أيدٍ قاسية تقودهن للموت

 
أيدٍ قاسية تقودهن للموت
نجلاء الفيتوري - ليبيا

فقدت فاطمة زوجها في الحرب، ترك لها خمسة أطفال وهي لم تكمل الثلاثين من عمرها بعد. وجدت نفسها ما بين مطرقة الأرملة وسندان المجتمع، خالية من شهادة أكاديمية تُعينها على دفّة مركبها في مشوارها الطويل. قليلة هي الأيدي الحانية حولها وكثيرة تلك الأيدي القاسية التي لا تَتٌوانى على لف حبل العادات والتقاليد وأسطوانة الدين على رقبتها، وكأنها هي من أشَعل فتيل الحَرب ونصب خيامها ودفن زوجها بين الحوائط المهجورة.

فى ليبيا البندقية حملها ذكور وكذلك القذائف التي أُطلقت، وكراسي السياسة للذكور، وصوامع الجوامع يفُتي وينشر التطرّف فيها ذكور، دقيق المدينة سرقه الذكور.. من خطّط ونهب وحرق ممتلكات الدولة، من انتهك حرمة جسد النساء، من ذبح جاره وطعنه، من زرع الطرقات بالألغام فغدا حصاد الأرواح فيها يشبه الكابوس، من يحَتسي من أكواب الرشاوي، من أوصل والديه بكل قسوة لباب دار المسنين.. من تغاضى عن دمعة يتيم كدموع أطفال فاطمة.

هذه واحدة من آلاف النساء ضَحايا الحرب، كتب القدر المُشين لهنّ طريقاً متعثرة بتبَعات مُنهكة فى وطن ممتدّ على رقْعة كبيْرة يطفْو على نفٌطٍ يتقّاسمه اللصَوص ولا يأبهون بمن حولهَم. وأكثر من يدفع الثمَن فيه بلا رحَمة فاطمة ورفيقاتها وجاراتها وأخواتها في هذا المحيَط المسّكون بالدم والرصَاص.

التعب أنْهك قواهَا، وكلما ظنت أنّها تتَعافَى تجد نفسها وقد رجَعت في دائرة مفَرغة، مكرره بأنّ زوجها الشَهيد لو كان يعلم ما حلّ بها وأبناءها لكان حتما قد تراجع عن التَقدم فى ذلك اليوم العَاصف الممطر. هي مثال على قسوة خنجر المجتمع المغروس فى النساء بلا رحمة، المعتاد في ليبيا حالما يتوفى الزّوج بعد انقضاء ثلاث ليالٍ من مراسِم العزاء بأن يتمّ اصطحاب الزوجة المثكولة بلباس أبيض (الربّاط) إلى منزل عائلتها الّتى خَرجت منه، حيث لم يعد شئ يربطها بالمكان سوى ذكريات طفولة بائسة لتزُف شابّة يافعة إلى بيت الزوجية قبل ان تُكمل تعليمها وأن تعي ما معنى الاعتماد على النفس والاستقلالية. وكيف تقف في طابور المصرف بلا نهاية وهي تحمل أطفالها يشاركونها الذلّ، وكيف تتجنب النظرات الشرهة لعامل المستشفى والتحرش في مصلحة الأحوال المدنية؟ كيف ترعى طفلاً ارتفعت حَراَرتُه وآخر يتضور جُوعاّ؟ وكيف تحتمل أقدام الطفل وهي تتخبط في أحشائها. كم ذرفت من دموع حين علمَت بحَملها.

يمر كل يومٍ تكبر فيه مئة مشكلة لا تجد لحلها سبيلاً، تتفاقم مشاكل الأرامل تحت ركام الحرب. لظاهرة ارتفاع أعداد الأرامل والأيتام أبعادها الاجتماعية والنفسية الخطيرة، فمن يجيب عن أسئلة الصغار؟ من قتل والدهم وكيف قُتل؟ ولماذا لا نسكن في منزل لائق؟ ولما لم نتلقى تعليما معقولا؟ لماذا أحذيتنا متهرئة ؟ لماذا لا ألعاب لدينا؟
 
لنلعن الحرب، فضّحاياها كل تلك النسّوة اللواتي يقال أن تحت أقدامهن الجنة.. وأي طعم لجنة الآخرة حين لا تتوازن مع جّنة الدنَيا.
 
 

22-06-2016
أحلام البدري
كاتبة ومدونة من ليبيا

محتوى نقل من موقع  "أمي ماتت ومات معها كل شيء"

Related Posts

تشريعيات الربيع العربي بالجزائر: نفس الفيلم، نفس السيناريو، نفس الإحباط

22/05/2012

تشريعيات التصدي للبعبع و"الناتو" بالجزائر جاءت كسابقاتها وبنفس الإحباطات رغم أن النظام قد  استطاع مراوغة الجميع بسكبه القليل من ملح على مائدة سياسية بدون طعم...

 

فن "الربيع العربي" يزهر خجولا في لبنان

29/12/2011

في حين بدأت الدول العربية تنتفض لترسم ملامحها الجديدة، خلع لبنان قناعا كان يختبئ خلفه طوال عقود مضت. لبنان الذي كان قبلة للفنانين العرب، بات اليوم مجرد مشاهد مكتوف الأيدي يراقب بأسى، يعارض حينا، ويصفق حينا آخر لإنجازات غيره...

«المغربي يقرأ الثقافة العربية بشموليها في حين ان المشرقي يقرأها مكتفيا بمشرقيته»

03/06/2008

في هذا الحوار يتحدث نوري الجراح رئيس تحرير مجلة "الرحلة" عن أهداف المجلة ودورها في الحوار بين الثقافات الذي أصبح اليوم أساسيا.