تركيا، ومن هناك يأخذون مركباً إلى اليونان، ثم يسلكون براً طريق البلقان".
هذه السنة، يبدو من  نسبة الاعتقالات أن مراقبة الحدود في مصر صارت أقوى. وقد يكون ذلك انعكاساً لإجراءات أولوية أمن الحدود في مصر، أو للدور الذي ترى أوروبا أن مصر تلعبه في أزمة البحر المتوسط.

وكما هو الحال في تونس، تمت تسمية مصر بشكل متكرر كشريك محتمل في وثائق العروض الأوروبية وفي الوثائق الإخبارية؛ ويشمل ذلك العروض الإيطالية التي صدرت في آذار مارس، مقترحة أنه يمكن لـ "وحدات بحرية من بلاد الطرف الثالث (هذه)، المسؤولة عن مناطق (الإنقاذ والبحث) القريبة من ليبيا التدخل وإنقاذ المهاجرين العالقين في البحر.. (و) أن تأخذهم بعد ذلك إلى مرافئها".

بعد زيارة ليوم واحد إلى مصر في أيار مايو، قال المفوض الأوروبي لشؤون الهجرة ديمتري افرامونبولوس بأنه قد ناقش مع الرئيس عبد الفتاح السيسي  احتمال عقد حوار عن الهجرة والحركية يمكن له أن يطور التعاون بشكل أكبر. وقد امتدح أفراموبولوس "دور مصر القيادي" في عملية الخرطوم، المعروفة أيضاً بإسم ‫ مبادرة الاتحادالأوروبي والقرن الافريقي حول مسارات الهجرة . وهذا المخطط الثنائي ذو الدلالة قد تم تصميمه لمعالجة الهجرة غير الشرعية "في جذورها"، وقد عنى بذلك أن المسؤولين الأوروبيين قد ناقشوا المصادر الخارجية التي تشكلها المراكز المعنية بعمليات الهجرة، وكذلك مراقبة الحدود، وفي بعض الحالات الأنظمة القمعية في القرن الافريقي.
“في البداية ستتركز النشاطات على معالجة الإتجار بالكائنات البشرية وكذلك تهريب المهاجرين"، حسب ما قاله أفراموبولوس. “والمشاريع المستقبلية يمكن أن تتوسع لتطال مواضيع أخرى كالهجرة الشرعية، والهجرة غير المنتظمة، والهجرة والتنمية، والحماية الدولية".

الإجراءات الأمنية المتزايدة تفتح الباب أمام أنماط أخرى من التهريب

عندما قام المُقرّر الأوروبي الخاص فرانسوا كريبو بإطلاق تقرير جديد حول الحقوق الإنسانية للمهاجرين في 16 حزيران يونيو، ادعى بأن مراقبة الحدود وتطبيق الإجراءات الأمنية فيها "تفيد فقط في فتح سوق ربحي جديد لمنصات التهريب، وهو سوق كان يمكن ألا يوجد لولا إجراءات المنع هذه".
وقد أضاف أن التهريب في منطقة البحر المتوسط "يزدهر من خلال التهرب من سياسات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الرامية للحد من الهجرة،"  
وفي مصر، كما في الدول الأخرى التي لديها شواطئ على البحر المتوسط أو تشكل الباب الخلفي لأوروبا، هناك سوق حقيقي للاحتمالات الأخرى بدأ ينبثق.

سعر المقعد في المركب إلى أوروبا لم يتغير بشكل كبير. والمهاجرون الشرعيون الذين إما حاولوا السفر واعتقلوا، أو نجحوا في الوصول إلى أوروبا قدموا لمدى مصر أسعاراً تتراوح بين 1,500 $ و3,000 $. أما الأطفال فغالباً ما يسافرون مجاناً. وإن أتيت بعدة أصدقاء أو أقرباء معك يمكن أن تحصل على تخفيض، بل وحتى على مقعد مجاني.
لكن الآن، مع الموت في البحر، وزيادة الاعتقالات والنسب المنخفضة للنجاح في اجتياز البحر من مصر بشكل عام، صارت هناك اتفاقيات أخرى.

يعمل أبو عمار كسمسار في مدينة السادس من أكتوبر. في الماضي، كان يربط الناس بالمراكب ويصلهم بمهرب من الذين يديرون الرحلات وينظم الأسعار وعدد المسافرين قبل أن يأخذ حصته من الأرباح.

إنه يبدو كبحار متواضع في كل مرة يجلس فيها في المقهى الذي يملكه سوري حيث التقت به مدى مصر عدة مرات منذ الشتاء الماضي.
هذا اللاجئ الحلبي المهيب مدخن شره يشعل سيجارة من الأخرى،  ويرتدي سترة سبور من الجلد الأسود، ويلقي النكات  عن السوريين الذين يريدون بناء غواصة للوصول إلى أوروبا، قبل أن يتحدث بجد عن تأمين مستقبل لعائلته.

“لن تستطيع أوروبا أن توقف ذلك على الإطلاق" حسب ما يدّعي. “ ماالذي يجعلني أقول ذلك؟  لأنني أعيش وسط الناس. نحن نطلب اللجوء. وسبب الهجرة هو أنه لا يوجد حل آخر".

لا شك في أن أبا عمار رجل منظم لديه خبره، وقادر على التأقلم مع الظروف. وطريقته في التعامل مع التهريب الشعبي و"سريع الربح" هي أقرب إلى البيزنس الذي يسمح للأفراد ضمن الجالية السورية أن يتورطوا بسهولة في شبكة، وأن يجلبوا معهم للمهرب مسافرين آخرين، فيأخذوا بذلك نسبة على الارباح في العملية.

مازن هو لاجئ سوري في مطلع العشرين طلب أن تبقى هويته مغفلة. وقد تواصل مع أبي عمار في الربيع.

لم يكن مازن يرغب بركب القارب - فهو يقول إنه خطر جداً. وبدلاً عنه، اقترح عليه أبو عمار طريقاً آخر. فمقابل 9,000 $ يستطيع أن يحصل له على فيزة ترانزيت لصربيا من خلال تقديم أوراق مزيفة (إفادة مصرفية، براهين عن سبب الإقامة، وحتى رسالة اعتماد من شركة مزيفة)، وأن يجعله يمر كرجل أعمال من الحدود الصربية بعد أن يسافر إليها من مصر. من هناك، يُفترض أن يقوم مازن بالعبور إما بوسائله الخاصة، أو بمساعدة شبكة مهربين في البلقان، ليصل إلى ألمانيا.

“لدي معرفة بهذه الأساليب وأملك تفاصيل عنها" يعترف أبو عمار بحذر، "كل ما أفعله هو أنني أرشد الناس. وأهم وسيلة أقترحها عليهم هي أن يكتشفوا من هو شريف ومن ليس كذلك".

قُدمت لمازن خيارات أخرى ايضاً.

“حدثوني عن تلك الباخرة الكبيرة إلى إيطاليا مقابل  5,000 $، وأنها كانت قانونية لأنهم يمكن أن يزودوني بوثائق قانونية كعامل على ظهر الباخرة"."قيل لي عن إمكانية الحصول على جواز سفر من سفارة (أوروبية)”.
ويذكر أبو عمار طرقاً أكثر غرابة. فهو اقترح على مازن أن يسافر إلى اليمن، ومن هناك إلى جزر القمر التي لا تبعد عن مدغشقر، بعدها يسافر بالمركب بشكل غير نظامي لمايوت، وهي جزيرة تحت الإدارة الفرنسية. والفكرة هي أن يطلب اللجوء هناك، وذلك أملاً بأن تقوم السلطات الفرنسية بترحيله إلى فرنسا.

مازن رأى أن تلك فكرة سيئة، ومع ذلك ظل يفكر بها لعدة أيام.

في النهاية، حصل مازن على فيزة لبلد في الخليج ولم يحتج إلى مهرب.

رغم كل ذلك قال بأن أبا عمار كان على الأغلب "إنساناً طيباً"، وهو "يهتم". لكنه لم يتأكد من ذلك بشكل قطعي.

عندما يتحول التهريب إلى إتجار

يتم الحديث في أوروبا كثيراً عن شخص مثل أبي عمار كشيطان مجرم لا يعرف حدوداً، وككاذب يسرق حياة الناس. واللاجئون الذين يلجأون لخدماته هم "ضحايا" وليسوا أشخاصاً يقومون بخيارات عقلانية وأحكام تتأسس على الفرص، وعلى الطرقات والمبالغ التي بقيت بمتناول يدهم.
وتحول ممارسات التهريب إلى جرائم إتجار بالبشر في المناطق الحدودية لشبه جزيرة سيناء قد دعمت هذا الموقف. فالمنطقة بدأت بمساعدة اللاجئين الأفارقة والمهاجرين للعبور إلى اسرائيل، بعد حملة كبيرة عليهم في القاهرة. ومع تحول التهريب إلى أعمال ربحية تطورت بعض شبكات التهريب لتتحول إلى عصابات إتجار تخطف اللاجئين والمهاجرين في طريقهم من أثيوبيا والسودان لتأتي بهم إلى سيناء حيث يواجهون التعذيب في معسكر لإجبارهم على دفع فدية مرتفعة.
ولقد جاء في تقرير نشر مؤخراً من إدارة الإتجار بالبشر في الولايات المتحدة بأن التجار المسؤولين عن جرائم لا يمكن تصورها، ويتم اقترافها في معسكرات التعذيب في شمال سيناء يمكن أن يكونوا قد انتقلوا إلى حدود مصر الغربية مع ليبيا على سبيل المثال. وهذا الإدعاء الذي يستند على  تقارير مليئة بالحكايات يذكر بأن "هذه المجموعات الإجرامية قد انتقلت من سيناء إلى الحدود الغربية لمصر مع ليبيا؛ وهؤلاء المهاجرون يظلون في وضع هش ويخضعون لنفس الانتهاكات التي كانت تمارس عليهم في سيناء، بما في ذلك الإتجار بهم".
وعلى الرغم من أنه لا يبدو بأن هذه التجارة التي تصل إلى مصاف الصناعة مثل تلك التي رأيناها في شمال سيناء، يمكن أن تزدهر في الشاطئ الشرقي بقليل من التوجيه وبحوكمة أكثر أماناً، فإن التطورات الأخيرة تفيد بأن أحد مصادر طرق الهجرة المتوسطية، وهو القرن الإفريقي، قد صار مربوطاً بشكل متزايد بنقاط وصول مختلفة مبعثرة في جهات مختلفة.

وحسب ما يقوله المعتقلون ومنظمات المساعدة الدولية التي تستطيع الوصول إلى مقرات الاعتقال المصرية المخصصة للهجرة الشاطئية، فإن الممارسات التي تحمل طابع الإتجار قد تحولت إلى مسالك غير شرعية توصل إلى شاطئ مصر الشمالي. ولقد نبّه النشطاء والباحثون والعاملون في الإغاثة منذ فترة ليست وجيزة إلى شبح الإتجار على الشاطئ الشمالي.

يوسف هو لاجئ سوداني استطاع أن يصل إلى أوروبا من مصر في السنة الماضية. وهو يتذكر  كيف كان المهربون الذين  أداروا رحلتهم  مسلحين من لحظة وصولهم إلى المزرعة.

"كانت لديهم هواتف جوالة وبنادق"، حسب ما يقول. “كانوا عشرين تقريباً، وكنا ما نزال قريبين من الاسكندرية لأننا كنا نستطيع أن نرى أضواء المدينة والشواطئ".

في البحر، قام المهربون كذلك بتهديد الذين في المركب المحمّل فوق استطاعته، والذي كان يحمل يوسف ومئات غيره، بما فيهم عائلات سورية وقاصرين ليس معهم من يرافقهم من مصر.

“كنا ملتحمين جميعاً ببعضنا مثل الحيوانات- لم يكن هناك مكان. كنا نجلس بالصف وكل منّا يضع يديه على كتفي الشخص المواجه له. وقد قام المهربون بتهديدنا: “إن تحرك أحد منكم، سيُقضى على المركب".

لاجئون آخرون يروون كيف قررا أن يتركوا الرحلة بعد أن احتفظ بهم المهربون مختبئين بعيداً في مزارع في كفر الشيخ لأيام. في النهاية، وكيف أجبرهم المهربون على البقاء.

هذه القصص تعكس تلك المنطقة الرمادية ما بين التهريب والإتجار بالبشر في الطرق التي تؤدي إلى البحر المتوسط، وهو شئ لاحظه الباحثون من شهادات في مراكز الاعتقال.

شهادات من معسكرات الاعتقال

“منذ الموسم الماضي، في السنة الماضية تقريباً، بدأنا نلاحظ بعض حوادث الإتجار، وعلى الأخص الإتجار بضحايا التقينا بهم في أماكن الاعتقال بعد أن أخفقوا في اجتياز البحر" حسب ما يقول كاشف". كانوا يروون قصصهم، كيف هربوا من بلادهم -على الأخص أثيوبيا وايريتريا والسودان- ليعملوا ويجمعوا الأموال ثم يذهبوا من ليبيا في البداية، لكن المتاجرين قاموا بعد ذلك بخطفهم وبيعهم إلى متاجرين آخرين".

وهو يذكر شهاد ياسين* الذي تم خطفه في السودان بعد أن هرب من أيريتريا وتم جلبه إلى مصر في وقت مبكر من هذا العام.

“لقد نقلوا (مجموعة ياسين) من السودان إلى أسوان عبر طريق تهريب، ثم أخذوهم في شاحنات كما لو كانوا بضائع تحت غطاء مشمع" كما يذكر كاشف، مضيفاً بأن المجموعة بقيت في القاهرة لمدة أسبوع تقريباً قبل أن يتم نقلها إلى الاسكندرية.

“بعد ذلك قاموا بنقلهم إلى مزرعة دواجن في كفر الشيخ، بالقرب من الطريق الساحلي الدولي، وبقوا هناك ما يقارب عشرة أيام قبل أن يستقلوا المركب. ظل المركب في البحر حوالي عشرة أيام تقريباً. بعد ذلك ظن من في مجموعة ياسين أنهم اقتربوا من الوصول إلى إيطاليا أو بعض الجزر بالقرب من اليونان ليجدوا أنفسهم عائدين إلى إدكو (في محافظة البحيرة )”.

“في هذه الحالة، تخلى عنهم المهربون أو المتاجرون وتركوهم يواجهون خفر السواحل".

بعد ما يقارب شهرين من الاعتقال، تم ترحيل ياسين.

جمال* لاجئ ايريتري آخر، وقد روى لمدى مصر في السنة الماضية كيف تم خطفه من قبل رجال قبيلة الرشايدة في السودان ليتم الإتجار به إلى ليبيا، رغم أنه قد وُعد بمكان على باخرة مصرية تحت غطاء أن هؤلاء الرجال كانوا مهربين. لكنهم لم يكونوا كذلك. فبعد أن تم خطفه وممارسة الانتهاكات عليه، استطاع جمال أن يهرب من المتاجرين في جنوب مصر فاختبأ في مزرعة بالقرب من أسوان. بعد ذلك استطاع أن يصل إلى القاهرة.

تلك هي بعض القصص عن الأزمات المتصاعدة التي بدأت أوروبا تتعامل معها الآن فقط.

كانت مصر تاريخياً مكاناً هاماً للترانزيت في الهجرات المتوسطية، وقد بينت كيف أن الطرق والآليات المتعلقة  بالهجرة غير الشرعية على حدود أوروبا ظلت كما هي لكنها صارت فقط أكثر تعقيداً. فالمهربون يأقلمون أنفسهم، فإما أن يصبحوا أقل ظهوراً أو متوحشين، ومع ذلك فإن المهاجرين واللاجئين ما زالوا يجدون سُبلاً جديدة، في حين أن المراقبة على الحدود وإجراءات الأمن لم تعد على ما يبدو قادرة على إيقاف التدفقات.

هذه الحالة من الأعمال قد تم استنساخها ليس فقط في البحر المتوسط، وإنما الآن في قلب الاتحاد الأوروبي نفسه، مع بعض الدول الأعضاء التي أعادت إدراج إجراءات مراقبة على الحدود في حين أنها تخطط لإدارة جديدة للحدود تُنقل تجربتها إلى بلاد مثل مصر.

لكن هذه الأزمة التي استغرق خلقها عدة سنوات، لا يبدو أنها ستتوقف.


* بعض الأسماء تم تغييرها في هذا المقال لحماية هويات أصحابها.

Related Posts