إعادة إحياء التراث الثقافي بعد النزاعات المسلحة

 
 
إعادة إحياء التراث الثقافي بعد النزاعات المسلحة
مدينة سرجيلا الأثرية في ريف ادلب
 

يتعاظم الميل لتأييد دور التراث الثقافي في تحقيق المصالحة وتعزيز الشعور بالهوية، وإعادة البناء الاجتماعي في مرحلة ما بعد النزاعات المسلحة، وإن كان هذا الدور لا يزال محلَّ جدالٍ لم يتم الفصل فيه بشكل مطلق على المستوى الدولي.

وقد برز هذا الموضوع كمسألة إشكالية منذ منتصف القرن الماضي، الذي شهد حروباً ونزاعات مسلحة دموية بدءاً من الحربين العالميتين الأولى والثانية، إلى العديد من الحروب الأهلية التي قامت في دول مختلفة من العالم، على خلفية انقسامات مجتمعية إثنية أو دينية. وكان أن أدت هذه الحروب في كثيرٍ من الأحيان، على المستوى الثقافي، إلى تدميرٍ جزئيٍ أو كليٍ للمعالم الثقافية المبنية في مناطق النزاع ونهب القطع التراثية وحرق المكتبات، جرّاءَ الاستهداف المقصود أحياناً للتراث الثقافي، أو غير المقصود أحياناً أخرى.

تعود إشكالية هذه المسألة إلى عدم اليقين بأهمية عملية إعادة إحياء التراث الثقافي في مرحلة إعادة الإعمار، نظراً لصعوبة قياس الأثر الناجم عن هذه العملية كميّاً، وفي ظل ارتفاع تكاليف إعادة إحياء التراث وندرة الخبرات العاملة في هذا المجال، كل ذلك أدى إلى نشوء ميلٍ نسبيٍ إلى تلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية (الغذاء والسكن والخدمات الصحية) للسكان المحليين المتضررين من الحروب كأولوية أساسية، وتأجيل إعادة إحياء التراث إلى مراحل لاحقة باعتبارها ترفاً لا يمكن تحقيقه بعد الحرب مباشرة. إلا أنه، وفي المقابل، تتنامى النزعة نحو اعتبار إحياء التراث الثقافي ضرورة لا ينبغي تأجيلها، نظراً للدور الهام الذي يلعبه العامل الثقافي في إعادة البناء الاجتماعي وإعادة الشعور بالهوية وتحقيق المصالحة في المجتمعات المنقسمة، دون المساس طبعاً بأولوية تلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

 
إعادة إحياء التراث ضرورة أم ترف؟

تترك النزاعات المسلحة آثاراً كارثية على المستوى الاجتماعي، حيث ينعدم الإحساس بالأمان، وتنعدم الثقة بين الفئات الاجتماعية المختلفة وتختل العلاقات فيما بينها ويطبعها الريبة والخوف، ويضعف الشعور بالانتماء والهوية. كما تؤدي عمليات النزوح المستمرة من مناطق النزاع المسلح إلى مناطق أخرى أكثر أمناً، أو إلى دولٍ أخرى، إلى حصول تغييرات ديمغرافية عميقة قد تؤدي إلى تغييرات هامة في خصائص المجتمع الواقع تحت الحرب، وتطفو على السطح مشكلات اجتماعية خطيرة كالبطالة وفقر الجوع والتسول والتشرد والسرقة والقتل والجريمة بشكل عام.

وعلى المستوى الثقافي، تُحدِثُ النزاعات المسلحة خسائر فادحة، حيث يتعرض التراث الثقافي في مناطق النزاع المسلح للتدمير الجزئي أو الكلي، ونهب القطع الأثرية، وحرق المكتبات، إلى غير ذلك من الخسائر. كما تؤدي الحرب أيضاً إلى اندثار التراث اللامادي أحياناً، أو تغيّره بسبب التغيرات الديمغرافية الحاصلة في المجتمع، والتي يسببها النزوح أو اللجوء إلى دول أخرى. كما تستهدفُ الحربُ الاستمراريةَ في العلاقات الاجتماعية، التي تحقق الترابط بين الأجيال وتؤمّن استمرار القيم الثقافية بما فيها ثقافة الحياة اليومية، وانتقالها عبر الأجيال «Thread of Continuity».

ومن جهة أخرى، تتغير العادات والسلوكيات الاجتماعية وأنماط التفكير بفعل الحرب، حيث يتم تقبل سلوكيات كانت مرفوضة سابقاً كالسرقة مثلاً، على حساب تراجع مفاهيم مثل الأخلاق أو الفخر والاعتزاز بالتراث الثقافي، لتبدو سرقة القطع التراثية مثلاً مبررةً في زمن الحرب.

وتأتي أهمية التراث الثقافي من أن مساهمته في إعادة الإعمار، تتخطى ترميم المباني العمرانية المتضررة بالحرب واستعادة التراث المسروق، حيث تساهم إعادة إحياء التراث الثقافي في إعادة البناء الاجتماعي في المجتمعات الخارجة للتو من الحرب، فهو يساعد على تأكيد الشعور بالهوية ويساهم في تحقيق مفاهيم التسامح والمصالحة وبناء الثقة في المجتمع المنقسم، مما يسرّع في عودة اللاجئين والنازحين إلى مناطقهم التي تركوها أثناء الحرب، ويساهم في عودة الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

بالإضافة إلى ذلك، تؤمن مشاريع الترميم للمباني والمعالم التراثية فُرَصَ عملٍ للشباب في المجتمعات المحلية، في قطاع البناء بشكل خاص، مما يساهم في تخفيض معدل الفقر وإنعاش الاقتصاد الذي أنهكته الحرب، سيما وأـن هذه المشاريع تعمل على مجال زمني طويل نسبياً. هذا، بالإضافة إلى مساهمتها في نقل الخبرة العملية «know-how» من المنظمات الدولية إلى الخبراء المحليين. وبذلك، يبدو إحياء التراث الثقافي ضرورة تستوجب العمل عليها في المراحل المبكرة لإعادة الإعمار بعد الحرب.

 
ماهية التراث الثقافي المستهدف بعملية إعادة الإحياء

تتركز جهود إحياء التراث في معظم الأحيان، في مرحلة ما بعد النزاع المسلح، على ترميم المباني التي تعدُّ تراثاً ثقافياً، وتغفل الاهتمام بإحياء الذاكرة الجمعية للمجتمعات الخارجة من الحرب، رغم أنها هي من يعطي هذه المباني التراثية قيمتها أساساً، مما لا يساعد على تحقيق الأهداف المرجوّة منها.

وبشكلٍ عام، هناك ميلٌ لدى المجتمعات المحلية لاسترداد التراث الثقافي المسروق وإعادة، إحياء التراث المتضرر بالحرب، بما فيه التراث الذي كان مندثراً أو يكاد قبل الحرب، كالحرف التقليدية والكرنفالات والاحتفالات التقليدية. وهذا الميل يلبي حاجة اجتماعية-نفسية لاستعادة الأشياء ذات الأهمية الاجتماعية والروحية، والتي افتقدها المجتمع مع توقف الحياة الطبيعية اليومية طيلة سنوات الحرب، لأن استعادة هذه الأشياء يوحي بعودة الحياة إلى طبيعتها كما كانت قبل الحرب.

على ذلك، يتوجب الاهتمام بالتراث الثقافي بشقّيه المادي واللامادي في مرحلة إعادة الإعمار.

 
التراث الثقافي المادي

تأتي أهمية التراث الثقافي المادي المبني من قيمته التاريخية، كالأسواق والأحياء والبيوت السكنية القديمة تاريخياً، والمعالم التراثية والنصب التذكارية وغير ذلك، أو من وظيفته الأصلية التي حملها منذ إنشائه «Original Function»، كالمراكز الدينية من مساجد وكنائس ودور العبادة الأخرى. وينبغي عدم إغفال كلا النوعين خلال عملية الترميم، لأن التراث الثقافي المادي ذو القيمة التاريخية يمكن أن يشكل عاملاً جامعاً تلتقي عليه كافة أطياف المجتمع، بينما يعتبر ترميم الموقع الثقافي الديني ضرورياً بسبب دور الأديان الهام في تشكيل ثقافة المجتمع.

إلا أن نقص التمويل والخبرات الضرورية العاملة في مجال إحياء التراث الثقافي، يشكل عائقاً أمام تنفيذ مشاريع الترميم وإعادة البناء لكل المواقع والمعالم التراثية المادية المتضررة بالحرب، مما يضعنا أمام سؤالٍ شائك: من أين نبدأ؟ وما الذي يحوز على أولوية الترميم من مكونات التراث المبني، المواقع التراثية (التاريخية أو الدينية)، أم البيوت السكنية التراثية؟

تحظى البيوت السكنية بأهمية خاصة اجتماعية وروحية، تستمدها من قيمتها الشخصية، وذلك بسبب دورها الهام في تأكيد الشعور بالأمان والانتماء والاستقرار والهوية. وفي سوريا بشكل خاص، نلاحظ ارتباط أفراد الأسرة بمنزل العائلة إلى حدٍّ كبير، وفي وقتنا الحالي يمكن أن يتكبد أفراد العائلة تكاليف تسديد قروض مصرفية لعقدين من الزمن أحياناً، مقابل حصولهم على ملكية منزل للعائلة، مما يعكس أهميةً استثنائيةً للبيوت السكنية. وضمن السياق نفسه، أثبتت التجارب في دول متعددة تعرضت للحروب، أن اللاجئين الذين يفرون من ويلات الحرب إلى دول أخرى، يحملون معهم غالباً مفتاح المنزل الذي تركوه بسبب الحرب، وكمثال على ذلك نجد أن معظم اللاجئين الفلسطينيين يعلّقون اليوم مفاتيح بيوتهم التي تركوها وراءهم في العام 1948 على جدران بيوتهم في مخيمات اللجوء، كما أن القبارصة اليونانيين احتفظوا أيضاً بمفاتيح بيوتهم خلال فترة لجوئهم، وبعضهم خبأها في أماكن سرية قبل المغادرة على أمل العودة ثانية إليها، مما يؤكد على أن الارتباط بالمنزل أحد أهم الروابط الإنسانية الأساسية.

انطلاقاً من هذه الفرضية، يمكن إعطاء الأولوية في ترميم التراث المبني للبيوت السكنية ذات القيمة التراثية والمتضررة بالحرب، والبيوت الأثرية في أحياء المدينة القديمة بحلب مثالاً. وفيما عدا البيوت السكنية، يمكن اختيار مواقع تراثية محددة وترميمها في المرحلة الأولى، على أن يكون الاختيار مدروساً بحيث يحقق أفضل نتائج ممكنة على طريق تشجيع عودة اللاجئين والنازحين إلى مناطقهم وتحقيق الاستقرار والسلم الأهلي، على أن يتم استكمال أعمال الترميم لكافة المواقع التراثية على المدى البعيد. ويجب أن يتم توضيح هذه المنهجية على المستوى الشعبي، لضمان تحقيق فهمٍ عامٍ لمراحلها وتأمين الدعم الشعبي اللازم لعملية إحياء التراث الثقافي وإعادة الإعمار. كمثال على المعالم التراثية ذات البعد التاريخي، يمكن أن نذكر الجسر المعلق في دير الزور، وسوق المدينة القديمة في حلب. وفيما يخص المراكز الدينية، نذكر على سبيل المثال الجامع الأموي في حلب وكنيسة أم الزنار في حمص.

وفي هذا السياق، يجدر التأكيد على ضرورة القيام بعملية الترميم بطريقة رصينة، بحيث لا تؤدي إلى إحداث تغييرات في المباني التراثية سواء في مظهرها أو في وظائفها وطبيعة استخدامها. ففي البوسنة مثلاً، تمت إضافة مآذن جديدة للمساجد خلال أعمال الترميم، مما أحدث تغييراً في المشهد الثقافي التقليدي، كما تم تغيير الطوائف المستخدِمة للكنائس بعد الترميم وبذلك لم تحافظ أعمال الترميم على دور الكنيسة السابق، وفي هذا خروج لهذه المباني عن العمارة المحلية التقليدية وعن الدور الثقافي التاريخي.

 
التراث الثقافي اللامادي

يتسم التراث الثقافي اللامادي في المجتمع السوري بالتنوع والغنى نظراً لتعدد الثقافات المكونة له، ويندرج تحته عناوين مختلفة، كالممارسات والطقوس الاجتماعية والفنون وتقاليد أداء العروض وأشكال التعبير الشفهي والمهارات المرتبطة بالفنون الحرفية التقليدية والمعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون. وهذا يتطلب البحث الجدّي في هذا المخزون، واختيار مكونات التراث الثقافي اللامادي التي أوشكت على الاندثار والعمل عليها لإعادة إحيائها في المجتمعات المحلية المختلفة، بالشكل الذي يضمن الحفاظ على حيوية التراث الثقافي وتجدده وانتقاله عبر الأجيال من خلال حصره وتوثيقه ونشر المعرفة به، واحتضان ودعم المبادرات الأهلية المهتمة بحفظ التراث على ندرتها (1)، وكذلك دعم الأفراد العاملين فيه وتشجيعهم على الاستمرار في إنتاجه، ونقل هذه المعرفة/الخبرة لأشخاص آخرين لضمان استمراريتها. مع التركيز على أن الدعم هنا لا يتم تقديمه لفرصٍ مولدةٍ للدخل (كون هذه المهارات لن تستطيع على الأغلب منافسة الأساليب المعاصرة)، وإنما للحفاظ على هذه المهارات كقيمة ثقافية حافظة للهوية.

وعلى مستوى القيم الثقافية المجتمعية والإنسانية، تبرز الحاجة في مرحلة إعادة الإعمار إلى إطلاق مشروع ثقافي كبير عنوانه العريض «إعادة إحياء التراث الثقافي والقيم الثقافية المجتمعية والإنسانية». يهدف المشروع إلى إحياء وتنشيط حركة الإبداع الثقافي في المجتمع السوري، لتعزيز الثقافة المدنية ونشر القيم الثقافية المجتمعية والإنسانية العالية، التي تعزز ثقافة المحبة والسلام والتسامح واحترام التنوع والاختلاف، وتنبذ الصراعات والانقسام والتطرف والإقصاء، ويمكن للمسرح أن يشكّل أحد الحوامل الثقافية الأساسية لهذا المشروع.

 
المسرح

تقوم الفكرة على صياغة مشروعٍ مفتوحٍ للعمل، بمعنى أن يقوم المشروع بطرح عنوان كبير كتوجه عام يتضمن توضيحاً للوظائف والمحددات المبدئية للمسرح الجديد، وسلسلة المفاهيم والقيم الثقافية المجتمعية المطلوب تكريسها وتعزيزها في المجتمع، كأفكار السلام والمحبة والحب والتسامح والتضامن والحرية واحترام التنوع والاختلاف ورفض التقاليد البالية والتطرف والجمود، وتقبّل الأفكار الجديدة. بمعنىً آخر، محاولة توجيه العروض لتقديم الأفكار الإنسانية والنظيفة، وتحميل هذه الأفكار مضامين إحياء التراث الثقافي والحفاظ عليه، دون التدخل في مواضيع المسرحيات والنصوص ونوع المسرح، حيث تُترك هذه التفاصيل للفرق المسرحية، على أن يتم تقديم هذه الأفكار بسلاسة ودون استخدام لغة مباشَرة تلقينية فجّة.

وتُعدُّ الفرق المسرحية الجديدة (التي تضم عناصر شابة من الخريجين الجدد وطلاب التخرج والهواة) هي الأفضل لتقديم هذا المشروع، نظراً لكونها منفتحةً وطموحةً لبناء مستقبلها وتحقيق ذواتها، وغير متطلبة مادياً.

ولا نعني بالمسرح هنا المسرح التقليدي أو ما يسمى الخشبة الثابتة، بسبب صعوبة نشر هذا النوع من المسارح على جميع المناطق السورية وارتفاع كلفته المادية، وبسبب وجود حاجزٍ نفسيٍ يمنعُ شرائح عريضة من المجتمع من ارتياد المسرح الذي يستهدف أساساً فئات محددة، مما لا يسمح بتحقيق أهداف المشروع. بل نعني المسرح الشعبي بأنواعه الجديدة المختلفة (مسرح الشارع والمسرح الجوال والمسرح التفاعلي) دون إلغاء مسرح الخشبة الثابتة الذي ترتاده فئات مجتمعية محددة.

يقوم المسرح الجوال على تقديم عروض مسرحية على خشبة متنقلة، مجهزة بتجهيزات الصوت والإضاءة في الهواء الطلق في الحدائق والساحات العامة. ويتميز هذا المسرح بانخفاض تكلفته نسبياً عن مسرح الخشبة الثابتة، وسهولة تنقّله ونشره على كامل المناطق السورية، كما يتميز بكسره للحاجز النفسي الذي يمنع الجمهور المتلقي من الذهاب للمسرح، وتكلُّف عناء المواصلات وتكلفة تذكرة العرض، حيث نجد هنا أن المسرح يأتي للجمهور وليس العكس. وهكذا يتم تقريب الجمهور من المسرح وتقديم أفكار لا يمكن تقديمها بصورة شعبية في دور الأوبرا على الخشبة الثابتة، مما يحقق صلة وعلاقة جديدة بين الثقافة والمتلقي العادي في الشارع. وعادةً يكون المسرح الجوال مجانياً، ولذلك فإنه يقوم عادة على فرق الهواة وطلاب المعهد المسرحي والفرق الجديدة، التي ترغب بتحقيق شهرة في الأوساط الشعبية. إلا أنه يمكن أن يكون ربحياً أيضاً باستخدام الإعلان عن منتج تجاري ما (وضع بوسترات مثلاً للترويج لسلعة ما خلف مكان العرض).
 
إعادة إحياء التراث الثقافي بعد النزاعات المسلحة
عرض مهرجان سوريا لأفلام الموبايل في مدرج بصرى الأثري


وهناك أيضاً مسرح الشارع، ويسمى أيضاً الخشبة المفاجئة، وهو مسرح مبتكر وخلاق ينطلق من فكرة المسرح الحر وتدمير الوحدات (الزمان والمكان والنص)، ويعتمد على الارتجال والتداعي الحر. الخشبة هنا غير مجهزة، حيث يمكن أن يبدأ العرض فجأة في إحدى الحدائق أو الساحات العامة دون تجهيز مسبق. ويعتمد هذا المسرح على قدرة الممثل على حشد الناس ولفت انتباههم، وعلى إمكانيات الممثل والمخرج لعدم وجود تحضير مسبق للأداء، حيث تكون البروفا الأولى للعرض هي العرض الأول الذي يقدّم أمام الجمهور نفسه.

ويحدث أحياناً أن يصبح الجمهور جزءاً من العرض، إلى درجة أن العرض قد ينتهي بجزء من الجمهور فقط دون الممثلين، وذلك بسبب تفاعل الجمهور مع العرض واندماجهم فيه وانسحاب الممثلين تدريجياً منه وهو ما يسمى المسرح التفاعلي.

 
الموسيقا

يمكن للموسيقا أن تشكل رافداً آخر لتعزيز القيم الثقافية والحفاظ على التراث الثقافي، ونشير هنا إلى تجربةٍ سابقةٍ يمكن الاستفادة منها مستقبلاً، ونعني بها مشروع «موسيقا على الطريق»(2)، حيث كان يتم تقديم الحفلات في الأماكن العامة كالساحات والحدائق.

هدفَ المشروع إلى المساهمة في تقريب الناس من الموسيقا الجادة، وربطها بالحياة بطريقة مباشرة وحيّة، وتعريف الجمهور السوري بأنماط موسيقية مختلفة وجديدة. وشارك في العروض مجموعة كبيرة من الفرق الموسيقية، التي ضمت عدداً كبيراً من الموسيقيين الشباب الهواة. كما قدم المشروع بالإضافة للعروض الموسيقية تظاهرة «الرحلة البصرية» التي دمجت العرض البصري والموسيقا، وتظاهرة «يحكى في سوريا» التي أتاحت الفرصة لتقديم موسيقا وأغاني باللغات الحية المختلفة الموجودة في سوريا (السريانية والكردية والأرمنية)، فجسّدت بذلك الحياة اليومية لكثيرٍ من الثقافات الشعبية في سوريا، وعرَّفت الجمهور على هذه الثقافات وأظهرت جماليات التعددية الثقافية.

يمكن البناء على هذه التجربة في مرحلة إعادة الإعمار، خاصةً وأنها أثبتت نجاحاً جيداً في الفترة السابقة، ويمكن تطوير الفكرة ودمج المسرح بالموسيقا وابتكار عروض مختلفة جديدة.

 
معارض رسم ومتاحف

يمكن أيضاً إقامة معارض/متاحف مؤقتة ومتنقلة، تقامُ لفترةٍ محددةٍ في منطقة ما، لتنتقل بعدها في جولة على المناطق السورية المختلفة. وتتضمن نشاطات مختلفة، على سبيل المثال يمكن عرض معالم تراثية ذات قيمة تاريخية أو رسومات تنشر أفكار السلام والتسامح، وأعمال حرفية تراثية وملابس فولكلورية وغير ذلك. ويمكن تخصيص بعض البرامج للأطفال، بهدف تقديم الدعم النفسي للأطفال الذين عاشوا الحرب.

هذه المبادرات الثقافية يمكن أن تشكّل مركز تلاقٍ مجتمعي جامع لكافة المكونات الثقافية في المجتمع، مما يساهم في تعزيز الاندماج والتواصل والحوار بين الثقافات المختلفة.

 
التعليم

لأن مفتاح التغيير الإيجابي يكمن في التعليم وخاصة في المراحل المبكرة منه، تبرز الحاجة لمراجعة مناهج التعليم. حيث يمكن مثلاً إضافة مادة دراسية لطلاب التعليم الأساسي (أو الصفوف الأولى منه) حول مفاهيم الأخلاق العامة والتربية المدنية والمواطنة والقيم الثقافية المجتمعية والإنسانية الجامعة، كما يمكن تعديل مادة التربية الدينية مثلاً بحيث تركز على القيم المشتركة لجميع الأديان، الهادفة لتحسين حياة الإنسان وتعزيز مفاهيم الخير والمعرفة والمحبة (على سبيل المثال يمكن ربط درس الوضوء بمفهوم النظافة الشخصية، وأثرها على صحة الفرد والمجتمع).

 
المنهجيات وآليات التنفيذ

إن عملية إعادة إحياء التراث الثقافي ليست مجرد عملية إنشائية سريعة يتم انجازها خلال وقت قصير، بل يجب أن تنجز ضمن عملية تنمية مستدامة شاملة ومستمرة على المدى الطويل، بحيث تعتبر أعمال الترميم جزءاً من استراتيجية أوسع وأبعد بكثير. ويُفترض أن تبدأ في المراحل المبكرة لإعادة الإعمار بعد الحرب. وبينما تندرج تلبية الحاجات الإنسانية الأساسية (الغذاء والسكن والخدمات الصحية) في إطار الاستجابة الإغاثية للاحتياجات الأساسية التي سببتها الحرب، فإن إعادة إحياء التراث الثقافي يشكّل استجابة إنمائية لهذه الاحتياجات.

وهي تذهب إلى ما هو أبعد بكثيرٍ من مجرد الترميم العمراني للبنى المبنية، فهي تعني إعادة البناء الاجتماعي والثقافي، والتركيز على استعادة الموقع التراثي لوظيفته التي اختصَّ بها عند إنشائه ليكون حافظاً للهوية، واستعادة الأشياء الحميمية والمألوفة التي تتميز بقيمتها الشخصية، والتي تعكس الرغبة الشعبية في الحفاظ على ثقافة الحياة اليومية، أو ما يمكن تسميته بـ«Thread of Continuity».

وقد أثبتت التجارب في العديد من الدول التي قامت بعملية إعادة إحياء التراث الثقافي بعد النزاعات المسلحة، أن النماذج المستوردة أو المفروضة من الخارج غير فاعلة، حيث أنها تتجاهل إحدى أهم الاحتياجات الأساسية في مرحلة إعادة البناء المجتمعي بعد الحرب، وهي إعادة تأكيد الشعور بالهوية، مما يستدعي تصميم نموذج تنموي وطني «Tailored Approach» يتم تفصيله بحيث يراعي خصائص المجتمع السوري، ويقدم الاستجابات المناسبة التي تأخذ الواقع المحلي بالاعتبار.

ونظراً لعدم توفر الخبرات المحلية الكافية، هناك حاجة للاستعانة بالمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية، التي تتمتع بالخبرة وتراكم التجربة في هذا المجال، لتنفيذ عملية إعادة إحياء التراث الثقافي.

كما أنه من الضروري إشراك المجتمع الأهلي المنظَّم (الجمعيات الأهلية والمجالس المحلية)، وكذلك المجتمع الأهلي غير المنظَّم (متطوعون من المجتمعات المحلية، وممثلون منتخبون لهذه المجتمعات)، في تخطيط وتنفيذ مشاريع إعادة إحياء التراث الثقافي. حيث أثبتت التجارب التنموية في العالم، ضرورة إشراك المجتمعات المحلية في تخطيط وتنفيذ عملية التنمية لضمان نجاحها واستمراريتها. وتشير تجربة ترميم معبد بوذا في سيريلانكا إلى دور الدعم الشعبي في نجاح المشروع، حيث ساهم المجتمع المحلي بجمع التبرعات لـتأمين التمويل (بلغت قيمة التبرعات 3 أضعاف المبلغ اللازم للتمويل)، كما ساهم أيضاً بأعمال البناء الإنشائية والأعمال الحرفية الفنية. ويمكن أن تتم المشاركة في التخطيط من خلال عقد اجتماعات (اجتماعات عامة، مجموعات التفكير المركز «Focus Groups»، وغير ذلك) على مستوى المحافظات مثلاً، تضم ممثلين حكوميين وممثلين عن المنظمات المنفذة للمشاريع والمجتمع الأهلي المنظَّم وغير المنظَّم لاستقطاب الآراء المختلفة وتكوين فكرة عن توجّه المزاج العام، وتأتي أهمية هذه الخطوة من الاختلاف في الرؤية بين المجتمعات المحلية والمنظمات الدولية فيما يخص مسألة الاحتياجات الأساسية والأولويات وسيناريوهات إعادة الإعمار. أما في مرحلة التنفيذ، فيمكن للمجتمع الأهلي المشاركة في أعمال البناء أو الأعمال اللوجستية المساعِدة كمتطوعين أو مشتغلين بأجر، وفي هذه الحالة يتم توفير فرص التشغيل للمجتمع المحلي، ما يساهم في تخفيض معدل الفقر وإنعاش الاقتصاد.

وفيما يخص التمويل، يمكن تأسيس صندوق خاص لتمويل مشاريع إعادة إحياء التراث الثقافي، ويتم تمويله من الدول والمنظمات الدولية المهتمة بإحياء التراث الثقافي بشكل أساسي، ومن الخزينة العامة للدولة، بالإضافة إلى جمع التبرعات من السوريين المقيمين داخل سوريا وخارجها.

وبالطبع، تتطلب المرحلة الجديدة مراجعة النصوص التشريعية الحالية المتعلقة بحماية التراث الثقافي وتعديلها، و/أو إصدار تشريعات جديدة تناسب هذه المرحلة. كما تتطلب تنظيم حملة إعلامية في المراحل المبكرة لإعادة الإعمار وإحياء التراث، هدفها تعبئة الجهود في المجتمعات المحلية وحشد التأييد الشعبي اللازم لإطلاق العملية، وشرح مراحل سيرها، وتبرير المسائل المتعلقة بأولويات العمل وطول المدة الزمنية وعقبات التمويل.

هذا بالإضافة إلى الحاجة لتنمية القدرات المجتمعية، وتدريب المشتغلين والمتطوعين من المجتمعات المحلية في عملية إحياء التراث على النشاطات الموكلة لهم، لضمان تنفيذها وفق المواصفات المقبولة.

وعلى عكس التوجه التي انتهجته بعض الدول الخارجة من الحرب بترك بعض المناطق المدمرة دون إعمار بهدف التذكير بأهوال الحروب، لا يبدو هذا الطرح مقبولاً في سوريا نظراً لكونه لا يتسق مع مفاهيم إعادة البناء الاجتماعي وتحقيق مفاهيم التسامح والمصالحة، وهي الأهداف البعيدة لعملية إعادة إحياء التراث الثقافي.

كما يتم استخدام تدمير التراث الثقافي كأداة للحرب بهدف إضعاف الشعور بالهوية وكسر الروح المعنوية والإرادة، فإن إعادة إحياء هذا التراث يمكن أن تساعد على التعافي من خلال مساهمته في بناء السلام وترسيخ الاستقرار الاجتماعي وتحقيق المصالحة. ولأن المصالحة تحتاج إلى وقتٍ طويلٍ لتأسيسها، فإن عملية إعادة إحياء التراث الثقافي لا تعني بحد ذاتها أن المصالحة المجتمعية تحققت، لكنها خطوة ضرورية لبناء الثقة والتقدم باتجاه المصالحة.


 

هوامش

1. في عام 2014 أطلقت الجمعية السورية للثقافة والمعرفة (وهي جمعية أهلية) مشروع «حصر وتوثيق التراث اللامادي في سورية»، حيث قامت بحصر وتوثيق مائة عنصر من عناصر التراث اللامادي في سوريا.
2. يعود المشروع إلى جمعية «صدى للثقافة الموسيقية» (وهي جمعيةٌ أهلية)، تم إطلاقه في عام 2008 ضمن فعاليات «دمشق عاصمة الثقافة العربية»، واستمر حتى نهاية عام 2010.
 

25 يونيو 2016
ضحى الشيخ حسن
باحثة في مجال تخطيط التنمية الاقتصادية والاجتماعية في سوريا.

محتوى نقل من موقع  joumhouria

Related Posts

سياسات أورومتوسطية: "نقاط مضيئة"

27/06/2008

الثغرات التي تبدو أكثر عمقا وتغيرا هي واهية: فالتعاون الثقافي عبر البحر الأبيض المتوسط يتحرك داخل إطار لمضمون سياسي ، ويمكن أن نصفه بأنه "قاتم".

الثورة السورية تقاطع المصالح والهولوكست الأسدي

12/09/2012

يبدو المشهد السوري اليوم في أشد لحظات تعقيده منذ بداية الثورة السورية في آذار 2011، فلا الحل العسكري الوحشي الذي انتهجه النظام ضد الشعب السوري...

 

كيف قتل المجلس العسكري الثورة في مصر بالقانون

20/06/2012

بالتأكيد يمكن منح واضع سيناريو المرحلة الانتقالية في مصر جائزة أحسن سيناريو في العقد الثاني من الالفية، فصانع المسارات التي دخلتها الثورة المصرية بجماهيرها...